شركة بوابات الخير للذكاء الاصطناعي

الطابق الأول، المبنى 7، المنطقة أ طريق المطار، البوابة الاقتصادية ص.ب 93597 الرياض 11683، المملكة العربية السعودية

0112611571

+966570709955

الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير

تخيّل قاضياً يرفض إخبارك لماذا حكم عليك، أو طبيباً يصرف لك دواءً عاجزاً عن تفسير تشخيصه، أو مصرفاً يحرمك القرض ثم يطبق فمه حين تسأله عن السبب. سنعدّ ذلك ظلماً صريحاً لا يُحتمل، ومع ذلك سلّمنا في صمتٍ مفاتيح قراراتٍ تمسّ مصائرنا إلى أنظمةٍ لا تقلّ غموضاً عن أولئك، وارتضينا منها ما نأباه من البشر. فأي مفارقةٍ هذه التي تجعلنا نقبل من الآلة صمتاً لا نغفره لإنسان؟ ولماذا منحنا الخوارزمية امتياز الحكم دون أن نُلزمها بأبسط ما نطالب به أي حاكمٍ: أن يبرّر حكمه؟

في صميم هذا الإشكال يقبع ما يسمّيه الباحثون «الصندوق الأسود»؛ فالنماذج العميقة الحديثة تتألّف من مليارات المعاملات التي تتشابك في طبقاتٍ متراكبة، حتى إنّ مهندسيها أنفسهم يعجزون عن تتبّع كيف تحوّل المدخل إلى مخرج.

ليست هذه عتمةً مقصودةً صنعها أحد، بل نتيجةٌ بنيويةٌ لطريقة عمل التعلّم العميق: نظامٌ يستخلص أنماطه من ملايين الأمثلة لا من قواعد مكتوبة، فيغدو قراره حصيلة تفاعلاتٍ إحصائيةٍ معقّدةٍ تستعصي على الترجمة إلى لغةٍ يفهمها الإنسان. ومن هنا وُلد حقل «الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير»، الذي عرّفه المعهد الوطني الأمريكي للمعايير والتقنية بأنه السعي إلى أنظمةٍ تقدّم لمستخدميها مبرّراتٍ مفهومةً لمخرجاتها، لا أحكاماً صمّاء تُفرض من علٍ. والمفارقة أنّ هذا الهاجس ليس وليد اللحظة؛ فقد سبق لوكالة مشاريع الأبحاث الدفاعية المتقدّمة أن أطلقت قبل سنوات برنامجها الطموح حول الذكاء القابل للتفسير، إدراكاً مبكّراً بأنّ نظاماً لا يُفسّر قراره نظامٌ لا يُوثَق به مهما بلغت دقّته.

ولفهم خطورة هذا الغموض، يحسن أن نميّز بين مفهومين كثيراً ما يُخلَط بينهما: «القابلية للتفسير» و«القابلية للشرح». فالأولى تعني أن يكون النموذج في ذاته شفّافاً يمكن للإنسان أن يتتبّع منطقه مباشرة، كالأشجار القرارية البسيطة؛ أمّا الثانية فتعني أن نُلحق بنموذجٍ معتمٍ أدواتٍ خارجيةً تحاول تفسير سلوكه من بعد. وقد أبرزت الباحثة سينثيا رودين من جامعة ديوك هذا التمييز حين دعت بجرأةٍ إلى التوقّف عن الاكتفاء بشرح النماذج المعتمة في القرارات عالية المخاطر، والمضيّ نحو نماذج شفّافة بطبيعتها، ناقضةً الاعتقاد السائد بأنّ ثمّة مقايضةً حتميةً بين الدقّة والوضوح. ويرى الكاتب أنّ هذا التمييز ليس ترفاً اصطلاحياً، بل هو خطّ الفصل بين شفافيةٍ حقيقيةٍ وشفافيةٍ موهومة؛ فكثيرٌ ممّا يُسوَّق اليوم بوصفه «تفسيراً» ليس إلا قصّةً معقولةً نرويها بعد وقوع القرار، قد تُطمئن المستخدم دون أن تعكس حقيقة ما جرى داخل الآلة.

