شركة بوابات الخير للذكاء الاصطناعي

الطابق الأول، المبنى 7، المنطقة أ طريق المطار، البوابة الاقتصادية ص.ب 93597 الرياض 11683، المملكة العربية السعودية

0112611571

+966570709955

الذكاء الاصطناعي الفائق

ماذا لو كان السؤال الذي يؤرّق ليالينا، أي متى ستتجاوزنا الآلة، سؤالاً مغلوطاً من أساسه، يحجب عنا أسئلةً أهم وأقرب وأشد إلحاحاً؟ نحن نتحدث عن الذكاء الفائق وكأنه موعدٌ مضروب في تقويمٍ نعرف يومه، فنقسّم الناس بين متحمّسٍ ينتظر الخلاص ومرتاعٍ يتوقع الفناء، بينما الحقيقة الهادئة أن أحداً لا يملك ذلك التقويم، وأن جلّ ما نملكه تخميناتٌ ملبّسة بثوب اليقين. والمفارقة أن أعقل ما يُقال في هذا الباب هو الأقل رواجاً، إذ لا يبيع التواضع المعرفي تذاكر السينما ولا يصنع العناوين المدوّية، فيما يبيعها سيناريو الآلة المتمرّدة التي تطبق على رقاب البشر. ولعلّ أول خطوةٍ نحو الرشد أن نفصل بين ما يدغدغ خيالنا وما يثبت أمام البحث، فما أكثر ما صدّقناه لأنه مثيرٌ لا لأنه صحيح. وفي هذا الفصل الصبور بين الإثارة والحقيقة يكمن مفتاح موقفٍ ناضجٍ من أعقد سؤالٍ يواجه عصرنا.

ولنبدأ من تحرير المصطلح نفسه، فالذكاء الفائق في أدبيات الفلاسفة والباحثين ليس آلةً أسرع منا حساباً، فتلك نملكها منذ عقود، بل عقلٌ مفترض يتجاوز أفضل العقول البشرية في كل ميدانٍ تقريباً، من العلم إلى الحكمة الاجتماعية إلى الإبداع. وقد صاغ الفيلسوف نِك بوستروم من جامعة أوكسفورد في كتابه عن الذكاء الفائق الإطار النظري الأشهر لهذه الفكرة، محذّراً من أن قفزةً كهذه قد تحدث سريعاً وتفلت من السيطرة إن لم نُحكم ضوابطها مسبقاً. غير أن قيمة طرحه الحقيقية ليست في نبوءته بالموعد، بل في إلحاحه على أن نفكّر في الأمان قبل القدرة لا بعدها. ويرى الكاتب أن أعظم ما قدّمه هذا التيار الفكري ليس التنبؤ بمتى، بل تذكيرنا بأن السؤال الأخلاقي يجب أن يسبق السؤال الهندسي، وهذا وحده مكسبٌ يستحق العناء وإن لم يقع السيناريو المخيف أبداً. فالحكمة لا تُقاس بصحة النبوءة، بل بجودة الاستعداد الذي تحضّ عليه.

ولكي نقيس الفجوة بين الواقع والخيال، يلزمنا أن نعرف أين نقف فعلاً اليوم. إن ما نملكه من ذكاءٍ اصطناعي ذكاءٌ ضيق محصور في مهام، يبرع في الترجمة أو توليد الصور أو تشخيص صورةٍ طبية، لكنه يعجز عن نقل براعته من ميدانٍ إلى آخر كما يفعل الطفل بلا عناء. وقد دأب تقرير مؤشر الذكاء الاصطناعي الصادر سنوياً عن جامعة ستانفورد على توثيق هذه الازدواجية المحيّرة، إذ يرصد تفوق النماذج المبهر في اختباراتٍ بعينها حتى تتجاوز الأداء البشري، ويرصد في الوقت ذاته إخفاقها الفاضح في مهامٍ بدهيةٍ على طفلٍ صغير، كاستيعاب أن الكأس المقلوب يسكب ماءه. وهذه الفجوة بين القدرة المتخصصة والفهم العام هي جوهر القضية كلها، فالمسافة بيننا وبين ذكاءٍ عام حقيقي ليست مسافة سرعةٍ نقطعها بمعالجاتٍ أقوى، بل مسافة نوعٍ مختلف من الإدراك لم نعرف بعد كيف نهندسه، بل لم نتفق حتى على تعريفه. ومن لم يحسم تعريف الشيء، كيف له أن يجزم بموعد بلوغه؟

