شركة بوابات الخير للذكاء الاصطناعي

الطابق الأول، المبنى 7، المنطقة أ طريق المطار، البوابة الاقتصادية ص.ب 93597 الرياض 11683، المملكة العربية السعودية

0112611571

+966570709955

الذكاء الاصطناعي العربي

حين يُسأل العربيُّ اليوم عن موقعه من ثورة الذكاء الاصطناعي، فإنّ الجوابَ الصادقَ يبدأ من مفارقةٍ مؤلمة: نحن أمّةٌ تملك أكبرَ خزّانٍ بشريٍّ ناطقٍ بلغةٍ واحدةٍ في العالم النامي، ومع ذلك تُدرَّب أعتى النماذج اللغوية على لغاتٍ أخرى، فتأتينا العربيةُ في تلك النماذج كأنها لهجةٌ ضيفةٌ على مائدةٍ ليست مائدتها. فهل صار قدرُنا أن نستوردَ حتى الطريقةَ التي تفكّر بها الآلةُ في كلماتنا؟ أم أنّ في هذه اللحظة بالذات، حيث لم تُغلَق أبوابُ السباق بعد، فرصةً نادرةً لأن نكون صانعين لا مستهلكين، وأن نكتب شيئاً من شيفرة المستقبل بأيدينا لا أن نتلقّاها جاهزةً معلّبة؟

السؤال ليس ترفاً بلاغياً، بل هو سؤال الحضارة نفسه في القرن الواحد والعشرين. فالحضاراتُ في كل عصرٍ تُقاس بقدرتها على إنتاج أدوات عصرها لا مجرّد اقتنائها. العربُ الذين نقلوا علوم اليونان والفرس والهند في القرنين الثامن والتاسع لم يكتفوا بالترجمة، بل أضافوا الجبر والخوارزميات والبصريات، حتى إنّ كلمة الخوارزمية ذاتها التي تقوم عليها كلُّ منظومات الذكاء الاصطناعي اليوم منحوتةٌ من اسم محمد بن موسى الخوارزمي. تلك كانت لحظةَ صناعةٍ لا استهلاك. والمفارقةُ الحضاريةُ الكبرى أن وريث الخوارزمي صار اليوم في موقع المتلقّي لخوارزميات الآخرين، يشتري النموذجَ ويدفع ثمن الاستخدام بالكلمة وبالاستفسار، ويصدّر بياناته الخام ليستوردها معالجةً مغلّفة. هذه هي معادلةُ التبعية التقنية في أنقى صورها، وهي امتدادٌ لمعادلةٍ اقتصاديةٍ قديمة: نصدّر الخام ونستورد المصنوع. ولعلّ أشدَّ ما في هذه المعادلة إيلاماً أنها لا تُفرَض علينا بالقوة كما كان الحال في زمن الاستعمار القديم، بل نقبل بها طوعاً ونحتفي بها أحياناً بوصفها علامةَ تقدّمٍ وانفتاح.

لفهم عمق هذه اللحظة لا بدّ من خلفيةٍ معرفية. تشير دراساتُ معهد ستانفورد في تقريره السنوي عن مؤشر الذكاء الاصطناعي إلى أنّ الفجوةَ بين الدول المنتِجة للنماذج الكبرى وبقية العالم آخذةٌ في الاتساع لا التضيّق، وأنّ الغالبية العظمى من النماذج الأساسية المؤثّرة تُطوَّر في عددٍ محدودٍ جداً من المراكز. ويذهب باحثون في جامعة أكسفورد، في أعمالهم حول ما سمّوه الاستعمار البياني، إلى أنّ تدفّق البيانات من الجنوب إلى الشمال يعيد إنتاج علاقات القوة الاستعمارية بأدواتٍ جديدة: الموردُ يقدّم المادةَ الخام وهي بياناته وسلوكه ولغته، بينما يحتكر المركزُ القيمةَ المضافة وهي النموذج والملكية والربح. يرى الكاتب أنّ أخطرَ ما في هذه المعادلة ليس التأخّرَ التقنيَّ في ذاته، بل ترسّخُ عقليةٍ تعدّ الاستهلاك قدراً والاستيراد حداثةً، فتُختزل طموحاتُ أمّةٍ بأكملها في أن تكون سوقاً جيدةً للمنتَج الأجنبي. والعقولُ التي تقتنع بأنّ مكانها في آخر سلسلة القيمة نادراً ما تنهض، لأنها تكون قد هزمت نفسها قبل أن تخوض المعركة.