وهنا تكمن الزاوية التي يغفل عنها كثيرٌ من حماس الخطاب الرائج: أنّ التفسير القابل للإقناع ليس بالضرورة تفسيراً صادقاً. فالأدوات التفسيرية الشائعة، كتلك التي تنسب لكلّ عاملٍ من عوامل القرار وزناً تقريبياً، إنما تقدّم تقريباً للسلوك لا انكشافاً لجوهره؛ وقد حذّرت دراساتٌ من جامعة هارفارد من أنّ بعض هذه التفسيرات قد يُضلَّل ويُتلاعَب به، حتى إنّ نظاماً متحيّزاً يمكن أن يُغلَّف بتفسيرٍ يبدو عادلاً بينما يخفي تحيّزه الحقيقي. ويرى الكاتب أنّ أخطر ما يتهدّدنا ليس الصندوق الأسود في ذاته، بل الصندوق الأسود المُغلَّف بقشرةٍ شفّافةٍ زائفة تمنحنا طمأنينةً كاذبة؛ فالجهل بالغموض أقلّ ضرراً من وهم الوضوح، إذ يدفعنا الأخير إلى الثقة حيث يجب أن نرتاب، ويسكّن حذرنا في اللحظة التي يُفترض أن يستنفر فيها.

شاطئ الجبيل ولم يعد هذا النقاش حبيس المختبرات؛ فقد دخلت الشفافية ميدان التشريع. فالنظام الأوروبي لحماية البيانات أرسى ما فسّره كثيرون بوصفه حقّاً في الحصول على معلوماتٍ مفيدةٍ عن منطق المعالجة الآلية للقرارات المؤثّرة في الأفراد، ثمّ جاء قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي ليصنّف الأنظمة بحسب درجة خطورتها، فارضاً على عالية المخاطر منها متطلّبات شفافيةٍ ورقابةٍ بشريةٍ صارمة. وفي السياق ذاته، أصدرت منظّمة التعاون الاقتصادي والتنمية مبادئها للذكاء الاصطناعي التي جعلت الشفافية وقابلية التفسير ركناً أصيلاً من أركان الذكاء الجدير بالثقة، ودعت إلى تمكين المتأثّرين بالقرار من فهمه والطعن فيه. وحذّر المنتدى الاقتصادي العالمي في غير تقريرٍ من أنّ غياب الثقة قد يغدو العائق الأكبر أمام تبنّي هذه التقنية، لا قصور قدراتها التقنية؛ فالمؤسسات لن تُسلّم قراراتها المصيرية لنظامٍ لا تفهم كيف يقرّر، مهما بهرتها أرقام دقّته.

شاطئ الجبيل ويرى الكاتب أنّ الخطأ الجوهري في كثيرٍ من المقاربات هو معاملة التفسير بوصفه خاصّيةً تقنيةً مجرّدة، بينما هو في حقيقته علاقةٌ تواصليةٌ بين النظام والإنسان. فالتفسير الذي يحتاجه المهندس لتصحيح نموذجه يختلف جذرياً عن ذلك الذي يحتاجه الطبيب ليثق بتوصية، وكلاهما يختلف عمّا يحتاجه المريض ليطمئنّ، أو القاضي ليُسوّغ حكماً، أو المواطن ليطعن في قرارٍ أجحف به. ومن ثمّ فالسؤال الصحيح ليس «هل النظام قابلٌ للتفسير؟» على إطلاقه، بل «قابلٌ للتفسير لمن، ولأيّ غرض، وبأيّ كلفة؟». وقد نبّهت أبحاثٌ في مختبرات معهد ماساتشوستس للتقنية إلى أنّ التفسير المفرط في تفصيله قد يُربك المستخدم بدل أن يُنيره، وأنّ ثمّة توازناً دقيقاً بين الإفصاح الذي يبني الثقة والإغراق الذي يقتلها؛ فالشفافية الرشيدة ليست في كثرة المعلومات، بل في ملاءمتها لحاجة المتلقّي وقدرته على استيعابها واتّخاذ قرارٍ في ضوئها.

