شركة بوابات الخير للذكاء الاصطناعي

الطابق الأول، المبنى 7، المنطقة أ طريق المطار، البوابة الاقتصادية ص.ب 93597 الرياض 11683، المملكة العربية السعودية

0112611571

+966570709955

الذكاء الاصطناعي في الفصل الدراسي

ماذا لو كان المعلّمُ الأمهرُ في الفصلِ لا يملكُ وجهاً ولا اسماً، ولا يتعبُ من تكرارِ الشرحِ مئةَ مرّةٍ على مسامعِ طالبٍ واحدٍ متعثّر؟ تبدو المفارقةُ صادمةً: نحنُ الذين بنينا المدرسةَ على أنفاسِ المعلّمِ وحضورِه، صرنا نسألُ اليومَ ما إذا كانت الآلةُ قادرةً على أن تُعلّم. غير أنّ السؤالَ في جوهرِه ليس عن قدرةِ الآلة، بل عن طبيعةِ التعليمِ نفسِه: هل هو نقلُ معلومةٍ يُتقنُه أيُّ نظامٍ حاسوبيٍّ، أم هو علاقةٌ إنسانيةٌ تنمو في فضاءٍ من الثقةِ والفضولِ والخطأِ المسموحِ به؟

لم يأتِ الذكاءُ الاصطناعيُّ إلى الفصلِ الدراسيِّ بوصفِه ضيفاً مفاجئاً، بل تسلّلَ على مراحلَ بطيئةٍ امتدّت عقوداً. فمنذُ ستينياتِ القرنِ الماضي حلمَ الباحثون بما سمّوه أنظمةَ التدريسِ الذكيةَ، تلك البرمجياتِ التي تتكيّفُ مع وتيرةِ كلِّ متعلّمٍ على حدة. وقد لخّصَ عالمُ التربيةِ بنجامين بلوم هذا الطموحَ حين أشارَ في دراستِه الشهيرةِ مطلعَ ثمانينياتِ القرنِ العشرين إلى أنّ الطالبَ الذي يتلقّى تعليماً فردياً متقناً يتفوّقُ بفارقٍ هائلٍ على أقرانِه في الفصولِ المكتظّة، وهي المعضلةُ التي عُرفت لاحقاً بمشكلةِ السيغما الثانية. ظلَّت تلك المشكلةُ عصيّةً على الحلِّ لأنّ تعيينَ معلّمٍ خاصٍّ لكلِّ طالبٍ بات مستحيلاً اقتصادياً، حتى لاحَ الذكاءُ الاصطناعيُّ التوليديُّ بوصفِه وعداً بتعميمِ التعليمِ الفرديِّ بكلفةٍ زهيدة. فهنا تكمنُ الجاذبيةُ الحقيقيةُ للتقنيةِ في التعليم: لا في إبهارِها، بل في قدرتِها المفترضةِ على إعادةِ التوازنِ إلى عدالةٍ تعليميةٍ طالما اختلّت.

غيرَ أنّ الواقعَ أكثرُ تعقيداً من الوعد. فحين أطلقت مختبراتٌ مرموقةٌ تجاربَها على المساعداتِ التعليميةِ الذكيةِ، تبيّنَ أنّ النتائجَ تتأرجحُ بين دهشةٍ وخيبة. تشيرُ أبحاثٌ صادرةٌ عن جامعةِ ستانفورد إلى أنّ الطلابَ الذين استعانوا بنماذجَ لغويةٍ كبيرةٍ في حلِّ المسائلِ قد يحقّقون إنجازاً ظاهرياً سريعاً، لكنّهم يخاطرون بما يسمّيه الباحثون وهمَ الفهم: شعورٌ زائفٌ بالإتقانِ ينهارُ عند أوّلِ اختبارٍ مستقل. وفي السياقِ ذاتِه، حذّرت دراساتٌ مرتبطةٌ بمعهدِ ماساتشوستس للتقنيةِ من ظاهرةِ الاتّكالِ المعرفيِّ، إذ يميلُ الدماغُ إلى تعليقِ جهدِه حين يجدُ مَن يفكّرُ نيابةً عنه. يرى الكاتبُ أنّ هذه النقطةَ تحديداً هي مفترقُ الطرقِ الأخطرُ في تجربةِ التعليمِ الحديثة، لأنّ التعلّمَ في جوهرِه ليس استهلاكَ إجاباتٍ جاهزة، بل هو احتكاكٌ منتجٌ مع الصعوبة، وكلُّ تقنيةٍ تنزعُ هذا الاحتكاكَ تُهدّدُ المعنى ذاتَه الذي وُجدت المدرسةُ من أجلِه.

