هل يجرؤ أحدنا على تصوّر مدينةٍ يصمّمها النحلُ والأشجارُ ومسارُ الرياح بدلاً من المهندس المعماري الجالس خلف لوحته؟ المفارقة أن هذا التصوّر، الذي كان حتى وقتٍ قريب ضرباً من الخيال الرومانسي، صار اليوم منهجاً حسابياً صارماً يُدار بالخوارزميات التوليدية، حيث لم تعد الطبيعة مصدر إلهامٍ شِعريٍّ يُستحضر في خطبة افتتاح، بل قاعدة بياناتٍ حيّة تُستخرج منها قواعد البناء الأمثل.
فالعمارة التي اعتدنا أن نراها انتصاراً للإرادة البشرية على المادة الخام تتحوّل أمام أعيننا إلى حوارٍ متواضع بين المصمّم والآلة والكائن الحي، وهذا التحوّل ليس تجميلياً ولا عابراً، بل هو إعادة تعريفٍ لمن يملك حقّ القرار في تشكيل الفضاء الذي نسكنه. وحين يتزحزح موقع القرار، تتزحزح معه أسئلة الجمال والعدالة والمعنى، فلا يعود النقاش تقنياً بحتاً بل حضارياً في الصميم.
لفهم عمق ما يجري، ينبغي العودة إلى الجذر المعرفي للفكرة. لطالما عرفت العمارة ما يُسمّى التصميم المستوحى من الطبيعة، أو ما يصطلح عليه بالمحاكاة الحيوية، وهو منهجٌ يستلهم حلول الكائنات الحية لمعضلات البقاء ويترجمها إلى حلولٍ هندسية. غير أن المحاكاة الحيوية في صيغتها التقليدية ظلّت رهينة الاستعارة البصرية: قبّةٌ تشبه الصدفة، أو واجهةٌ تحاكي قشرة الشجرة. أما ما أدخلته الخوارزميات التوليدية فهو نقلةٌ من محاكاة الشكل إلى محاكاة العملية ذاتها. فبدلاً من نسخ هيئة العظم، صار الحاسوب يحاكي المنطق التطوري الذي أنتج العظم: كيف توزّع الطبيعة المادة حيث تشتدّ الحاجة إليها، وكيف تسحبها من حيث تفيض. هنا يلتقي علم الأحياء بعلم الحساب في ما يسميه الباحثون التصميم التوليدي، إذ يحدّد المهندس الأهداف والقيود ثم يترك للخوارزمية أن تولّد آلاف الحلول الممكنة وتنتقي أصلحها وفق منطقٍ أقرب إلى الانتقاء الطبيعي منه إلى الرسم اليدوي. وهكذا تنزاح أداة المعماري من القلم الذي يفرض، إلى المنظومة التي تتفاوض مع القيود حتى تستقرّ على اتزانٍ لم يكن أحدٌ قادراً على رسمه ابتداءً.
غير أن المشهد ليس وردياً كما يصوّره خطاب التسويق التقني. فالرواية السائدة تقدّم الذكاء الاصطناعي بوصفه مخلّصاً سيحلّ أزمة المناخ بضغطة زر، وهذه مبالغةٌ خطيرة. ينبّه تقريرٌ لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن مكاسب الكفاءة المتحقّقة عبر الرقمنة كثيراً ما يبتلعها ما يُعرف بأثر الارتداد، حيث يدفع انخفاض كلفة المورد إلى الإفراط في استهلاكه. فالمبنى الذي يستهلك طاقةً أقل للمتر المربّع قد يغري أصحابه بتوسيع المساحات أو مضاعفة الأجهزة، فتتبدّد الوفورات. كذلك يحذّر باحثون في جامعة ستانفورد من الكلفة الكربونية الخفية لتدريب النماذج الحسابية الضخمة ذاتها، إذ إن مراكز البيانات التي تشغّل هذه الخوارزميات تستهلك من الطاقة والماء ما قد يقوّض جانباً من الوفورات التي تَعِد بها على مستوى المبنى المفرد. يرى الكاتب أن أي حديثٍ عن عمارةٍ مستدامة يتجاهل الكلفة البيئية لأدوات التصميم نفسها إنما يمارس محاسبةً انتقائيةً تُجمّل النتيجة وتُخفي المقدّمات. والاستدامة الصادقة لا تُقاس عند باب المبنى، بل تُقتفى أثرها إلى منجم المعدن، ومحطة الطاقة، ومركز البيانات البعيد الذي ولّد التصميم في صمت.