على أنّ المسألة تتجاوز حدودها التقنية لتلامس جوهراً أخلاقياً وسياسياً عميقاً. فحين يُفوَّض قرارٌ مصيريٌّ إلى نظامٍ غامض، تتبخّر معه المساءلة ذاتها؛ فمن نُحاسب حين يُخطئ النموذج؟ المهندس الذي صمّمه ولا يفهم تفاصيل قراره، أم المؤسّسة التي نشرته، أم البيانات التي تعلّم منها انحيازاتها؟ هذا «الفراغ في المسؤولية» هو الثمن الخفيّ لغموض الخوارزميات، وهو ما حذّر منه باحثون في جامعة أوكسفورد حين ربطوا بين انعدام الشفافية وتآكل القدرة على تحميل المسؤولية. ويرى الكاتب أنّ الشفافية ليست رفاهيةً تقنيةً نمنحها للنظام تكرّماً، بل هي شرطٌ تأسيسيٌّ للعدالة نفسها؛ فلا عدالة بلا مساءلة، ولا مساءلة بلا قدرةٍ على فهم القرار والطعن فيه. والقرار الذي لا يُمكن تفسيره لا يُمكن استئنافه، والقرار الذي لا يُمكن استئنافه استبدادٌ مهما تجمّل بلبوس الموضوعية الرقمية وادّعى الحياد.

ومن هذا المنطلق، فإنّ بناء أنظمةٍ شفّافةٍ يقتضي ركائز عمليةً لا شعاراتٍ معلّقة. أولاها أن تُدمج قابلية التفسير في تصميم النظام منذ نشأته لا أن تُضاف إليه ترقيعاً بعد اكتماله، فالشفافية المُلحقة كثيراً ما تكون تجميلاً لا كشفاً. وثانيتها توثيق دورة حياة النموذج كاملةً: مصادر بياناته، وافتراضاته، وحدوده، ومواطن إخفاقه المعروفة، على نحو ما تدعو إليه أدبيات «بطاقات النماذج» التي تُلحق بكلّ نظامٍ بطاقة تعريفٍ أمينةً تكشف للمستخدم ما يصلح له النظام وما لا يصلح. وثالثتها إبقاء الإنسان في حلقة القرار حين تعلو المخاطر، فلا يُترك مصير إنسانٍ لحكمٍ آليٍّ صرفٍ بلا مراجعة. ورابعتها إخضاع الأنظمة لتدقيقٍ مستقلٍّ يفحص تحيّزاتها وأثرها على فئاتٍ مختلفة، كما يُدقَّق في الحسابات الماليّة سواءً بسواء. وخامستها أن يكون التفسير مصمّماً لجمهوره، يخاطب كلّ متلقٍّ بما يفهمه وبما يمكّنه من الفعل.

وتزداد الصورة تعقيداً حين ندرك أنّ الغموض لا يكمن في النموذج وحده، بل في البيانات التي تشرّبها. فالنظام لا يتعلّم من فراغ، وإنما يرث من بيانات تدريبه ما فيها من تحيّزاتٍ تاريخيةٍ وفجواتٍ تمثيلية، ثمّ يعيد إنتاجها بكفاءةٍ مرعبةٍ متّشحاً بحياد الأرقام. فحين يُدرَّب نظام توظيفٍ على سجلّاتٍ سابقةٍ فضّلت فئةً على أخرى، فإنه يتعلّم التمييز ويغلّفه بقشرة الموضوعية الحسابية، ولا تكشف هذا التمييز إلا شفافيةٌ تتيح لنا أن نسأل النظام: على أيّ أساسٍ بنيت حكمك؟ ومن هنا فإنّ التفسير ليس ترفاً فكرياً، بل هو الأداة الوحيدة التي تنزع عن القرار قناع الحياد المزعوم لتكشف ما تحته من انحيازٍ موروث. ويرى الكاتب أنّ أخطر ما في التحيّز الخوارزمي أنه يتنكّر في زيّ العدالة الرياضية، فيكتسب من برودة الأرقام سلطةً معنويةً يعجز عنها التحيّز البشري السافر؛ إذ يصعب على المرء أن يجادل معادلةً يُقال له إنها محايدة، بينما يسهل عليه أن يردّ على إنسانٍ يلمس فيه الهوى.