ومع ذلك، فإنّ رفضَ التقنيةِ بدعوى حمايةِ الفكرِ موقفٌ ساذجٌ بقدرِ التسليمِ لها. إذ تكشفُ تقاريرُ المنتدى الاقتصاديِّ العالميِّ عن فجوةٍ متّسعةٍ بين المهاراتِ التي يطلبُها سوقُ العملِ وتلك التي تُنتجُها المدارسُ، فجوةٌ يتعذّرُ سدُّها بالطرائقِ التقليدية. وتؤكّدُ منظمةُ التعاونِ الاقتصاديِّ والتنميةِ في تحليلاتِها حول مستقبلِ التعليمِ أنّ المهاراتِ الأعلى قيمةً لم تعُد المعارفَ القابلةَ للحفظِ والاسترجاع، بل القدرةَ على التفكيرِ النقديِّ وحلِّ المشكلاتِ والتكيّفِ مع غموضِ المستقبل. ومن المفارقاتِ أنّ الذكاءَ الاصطناعيَّ، وهو الذي يُتّهمُ بتبليدِ الذهن، يمكنُ أن يكونَ أداةً لتحريرِه، شريطةَ أن يُعادَ توجيهُ بوصلةِ التعليمِ من تلقينِ المعلومةِ إلى تنميةِ الحكمةِ في استخدامِها. فاليونسكو، في وثيقتِها التوجيهيةِ حولَ الذكاءِ الاصطناعيِّ في التعليم، شدّدت على مبدأِ أن تظلَّ الكرامةُ الإنسانيةُ ومركزيةُ المعلّمِ ركيزتين لا تُمسّان مهما تطوّرت الأدوات.

شاطئ الجبيل ولعلَّ أعمقَ تحوّلٍ ينبغي أن نتأمّلَه ليس في أداةِ التدريسِ، بل في تصميمِ المنهجِ ذاتِه. فالمناهجُ التي صُمّمت لعالمٍ كانت فيه المعلومةُ نادرةً ومكلفةً باتت اليومَ في غيرِ محلّها، حين صارت المعلومةُ وفيرةً مجانيةً تتدفّقُ من كلِّ شاشة. يرى الكاتبُ أنّ الخطأَ الجوهريَّ الذي تقعُ فيه كثيرٌ من المؤسساتِ التعليميةِ هو أنّها تُدخلُ الذكاءَ الاصطناعيَّ بوصفِه طبقةً مضافةً فوقَ منهجٍ قديمٍ لم يتغيّر، فتحصلُ على أسوأِ العالمين: منهجٌ عتيقٌ تُدارُ آلياتُه بأدواتٍ حديثة. إنّ إدخالَ الذكاءِ الاصطناعيِّ من غيرِ إعادةِ تصميمِ المنهجِ أشبهُ بتركيبِ محرّكٍ نفّاثٍ في عربةٍ تجرُّها الخيل. والإصلاحُ الحقيقيُّ يقتضي أن نسألَ: ما الذي يستحقُّ أن يُتعلَّمَ أصلاً حين تصبحُ الإجابةُ على بُعدِ كبسةِ زرّ؟ هنا تتقدّمُ مهاراتُ صياغةِ الأسئلةِ على مهاراتِ تقديمِ الأجوبة، ويصيرُ التحقّقُ من المعلومةِ ونقدُها أهمَّ من حفظِها.

شاطئ الجبيل في هذا السياقِ تتبدّلُ تجربةُ المعلّمِ تبدّلاً عميقاً. فالمعلّمُ الذي قضى عمرَه في إلقاءِ المحاضراتِ وتصحيحِ الأوراقِ يجدُ نفسَه أمامَ دعوةٍ إلى دورٍ أرفع: مهندسُ خبراتٍ تعليمية، ومحاورٌ سقراطيٌّ يستفزُّ التفكير، وموجّهٌ أخلاقيٌّ في زمنِ الالتباس. تشيرُ مبادراتٌ بحثيةٌ من كليةِ هارفارد للتربيةِ إلى أنّ النماذجَ الأكثرَ نجاحاً ليست تلك التي تستبدلُ المعلّمَ بالآلة، بل تلك التي تُحرّرُ وقتَه من الأعمالِ الروتينيةِ ليكرّسَه للعلاقةِ الإنسانيةِ مع طلابِه. فحين تتولّى الخوارزميةُ رصدَ التعثّرِ المبكّرِ وتوليدِ التمارينِ المخصّصة، يتفرّغُ المعلّمُ لما لا تُجيدُه الآلةُ: قراءةُ الوجوهِ المحبَطة، وإشعالُ الشغفِ، وغرسُ القيم. يرى الكاتبُ أنّ المعلّمَ في البيئةِ المتجدّدةِ لا يفقدُ سلطتَه، بل يستعيدُ جوهرَها بعد أن أنهكتْه التفاصيلُ الإداريةُ لعقود.