وثمة بُعدٌ أعمق نادراً ما يُطرح، وهو البعد المعرفي والإنساني. حين نسلّم للخوارزمية مهمّة توليد آلاف الحلول والانتقاء بينها، فإننا نسلّمها ضمناً سلطة تحديد ما هو حلٌّ مقبول أصلاً. والخوارزمية لا تحسّن إلا ما نطلب منها تحسينه: إن طلبنا أقلّ كلفةٍ وأعلى كفاءةٍ حرارية، أنتجت ذلك بإخلاص، لكنها قد تدوس في طريقها على قيمٍ لا تُترجم بسهولة إلى دالّةٍ رياضية، كالألفة المكانية، والذاكرة الجمعية، والمعنى الرمزي الذي يربط الإنسان بمكانه. تنبّه أبحاثٌ في جامعة أكسفورد حول حوكمة الذكاء الاصطناعي إلى أن خطر هذه الأنظمة لا يكمن في عصيانها أوامرنا، بل في طاعتها المفرطة لأهدافٍ صُغناها صياغةً ناقصة. يرى الكاتب أن العمارة، بوصفها أكثر الفنون التصاقاً بالجسد والمصير اليومي للناس، هي آخر ميدانٍ يُستحسن أن نُسلّم فيه القرار النهائي لدالّةٍ عمياء، مهما بلغت براعتها في توزيع الفولاذ والخرسانة. فالبيت ليس معادلة كفاءة تُحلّ، بل تجربة عيشٍ تُعاش، والفرق بينهما هو الفرق بين أن نُحصي ما يُقاس وأن نصون ما لا يُقاس.
على أن الإنصاف يقتضي ألا ننزلق من نقد المبالغة إلى رفض الأداة. فالقيمة الحقيقية للخوارزميات التوليدية تتجلّى حين تُستعمل بوصفها موسّعاً للخيال البشري لا بديلاً عنه. وهنا تتبلور ركائز عملية تستحق التأمل. الركيزة الأولى أن تبقى الخوارزمية في موقع المستشار الذي يطرح البدائل، بينما يحتفظ الإنسان بسلطة الحكم الأخير، في نموذجٍ يصفه باحثو معهد ماساتشوستس بالذكاء المعزّز لا الذكاء البديل. والركيزة الثانية أن تُدرج الاستدامة في صلب دالّة الهدف منذ اللحظة الأولى، بحيث يُحسب أثر دورة حياة المبنى كاملةً، من استخراج المادة إلى هدمها، لا استهلاكه التشغيلي وحده. والركيزة الثالثة أن تُفتح صناديق الخوارزميات السوداء أمام التدقيق، فلا يُقبل تصميمٌ لمجرّد أن الآلة رجّحته، بل يُطالب المصمّم بتفسير المنطق الذي قاد إليه، وهو ما تدعو إليه مبادرات الشفافية الحسابية في المنتدى الاقتصادي العالمي ضمن نقاشاته حول الثورة الصناعية الرابعة. والركيزة الرابعة، وهي الأدقّ، أن يُعاد تأهيل المعماري نفسه، فلا يصير مجرّد مشغّلٍ لبرنامج، بل صائغاً واعياً للأسئلة التي تُطرح على الآلة، إذ تظلّ جودة المخرَج رهينة جودة السؤال.
وفي السياق العربي تحديداً، تكتسب هذه النقاشات إلحاحاً مضاعفاً. فالمنطقة التي تواجه قسوة المناخ الصحراوي وارتفاع الحاجة إلى التبريد تجد في العمارة المستوحاة من الطبيعة عودةً ذكيةً إلى حكمةٍ قديمة كانت العمارة الإسلامية التقليدية قد بلغتها بالفطرة: الملاقف الهوائية، والأفنية الداخلية، والمشربيات التي تُرشّح الضوء وتلطّف الهواء. يرى الكاتب أن التحدّي الحضاري أمام المعماري العربي ليس استيراد الخوارزمية الغربية بأهدافها المضمرة، بل تغذيتها بمعطيات البيئة المحلية وقيمها، حتى تولّد عمارةً تنتمي إلى مكانها لا تستنسخ نماذج المناطق المعتدلة. فالخوارزمية التي دُرّبت على بيانات مدنٍ ماطرة باردة ستقترح حلولاً غريبةً عن واقعٍ شمسه طاغية ومياهه شحيحة، ما لم يُعد المعماري المحلي ضبط بوصلتها. وفي المملكة العربية السعودية، تقدّم رؤية ألفين وثلاثين ومشروعاتها العمرانية الكبرى مختبراً نادراً لاختبار هذا الدمج على نطاقٍ غير مسبوق، حيث يلتقي الطموح في مدنٍ ذكيةٍ منخفضة الانبعاثات مع إمكان استلهام التشكيل من النظم البيئية الصحراوية ذاتها، فتصبح الطبيعة المحلية لا عائقاً يُقاوَم بالطاقة، بل شريكاً يُحاوَر بالتصميم.
