شركة بوابات الخير للذكاء الاصطناعي

الطابق الأول، المبنى 7، المنطقة أ طريق المطار، البوابة الاقتصادية ص.ب 93597 الرياض 11683، المملكة العربية السعودية

0112611571

+966570709955

الذكاء الاصطناعي والإعلام

ماذا يبقى من الصحفي حين تتعلّم الآلة أن تكتب الخبر، وتلتقط الصورة، وتترجم البيان، وتلخّص المؤتمر، وتصوغ العنوان الذي يستدرج الضغطات في ثوانٍ معدودة؟ السؤال الذي يطرحه كثيرون اليوم بنبرة الرثاء ليس سؤالاً عن التقنية، بل سؤال عن جدوى مهنةٍ ظنّت لقرنين أنها وحدها تملك مفاتيح الحقيقة العامة. غير أن المفارقة الأعمق أن الذكاء الاصطناعي، وهو يهدد الصحفي التقليدي في أكثر مهامه آليةً وتكراراً، قد يكون في الوقت ذاته الفرصة التاريخية لإعادة الصحافة إلى جوهرها المنسي: لا نقل ما حدث، بل تفسير لماذا حدث، وكشف ما يُراد إخفاؤه خلف ركام البيانات. وبين النهاية المعلنة والولادة المؤجلة، يقف الإعلام عند مفترق لا يحتمل الحياد.

لفهم حجم الزلزال، لا بد من العودة إلى طبيعة العمل الصحفي نفسه قبل أن نفتتن بأدوات تفكيكه. فالصحافة في صورتها الكلاسيكية سلسلة من المهام المتراكبة: رصد الحدث، وجمع المعلومة، والتحقق منها، وصياغتها، ثم توزيعها على جمهور. وقد بيّن تقرير معهد رويترز لدراسة الصحافة في جامعة أكسفورد، في متابعاته المتتالية لاتجاهات الأخبار الرقمية، أن غرف الأخبار حول العالم باتت تدمج أدوات التوليد الآلي في كل حلقة من هذه الحلقات تقريباً، لا بوصفها رفاهية بل ضرورة بقاء في سوق انهارت فيه عائدات الإعلان التقليدي. وهنا تحديداً يقع الالتباس الذي يرى الكاتب أنه أصل المأساة: حين اختُزلت الصحافة طويلاً في حلقتيها الأضعف، أي الرصد والصياغة، صار من السهل أن يتوهّم الناس أن الآلة القادرة على هاتين الحلقتين قادرة على المهنة كلها.

التحليل الرصين يقتضي التفريق بين ما تجيده الآلة حقاً وما تتظاهر بإجادته. لقد أثبتت تجارب وكالات كبرى مثل أسوشيتد برس، منذ سنوات، أن خوارزميات توليد النصوص تكتب تقارير الأرباح الفصلية ونتائج المباريات بكفاءة تفوق البشر سرعةً وحجماً، لأنها مهام ذات قوالب ثابتة وبيانات منظّمة. غير أن أبحاث مختبر الإعلام في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا تشير إلى أن هذه القدرة، مهما اتسعت، تظل أسيرة ما يُغذّى به النموذج؛ فهي تعيد تركيب الموجود ولا تُنتج المعنى الغائب. والصحافة الحقّة، كما يحب الكاتب أن يذكّر، لا تبدأ حيث تنتهي البيانات، بل حيث تصمت البيانات عمداً، حيث يرفض مسؤول الإجابة، وحيث يحتاج الأمر إلى مصدرٍ بشريٍّ يثق بصحفيٍّ من لحم ودم لا بواجهة آلية باردة. هذه المنطقة، منطقة الحدس والعلاقة والشجاعة، عصيّة على المحاكاة لأنها ليست معلومةً تُسترجع بل ثقةٌ تُبنى.

على أن خطر التهوين لا يقل عن خطر التهويل. فمن السذاجة الاطمئنان إلى أن الآلة ستكتفي بالمهام الدنيا وتترك للإنسان عرشه. لقد كشفت دراسات أجراها باحثون في جامعة ستانفورد ضمن تقريرها السنوي عن مؤشر الذكاء الاصطناعي أن قدرة النماذج على الاستدلال والتلخيص والتركيب تتسارع بمنحنى يصعب التنبؤ بسقفه، وأن كثيراً مما اعتُبر بالأمس حكراً على العقل البشري صار اليوم في متناول النموذج. والأخطر من إزاحة الصحفي هو ما يحذّر منه باحثون في جامعة هارفارد حين يتحدثون عن انهيار الثقة في المعلومة ذاتها؛ فحين يصير تزييف الصوت والصورة والفيديو متاحاً لأي يد، تتحول السلطة الحقيقية من امتلاك المعلومة إلى امتلاك أداة التحقق منها. هنا يرى الكاتب أن الصحافة لن تموت بفعل وفرة الإنتاج الآلي، بل قد تختنق بفعل فيضان لا يميّز فيه القارئ بين الخبر والاختلاق، وبين الشاهد والمصطنع.