أمّا تجربةُ الطالبِ فتقفُ على حافّةِ ازدواجيةٍ دقيقة. فمن جهةٍ يحظى الطالبُ بمعلّمٍ افتراضيٍّ لا يملُّ ولا يحكمُ عليه ولا يقارنُه بزملائه، وهي بيئةٌ نفسيةٌ آمنةٌ قد تُطلقُ ثقةَ المتعثّرين خصوصاً. ومن جهةٍ أخرى يهدّدُ هذا اليُسرُ ذاتُه بإضعافِ ما يسمّيه علماءُ النفسِ التربويِّ المثابرةَ المعرفية، تلك العضلةَ التي لا تنمو إلّا بمصارعةِ الغموض. وقد أشارت دراساتٌ من جامعةِ أوكسفورد حولَ أثرِ الأتمتةِ على المهاراتِ إلى أنّ الإفراطَ في الاعتمادِ على الأنظمةِ المساعدةِ قد يُضمِرُ القدراتِ الأساسيةَ مع الوقت، تماماً كما أضعفت أنظمةُ الملاحةِ حسَّ الاتجاهِ لدى كثيرين. والمخرجُ ليس في حرمانِ الطالبِ من الأداة، بل في تصميمِ تجربةٍ تُبقي الصعوبةَ المنتجةَ حاضرةً، وتجعلُ الذكاءَ الاصطناعيَّ شريكاً في الكفاحِ لا بديلاً عنه.

وفي العالمِ العربيِّ تكتسبُ هذه القضيةُ طابعاً خاصاً. فالمنطقةُ تواجهُ تحدياتٍ مزدوجةً: أعدادٌ هائلةٌ من المتعلّمين، وفجواتٌ في جودةِ التعليمِ بين الحواضرِ والأطراف، ولغةٌ عربيةٌ ظلّت طويلاً ضعيفةَ التمثيلِ في النماذجِ اللغويةِ الكبرى. ومن هنا يكتسبُ الاستثمارُ في نماذجَ عربيةٍ أصيلةٍ بُعداً سيادياً لا تقنياً فحسب. وتُجسّدُ رؤيةُ السعوديةِ ألفينِ وثلاثين هذا الإدراكَ حين تجعلُ من تطويرِ رأسِ المالِ البشريِّ وتوطينِ التقنياتِ المتقدّمةِ ركيزةً مركزية، فلا يكفي استيرادُ أدواتٍ صُمّمت لسياقاتٍ ثقافيةٍ أخرى، بل ينبغي بناءُ منظومةٍ تعليميةٍ تنطقُ بلسانِ المتعلّمِ وتراعي قيمَه وتُعدُّه لاقتصادٍ معرفيٍّ متنوّع. يرى الكاتبُ أنّ الفرصةَ العربيةَ هنا ليست في اللحاقِ بالركبِ، بل في القفزِ فوقَ مراحلَ كاملةٍ، تماماً كما قفزت مجتمعاتٌ نامية فوقَ شبكاتِ الهاتفِ الأرضيِّ إلى الاتصالِ النقّال مباشرة.

يبقى أنّ نجاحَ كلِّ هذا معلّقٌ بركائزَ عمليةٍ لا غنى عنها. أوّلُها بناءُ كفاءةِ المعلّمين رقمياً وأخلاقياً، إذ لا تُجدي أفضلُ الأدواتِ في يدِ مَن لا يُحسنُ توجيهَها. وثانيها إعادةُ تصميمِ التقييم، فالاختباراتُ التي تقيسُ الحفظَ صارت بلا معنى حين يكتبُ الذكاءُ الاصطناعيُّ المقالاتِ في ثوانٍ؛ والبديلُ تقييمٌ يقيسُ العمليةَ لا الناتجَ، ويُكافئُ التفكيرَ الظاهرَ والمحاكمةَ النقدية. وثالثُها صونُ خصوصيةِ بياناتِ القاصرين، فالطفلُ ليس منجمَ بياناتٍ يُستثمَر. ورابعُها ضمانُ ألّا تتحوّلَ التقنيةُ إلى أداةِ إقصاءٍ جديدةٍ تتّسعُ بها الفجوةُ بين مَن يملكُ ومن لا يملك. هذه الركائزُ ليست تفاصيلَ ثانوية، بل هي الفرقُ بين تقنيةٍ تُحرّرُ وأخرى تستعبد.