وفي مستوى التطبيق العملي، يتسع أثر هذه الأدوات ليشمل دورة حياة المشروع بأكملها لا لحظة التصميم وحدها. فالنماذج التوليدية حين تُربط بأنظمة الاستشعار في المبنى المنجز تتحوّل من أداة تصميمٍ ساكنة إلى منظومة تعلّمٍ متجدّدة، تقرأ سلوك السكان وتقلّبات الطقس وتضبط التهوية والإضاءة آنياً، فيغدو المبنى كائناً يتكيّف لا هيكلاً يجمد عند تسليم المفاتيح. وتشير دراساتٌ في كلية هارفارد للتصميم إلى أن أكبر هدرٍ للطاقة لا يقع في عيوب التصميم الأولي بقدر ما يقع في الفجوة بين الأداء المتوقّع والأداء الفعلي بعد الإشغال، وهي فجوةٌ تَعِد الخوارزميات التكيّفية بتضييقها. لكن يرى الكاتب أن هذا الوعد ذاته يحمل ثمنه: فمبنى يراقب ساكنيه على مدار الساعة هو مبنى يجمع عنهم بياناتٍ حميمة، والكفاءة الطاقية المنشودة قد تُشترى أحياناً بعملةٍ من الخصوصية لا ينتبه إليها أحد إلا بعد فوات الأوان. وهكذا يتبيّن أن العمارة الذكية ليست مسألة هندسةٍ ومناخٍ فحسب، بل مسألة حقوقٍ وحدودٍ بين الراحة والمراقبة، ينبغي أن تُحسم على طاولة التصميم لا أن تُترك لإعدادات المصنع الافتراضية.
تبقى المسألة الجوهرية أن الخوارزمية التوليدية ليست ساحراً ولا خصماً، بل مرآةٌ تعكس وضوح أهدافنا أو غموضها. إن الذكاء الاصطناعي في العمارة يضعنا أمام سؤالٍ كان مؤجّلاً منذ بدء التحضّر: ما الذي نريده حقاً من المبنى الذي نسكنه، أهو وعاءٌ نقلّل كلفته أم حضنٌ نُسبغ عليه معنى. ويرى الكاتب أن الأفق الأرحب لا يكمن في عمارةٍ يصمّمها الحاسوب وحده ولا في عمارةٍ يرفض الحاسوب أصلاً، بل في تحالفٍ يُبقي الحساب خادماً لرؤيةٍ إنسانيةٍ واضحة، تستلهم من الطبيعة كفاءتها دون أن تستعير منها قسوتها، وتستثمر في الآلة دقّتها دون أن تتنازل لها عن ضميرها. فالمدينة القادمة لن تُبنى بالخوارزمية ضدّ الإنسان ولا بالإنسان ضدّ الخوارزمية، بل بهما معاً في تواضعٍ مشترك أمام طبيعةٍ ظلّت، رغم كل تقدّمنا، أبرع المهندسين على الإطلاق. وحين نتعلّم أخيراً أن نُصغي إليها بأدواتنا الجديدة بدل أن نُملي عليها، قد نكتشف أن العمارة الذكية الحقّة ليست تلك التي تُبهر العين، بل تلك التي تُريح الأرض وتُكرّم ساكنها في آنٍ واحد، فتجمع بين رشاقة الطبيعة في توزيع مواردها، ودفء الإنسان في إضفاء المعنى على فراغاته، وأمانة الحساب الذي لا يَعِد بأكثر مما يستطيع أن يفي به. حينئذ فقط تستحقّ العمارة وصف الذكاء، لا لأنها استعانت بآلةٍ ذكية، بل لأنها أحسنت اختيار ما تطلبه منها وما تأبى أن تتنازل عنه لها.