وهنا تتبدى مغالطةٌ منهجية يقع فيها كثير من المتنبئين، وهي افتراض أن المنحنى الذي يصعد اليوم سيواصل صعوده على وتيرته إلى ما لا نهاية. والتاريخ التقني يكذّب هذا الافتراض مراراً، فكل تقنيةٍ واعدة مرّت بمنحنى نموٍّ سريع ثم اصطدمت بسقفٍ من القيود الفيزيائية أو المعرفية أبطأ تقدّمها. ويرى الكاتب أن الخطأ الأعمق في نبوءات الذكاء الفائق هو خلط القياس بالاستقراء، إذ يُؤخذ تسارع السنوات الأخيرة دليلاً قاطعاً على استمراره، بينما لا يلزم من قطع نصف الطريق بسرعةٍ أن يُقطع النصف الباقي بالسرعة ذاتها، لا سيما إن كان النصف الباقي مختلفاً في طبيعته اختلافاً جذرياً. فالقفز من نموذجٍ يكمل الجمل ببراعة إلى عقلٍ يعي ذاته ويصوغ غاياته الخاصة ليس امتداداً للمسار الحالي، بل وثبةٌ إلى مجهولٍ قد يتطلب اختراقاتٍ نظرية لم تولد بعد. ولقد خبر تاريخ هذا الحقل ذاته شتاءاتٍ طويلة من الجمود أعقبت ربيعاً من الوعود المتفائلة، حين اصطدم الحماس بجدارٍ من التعقيد لم يكن في الحسبان، فهوت التوقعات بعد أن تطاولت، وتلك عبرةٌ لا ينبغي أن تغيب عمن يكتب اليوم نبوءات الغد بثقة الواثق.

شاطئ الجبيل على أن خفض حرارة سيناريو القيامة لا يعني إنكار المخاطر، بل إعادة توجيه أنظارنا نحو المخاطر الحقيقية القائمة الآن. فبينما نشغل أنفسنا بآلةٍ متمرّدة بعد عقودٍ مفترضة، تتسلل إلى حياتنا أضرارٌ ملموسة من أنظمةٍ غبيةٍ نسبياً نمنحها سلطةً تفوق أهليتها. وقد أوضحت أبحاثٌ من معهد ماساتشوستس للتقنية أن الخطر الأقرب ليس وعي الآلة بل تحيّزها الصامت، إذ تعكس المنظومة انحياز بياناتها فتظلم فئاتٍ بعينها في القروض أو التوظيف أو حتى التشخيص الطبي دون أن يقصد أحد. ويرى الكاتب أن انشغالنا بالخطر البعيد المثير صرفٌ مكلفٌ عن الخطر القريب الممل، فالضرر الذي يستحق يقظتنا اليوم ليس عقلاً خارقاً يستعبدنا، بل خوارزمياتٌ متواضعةٌ نأتمنها على قراراتٍ مصيرية وهي لا تفهم معنى ما تقرّر، فنخلع عليها من السلطة ما لا تحتمله أهليتها. والمأساة أن الخطر حين يكون مملاً مألوفاً يفلت من رقابتنا، بينما يستأثر الخطر الأسطوري بكل انتباهنا وإن كان أبعد احتمالاً.

شاطئ الجبيل ثم إن هناك مفارقةً يغفل عنها أنصار النبوءة المتشائمة، وهي أن أكثر ما يميّز العقل البشري عصيٌّ على الأتمتة لا لأنه معقد فحسب، بل لأنه ليس حساباً أصلاً. فالحكمة والتعاطف والحدس الأخلاقي والقدرة على فهم المعنى في سياقه ليست مهاراتٍ تُكتسب بمزيدٍ من البيانات، بل خصائص متجذّرة في كوننا كائناتٍ حيّة لها جسدٌ وتاريخٌ ومشاعر. وقد نبّهت أبحاثٌ في فلسفة العقل إلى أن مشكلة الوعي الصعبة، أي كيف تنشأ التجربة الذاتية من المادة، ما تزال لغزاً لم يقترب منه أحد، ومن لا يفهم كيف ينشأ الوعي عبثٌ أن يدّعي القدرة على هندسته في الآلة. ويرى الكاتب أن المساواة المتعجّلة بين الذكاء والوعي هي أصل البلبلة، فالآلة قد تتفوق علينا في الذكاء بمعنى حلّ المسائل، دون أن تملك ذرةً من الوعي بمعنى أن تكون لها تجربةٌ داخلية، والخلط بين الأمرين يحوّل نقاشاً علمياً إلى أسطورةٍ ميتافيزيقية. فبين أن تحسب الآلة وبين أن تشعر بونٌ لم تردمه كل قفزات هذا العقد، ولا يلوح في الأفق ما يردمه قريباً.