في الأفقِ، لا يلوحُ فصلٌ دراسيٌّ تديرُه الآلةُ وحدَها، ولا مدرسةٌ تُقاومُ المستقبلَ بجدرانِها العتيقة، بل تلوحُ شراكةٌ دقيقةٌ يتقاسمُ فيها الإنسانُ والخوارزميةُ الأدوار: الآلةُ تتولّى ما هو قابلٌ للقياسِ والتكرار، والمعلّمُ يحرسُ ما هو إنسانيٌّ بعمقٍ، والطالبُ يتعلّمُ في النهايةِ أهمَّ درسٍ على الإطلاق، وهو كيف يتعلّم. إنّ الفصلَ الدراسيَّ المتجدّدَ ليس مكاناً تُستبدلُ فيه العقولُ بالمعالجات، بل ميدانٌ تُختبرُ فيه قدرتُنا على أن نظلَّ بشراً أحراراً في حضرةِ آلاتٍ بالغةِ الذكاء. والسؤالُ الذي افتتحنا به لا يطلبُ جواباً نهائياً بقدرِ ما يطلبُ يقظةً دائمة: فالتقنيةُ ستمنحُنا ما نطلبُه منها، فإن طلبنا منها أن تُفكّرَ بدلاً عنّا فعلت، وإن طلبنا منها أن تجعلَنا أقدرَ على التفكيرِ فعلت أيضاً. والاختيارُ، كما كان دائماً، يبقى بشرياً بالكامل.

ولا بدّ من وقفةٍ متأنّيةٍ عند فكرةِ التكيّفِ التي يُروَّجُ لها بوصفِها جوهرَ التعليمِ المدعومِ بالذكاءِ الاصطناعيّ. فالأنظمةُ التكيّفيةُ تَعِدُ بأن تقرأَ مستوى كلِّ طالبٍ وتقدّمَ له المحتوى المناسبَ في اللحظةِ المناسبة، وهي فكرةٌ آسرةٌ ظاهرياً. غيرَ أنّ تحليلاتٍ تربويةً رصينةً، من بينِها أعمالٌ صادرةٌ عن باحثين في كليةِ هارفارد للتربية، تنبّهُ إلى مفارقةٍ خفية: حين تتكيّفُ الآلةُ مع الطالبِ على الدوامِ فتُزيلُ عنه كلَّ عقبة، فإنّها قد تحرمُه من تجربةِ الإحباطِ الضروريِّ الذي يسبقُ الفهمَ العميق. فالتعلّمُ، كما يذكّرُنا علمُ النفسِ المعرفيُّ، ليس مساراً سلِساً بل سلسلةٌ من التعثّراتِ المثمرة. يرى الكاتبُ أنّ خطرَ التكيّفِ المفرطِ هو أنّه يُنتجُ متعلّمين بارعين داخلَ بيئةٍ مُحكمةِ الضبط، لكنّهم عاجزون عن مواجهةِ فوضى العالمِ الحقيقيِّ حيثُ لا توجدُ خوارزميةٌ تُمهّدُ الطريقَ وتُبسّطُ الأسئلة.

ثمّةَ بُعدٌ آخرُ يُغفلُه كثيرون، وهو البُعدُ الوجدانيُّ والاجتماعيُّ للفصلِ الدراسي. فالمدرسةُ لم تكن يوماً مصنعاً للمعلومات فحسب، بل كانت فضاءً يتعلّمُ فيه الطفلُ كيف يتفاوضُ مع أقرانِه، وكيف يديرُ خلافاً، وكيف يقفُ أمامَ جماعةٍ ليُدافعَ عن فكرة. وهذه المهاراتُ، التي تصنّفُها أدبياتُ منظمةِ التعاونِ الاقتصاديِّ والتنميةِ ضمنَ المهاراتِ الاجتماعيةِ والعاطفية، لا تُكتسبُ في حوارٍ منفردٍ مع شاشة. ومن هنا يحذّرُ الكاتبُ من سيناريو العزلةِ الناعمةِ، حيث يجلسُ كلُّ طالبٍ خلفَ جهازِه يتلقّى تعليماً مخصّصاً معزولاً عن جماعتِه، فينمو معرفياً ويذبلُ اجتماعياً. إنّ الفصلَ المتجدّدَ الحقيقيَّ يجبُ أن يستثمرَ ما توفّرُه الآلةُ من وقتٍ في تعميقِ التفاعلِ البشريِّ لا في إلغائِه، فيتحوّلُ الزمنُ المُحرَّرُ من التلقينِ إلى مشاريعَ جماعيةٍ ومناظراتٍ ونقاشاتٍ تصنعُ المواطنَ قبلَ أن تصنعَ الخبير.
ولعلَّ هذا هو الدرسُ الأعمقُ الذي يتركُه الذكاءُ الاصطناعيُّ في فصولِنا.