ولا يقف الأمر عند حدود العدالة الفردية، بل يمتدّ إلى صميم الثقة المجتمعية في المؤسسات. فحين تتراكم القرارات الغامضة في المصارف والمستشفيات والمحاكم والإدارات، يتسرّب إلى وعي الناس شعورٌ بأنّ مصائرهم تُدار من وراء حجابٍ لا سبيل إلى اختراقه، فينمو الارتياب ويتآكل العقد الضمني بين المؤسسة والفرد. ويرى الكاتب أنّ الشفافية في هذا المقام استثمارٌ في رأس المال الاجتماعي قبل أن تكون التزاماً تقنياً؛ فالمؤسسة التي تشرح قراراتها تشتري ولاء جمهورها وتقبّله حتى للقرارات التي لا تسرّه، بينما المؤسسة التي تحتجب خلف خوارزمياتها تجني عداءً صامتاً يتراكم حتى ينفجر في أول أزمة. فالناس قد يقبلون قراراً مؤلماً إن فُسّر لهم، ويرفضون قراراً مؤاتياً إن فُرض عليهم في الظلام؛ إذ ليست المسألة في القرار وحده، بل في الكرامة التي يمنحها التفسير أو يسلبها الصمت.

وفي السياق العربي، يكتسب هذا كلّه إلحاحاً مضاعفاً. فبينما تمضي رؤية السعودية 2030 في توطين الذكاء الاصطناعي ركيزةً للتحوّل الوطني، يغدو بناء الثقة المؤسسية في هذه الأنظمة شرطاً لنجاحها لا تفصيلاً ثانوياً؛ فالمواطن الذي يتعامل مع جهةٍ حكوميةٍ أو مصرفيةٍ تُسيّر قراراتها خوارزميات، من حقّه أن يفهم لماذا قُبل طلبه أو رُفض. ويرى الكاتب أنّ الفرصة سانحةٌ أمام المنطقة لتتجاوز أخطاء من سبقها؛ فبدل أن تستورد أنظمةً معتمةً ثمّ تكافح لترويضها لاحقاً، يمكنها أن تجعل الشفافية شرطاً تأسيسياً في أطرها التنظيمية ومشترياتها التقنية منذ البداية. فالأمم التي تأخّرت عن صناعة هذه التقنية تملك على الأقل امتياز التعلّم من عثرات الرّوّاد، فتبني حوكمتها على أساسٍ من الوضوح قبل أن يستفحل الغموض ويصير عسيراً على الإصلاح.

ولعلّ أعمق ما يكشفه هذا النقاش أنّ مطلب الشفافية ليس عداءً للذكاء الاصطناعي، بل هو أرقى صور الإيمان بجدواه؛ فمن يطلب أن يفهم قرار الآلة إنما يريدها شريكاً موثوقاً لا عرّافاً مجهولاً، ومعاوناً نراجع حكمه لا وصيّاً نسلّم له. والمستقبل لن يكون لأقوى النماذج وأدقّها فحسب، بل لأكثرها قدرةً على أن تشرح نفسها وتقف للمساءلة؛ فالثقة، لا الدقّة وحدها، هي العملة التي ستحدّد أيّ الأنظمة يبقى وأيّها يُطرح. وقد يأتي يومٌ ننظر فيه إلى نماذجنا المعتمة الحالية كما ننظر اليوم إلى ممارساتٍ طبيةٍ بدائيةٍ تجاوزها الزمن، فنعجب كيف ارتضينا قراراتٍ لا تُفسَّر تمسّ حياة الناس. والتحدّي القادم ليس في بناء آلةٍ أذكى تقرّر عنّا في الظلام، بل في بناء آلةٍ أكثر صدقاً تقرّر معنا في الضوء. فهل نطمح إلى ذكاءٍ يبهرنا بقدرته، أم إلى ذكاءٍ يكسب ثقتنا بشفافيته؟ ذلك هو السؤال الذي ستُقاس عليه حكمتنا، لا براعتنا وحدها.