شاطئ الجبيل ومن زاوية مخالفة للسائد، يذهب الكاتب إلى أن أزمة الإعلام الراهنة ليست أزمة تقنية بل أزمة نموذج اقتصادي تكشفه التقنية ولا تصنعه. فالصحافة الجادة كانت تموّل، في عصرها الذهبي، من فائض إعلانيٍّ سخيٍّ سمح للمؤسسة أن تنفق على التحقيقات الطويلة والمراسلين في الميدان. وحين ابتلعت منصات التواصل ومحركات البحث ذلك الفائض، تُركت غرف الأخبار تنزف، فلجأت إلى الكمّ السريع رخيص الكلفة، أي تحديداً إلى نوع المحتوى الذي تنتجه الآلة الآن بلا أجر. ومن هذه المفارقة تنبثق البشارة الخفية: حين تتكفّل الآلة بالمحتوى الرخيص المتكرر، يفقد هذا المحتوى قيمته السوقية تماماً، فلا يبقى للمؤسسة الإعلامية ما تتميز به إلا ما لا تستطيع الآلة تقليده، أي التحقيق العميق، والتحليل الأصيل، والمصداقية التي تُبنى عبر السنين. بهذا المعنى، قد يكون الذكاء الاصطناعي هو المطهّر القاسي الذي يعيد للصحافة الجادة ندرتها، ومن ثمّ قيمتها. فالندرة، في كل سوق، هي أمّ القيمة، والصحافة العميقة كانت تنزف قيمتها يوم صار كل شيء وفيراً ومجانياً ومتشابهاً.

شاطئ الجبيل وفي السياق العربي تتضاعف الرهانات وتزداد الفرص حدّةً ووضوحاً. فالمحتوى العربي على الشبكة ظلّ طويلاً فقيراً كمّاً وكيفاً قياساً إلى ثقل اللغة وعدد متحدثيها، وهو فقرٌ تركَ المستخدم العربي رهينةً لترجماتٍ آلية ركيكة ومصادر لا تراعي خصوصيته. وهنا تبرز رؤية المملكة 2030 بوصفها مشروعاً لا يكتفي باستهلاك التقنية بل يطمح إلى توطينها وصياغة محتوى عربيٍّ موثوق يُنافس عالمياً. والصحافة العربية، إن أحسنت توظيف الأدوات الجديدة، قادرة على أن تردم فجوة المحتوى لا بأن تغرق السوق بنصٍّ آليٍّ بلا روح، بل بأن تحرّر صحفييها من الأعباء الروتينية لينصرفوا إلى ما يصنع الفارق: رواية قصص المنطقة بصوتها هي، لا بصدى من يكتب عنها من بعيد. ويرى الكاتب أن مصداقية المحتوى العربي ستكون، في العقد المقبل، أثمن من وفرته، وأن المؤسسة التي تبني سمعة التحقق ستملك ما لا يُشترى بالخوارزميات.

غير أن هذه الولادة الموعودة لا تأتي مجاناً، بل تشترط على المهنة أن تعيد بناء نفسها على ركائز عملية لا شعارات. أولاها أن يصير الصحفي مديراً للأدوات لا منافساً لها؛ فمن يتقن توجيه النموذج لاستخراج نمطٍ من آلاف الوثائق المسرّبة سيسبق من يقرؤها ورقةً ورقة، كما برهنت تحقيقات استقصائية عالمية اعتمدت على معالجة آلية لملايين المستندات. وثانيتها ترسيخ الشفافية بوصفها عقداً جديداً مع الجمهور؛ فالمؤسسة التي تعلن بوضوح أين استعانت بالآلة وأين تدخّل العقل البشري تكسب ثقةً تعجز عنها منافستها المتكتمة. وثالثتها الاستثمار في ما يسميه باحثو معهد رويترز محو الأمية الإعلامية، أي تربية جمهورٍ قادرٍ على التمييز، لأن صحافةً عميقة بلا قارئٍ ناقد كبذرةٍ في أرضٍ بور. ورابعتها، وهي الأصعب، صون الحلقة التي ترفض الأتمتة: الحضور الميداني، والشجاعة في مساءلة السلطة، والالتزام الأخلاقي الذي يجعل من الخبر أمانةً لا سلعة. وخامستها أن تُرسي المؤسسة حوكمةً صارمة لاستخدام الأدوات، تحدّد فيها ما يُسمح للآلة به وما يُحظر عليها، وتضع الإنسان في موضع القرار الأخير لا في موضع المُصدّق الشكلي على ما أنتجته الخوارزمية. فقد بيّنت تقارير المنتدى الاقتصادي العالمي عن مستقبل الوظائف أن المهارات الأعلى قيمةً في السنوات القادمة هي تلك التي تجمع بين الكفاءة التقنية والحكم النقدي والذكاء الأخلاقي، وهي المهارات ذاتها التي تتطلبها صحافةٌ تستعين بالآلة دون أن تستسلم لها. ويرى الكاتب أن المؤسسة التي تتقن هذه الموازنة الدقيقة لن تنجو فحسب، بل ستفرض شروط اللعبة على سواها.