وفي السياق الاقتصادي، ينبغي ألا يصرفنا جدل الذكاء الفائق البعيد عن التحول القريب في سوق العمل. فقد قدّر المنتدى الاقتصادي العالمي في تقاريره المتعاقبة عن مستقبل الوظائف أن التقنية ستزيح ملايين المهن وتستحدث ملايين أخرى، فيكون المحصول إعادة توزيعٍ لا فناءً شاملاً. ونبّهت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن المهن المعرّضة للأتمتة هي الروتينية القابلة للتنبؤ، بينما تبقى المهام التي تتطلب حكماً وإبداعاً وتعاطفاً عصيةً على الآلة. ويرى الكاتب أن الاستعداد العقلاني لا يكون بانتظار آلةٍ خارقة، بل بتأهيل الإنسان لما هو واقعٌ بالفعل. وهنا يبرز السياق العربي على نحوٍ خاص، إذ تدرك رؤية المملكة العربية السعودية 2030 أن الرهان ليس على امتلاك التقنية بل على إعداد العقول التي تحسن توجيهها، فجعلت تنمية المهارات الرقمية وبناء اقتصاد المعرفة ركيزةً في تحوّلها، إيماناً بأن المستقبل لمن يشارك الآلة العمل لا لمن يخشاها أو يقدّسها.

وثمة بُعدٌ آخر كثيراً ما يُهمَل في خضمّ الجدل، وهو أن الحديث عن آلةٍ تتجاوز الإنسان يفترض ضمناً أن الذكاء مقياسٌ واحدٌ مفردٌ يمكن ترتيب الكائنات عليه من الأدنى إلى الأعلى. وهذا الافتراض نفسه موضع شك، فالذكاء البشري ليس قيمةً واحدة بل منظومةٌ من القدرات المتباينة التي يتعذّر اختزالها في رقم. وقد أشار باحثون في علم النفس المعرفي إلى أن أنواع الذكاء متعددة متمايزة، منها المنطقي ومنها الاجتماعي ومنها الوجداني والحركي، ولا يلزم من تفوق منظومةٍ في أحدها تفوّقها في سواه. ويرى الكاتب أن عبارة تجاوز الإنسان نفسها مضلّلة، إذ توحي بسباقٍ على خطٍّ واحد بينما الواقع ميادين متفرقة، فالآلة قد تسبقنا في الحساب ونحن نسبقها في فهم نكتةٍ أو مواساة حزين، والمقارنة بين الميدانين كالمقارنة بين سرعة الطائرة ورشاقة الراقص، لا يستقيم فيها فائزٌ مطلق ولا مغلوبٌ مطلق.

وإذا أردنا ركائز عملية تنقلنا من القلق إلى الرشد، فأولها أن نفصل بين الذكاء والوعي، فنسأل عن الآلة ماذا تحسن أن تفعل لا متى ستستيقظ. وثانيها أن نوجّه يقظتنا نحو الأضرار القائمة من التحيّز والمراقبة وسوء الاستخدام، لا نحو سيناريو خيالي بعيد. وثالثها أن نرتاب في كل نبوءةٍ تجزم بموعدٍ محدد، فالتواضع المعرفي هنا فضيلةٌ لا ضعف. ورابعها أن نستثمر في الحوكمة والأمان منذ اليوم، لا أن ننتظر وقوع الخطر لنتدارك. وخامسها أن نبني وعياً عاماً يميّز بين البحث الرصين وعناوين الخيال، فالمجتمع المثقف تقنياً أعصى على التهويل والتهوين معاً، وأقدر على اتخاذ قراراتٍ يحكمها العقل لا الانفعال. وهذه الركائز ليست ترفاً فكرياً، بل أدواتٌ يحتاجها الفرد والمؤسسة والدولة في زمنٍ صارت فيه هذه التقنية تتسلل إلى تفاصيل القرار.

ويبقى السؤال الأعمق معلقاً، وهو لماذا يفتننا سيناريو الآلة التي تتجاوزنا إلى هذا الحد؟ ولعل الجواب أننا نسقط على الآلة قلقنا من ذواتنا، فمخاوفنا من عقلٍ بلا ضمير هي في جوهرها مخاوف مما قد يصنعه الإنسان بأخيه الإنسان حين يملك القوة بلا حكمة. والبحث العلمي الهادئ، إذ يخفض حرارة النبوءة، لا ينزع عن المستقبل غموضه، لكنه يعيد إلى الإنسان موقعه بوصفه الفاعل المسؤول الذي يصوغ المسار بقراراته اليوم. فالذكاء الفائق، إن جاء يوماً، لن يكون قدراً يهبط علينا فجأة، بل ثمرة خياراتٍ نتخذها الآن في المختبرات والبرلمانات وقاعات الدرس. ومن أدرك هذا اليوم ملك مفتاح غدٍ يكون فيه الذكاء الاصطناعي امتداداً لطموح الإنسان لا نقيضاً له، وأداةً يصوغها وعيٌ يقظ لا نبوءةٌ خاملة تنتظر أن تتحقق. وتلك هي المفارقة الأخيرة، أن أفضل سبيلٍ لتفادي مستقبلٍ تتحكم فيه الآلة هو ألا نتوقف نحن عن التفكير فيه بعقلٍ بارد، لأن من يكفّ عن السؤال هو وحده من يستحق أن تتجاوزه الآلة.