ولعلّ أخطر ما يغفل عنه المتفائلون بالأتمتة هو أن الموضوعية التي تتباهى بها الآلة وهمٌ مزخرف لا حقيقة قائمة. فالنموذج الذي يكتب الخبر لا يفعل ذلك من فراغٍ محايد، بل من ركام النصوص التي دُرّب عليها، بكل ما تحمله من تحيزاتٍ تاريخية وثقافية وأيديولوجية مدفونة في طياتها. وقد نبّه باحثون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا مراراً إلى أن خوارزميات التوصية والتوليد تميل إلى تضخيم ما يثير الانفعال على حساب ما يستحق التأمل، لأن مقياس نجاحها هو الانتباه لا الفهم. وحين تُسلّم غرفة الأخبار قرار اختيار الزوايا والكلمات لخوارزميةٍ تحسّن معدلات النقر، فإنها لا تستبدل بالصحفي المنحاز آلةً نزيهة، بل تستبدل بتحيّزٍ مرئيٍّ قابلٍ للمساءلة تحيّزاً خفياً مستتراً في الشيفرة، يصعب كشفه ويستحيل محاسبته. ويرى الكاتب أن هذه النقلة من التحيّز المعلن إلى التحيّز المعتم هي التهديد الصامت الذي يستحق يقظةً تفوق قلقنا من فقدان الوظائف.

على أن التاريخ يقدّم لنا عزاءً ودرساً في آن. فكل ثورةٍ تقنية في الإعلام، من المطبعة إلى التلغراف إلى الإذاعة إلى الإنترنت، أُعلنت في حينها نهايةً للمهنة كما عُرفت، ثم تبيّن أنها كانت إعادة تشكيلٍ لها لا محواً. حين انتشر التصوير الفوتوغرافي خشي الرسامون فناءهم، فإذا بهم يتحررون من واجب النقل الحرفي ليرتادوا آفاق التجريد والتعبير. والصحافة اليوم أمام لحظةٍ مماثلة: إن سلّمتْ للآلة عمل النقل والنسخ، تحرّر صحفيّوها لما هو أرفع، أي للتأويل والاستقصاء والمساءلة. ويذكّر تقرير معهد رويترز بأن الجمهور، رغم انجذابه للسرعة، ما زال يمنح ثقته الأعلى للعلامات الإعلامية التي يعرفها ويثق بمعاييرها، وهي إشارةٌ إلى أن المصداقية ستبقى العملة التي لا يطبعها أي نموذج. والمملكة العربية السعودية، إذ تراهن في رؤيتها على اقتصاد المعرفة وصناعة محتوى عربيٍّ رصين، إنما تراهن على هذه العملة بالذات: ثقةٌ تُبنى بالإتقان، لا وفرةٌ تُشترى بالكلفة الزهيدة.

وفي الأفق، لا يبدو المشهد نهايةً للصحفي بقدر ما يبدو انقساماً حاداً في المهنة بين مسارين. مسارٌ أول يبتلع فيه الإنتاج الآلي كل صحافةٍ سطحية تكتفي بنقل ما هو معلن، فيختفي صانعوها بهدوء لأنهم لم يكونوا يقدّمون ما يستعصي على المحاكاة. ومسارٌ ثانٍ ترتفع فيه قيمة الصحفي الذي يفعل ما لا تفعله الآلة: يقف في موقع الحدث، ويكسب ثقة المصدر، ويحمل المسؤولية الأخلاقية عمّا ينشر، ويملك من الحكمة ما يميّز به الإشارة من الضجيج. ويخلص الكاتب إلى أن مستقبل الإعلام لن يُكتب بأيدي الآلات وحدها ولا بأيدي البشر وحدهم، بل في ذلك التحالف الدقيق حيث تتكفل الخوارزمية بالكمّ، ويتفرغ الإنسان للمعنى. فإن أحسنّا إدارة هذا التحالف، لم نشهد موت الصحفي التقليدي بل بعثه في صورةٍ أنبل: صحفيٌّ تحرّر من الروتين ليعود إلى السؤال الذي وُلدت المهنة من أجله، السؤال الذي لا تجيب عنه أيّ آلة، وهو لماذا يهمّ هذا كله أصلاً.