غير أنّ التحليل العميق يقتضي تجاوزَ هذا التشخيص التشاؤمي إلى رؤيةٍ تخالف السائد من جهتين. الجهةُ الأولى أنّ خطاب الجلد الذاتي الذي يصوّر العربَ كمستهلكين أبديين محكومين بالتبعية هو خطابٌ كسولٌ ومخطئ تاريخياً؛ فالتاريخ لا يعرف قدراً تقنياً ثابتاً، وكوريا الجنوبية كانت في الستينيات أفقرَ من معظم البلدان العربية ثم صارت من صنّاع التقنية الكبار في جيلٍ واحد، لا لأنها امتلكت موارد استثنائية بل لأنها امتلكت إرادةً وخطةً ونفساً طويلاً. والجهةُ الثانية، وهي الأدقُّ نظراً، أنّ ثنائيةَ الصناعة مقابل الاستهلاك بصيغتها الحادّة قد تكون نفسها فخّاً ذهنياً. يرى الكاتب أنّ السؤالَ الأصحَّ ليس هل نصنع أم نستهلك، بل ماذا نصنع وأين نضع ثقلنا في سلسلة القيمة. فلا أحد اليوم يصنع كلَّ شيء؛ حتى الدول الكبرى تتخصّص في حلقاتٍ بعينها من سلسلةٍ معولمة. والوهمُ القاتل أن نظنّ أنّ الصناعة تعني بالضرورة بناء نموذجٍ عملاقٍ ينافس عمالقة العالم في كل شيء، بينما الصناعةُ الذكية قد تعني التموضع في الطبقات التي نملك فيها ميزةً حقيقية: اللغةُ العربية بثرائها الصرفي والدلالي، والمعرفةُ المحلية بسياقاتٍ ثقافيةٍ ودينيةٍ وقانونية لا يفهمها النموذجُ المستورد، والبياناتُ القطاعية في الطاقة والحج والتجارة والصحة التي لا يملكها سوانا.

شاطئ الجبيل هنا يبرز البُعد اللغوي بوصفه قلبَ المعركة لا هامشها. فاللغةُ ليست مجرّد واجهةٍ للتفاعل مع الآلة، بل هي البنيةُ التي يتشكّل بها الفكرُ والقيم. حين يُدرَّب نموذجٌ ضخمٌ على نصوصٍ تكاد العربيةُ تكون فيها ذرّةً ضئيلة، فإنّ ما يصلنا منه ليس أداةً محايدة، بل عدسةٌ مصبوغةٌ بثقافةٍ أخرى، تعيد تعريفَ مفاهيمنا وتحاكمُ أسئلتَنا بمعاييرَ ليست معاييرنا. تنبّه أبحاثُ معهد ماساتشوستس للتقنية في دراساتها حول التحيّز الخوارزمي إلى أنّ النماذجَ ترث تحيّزاتِ بياناتها وتضخّمها، وأنّ غيابَ مجتمعٍ ما عن بيانات التدريب يعني عملياً محوَه من خريطة ما تستطيع الآلةُ تخيّله. يرى الكاتب أنّ بناء نماذجَ عربيةٍ أصيلة ليس مشروعاً تقنياً فحسب، بل هو فعلُ سيادةٍ معرفية ودفاعٌ عن حقّ الأمة في أن تُفكَّر بلسانها لا أن يُفكَّر عنها بلسان غيرها. وما تحقّق في مبادراتٍ عربيةٍ لبناء نماذجَ لغويةٍ تتعامل مع العربية بوصفها لغةً أصلية لا منقولة يثبت أنّ السقف الذي ظننّاه مستحيلاً كان وهماً، وأنّ المسافة بيننا وبين الصناعة أقصرُ مما يوحي به خطابُ العجز.

شاطئ الجبيل ولا يكتمل التحليل دون مكاشفةٍ صريحة بشأن الموارد. تُجمع تقاريرُ المنتدى الاقتصادي العالمي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية على أنّ ثلاثةَ عناصرَ تحكم القدرةَ على الإنتاج في هذا الميدان: القدرةُ الحاسوبية، والمواهبُ، والبيانات. والمنطقةُ العربية، وفي قلبها دولُ الخليج، تملك من العنصر الأول ما لا تملكه أممٌ كثيرة، إذ تتيح وفرةُ الطاقة وفائضُ رأس المال بناءَ بنيةٍ تحتيةٍ حاسوبيةٍ ضخمة. لكنّ العنصرين الآخرين، الموهبةَ والبيانات، لا يُشترَيان بالمال وحده، بل يُزرَعان بصبر التعليم وثقافةِ البحث وحريةِ التجريب. يرى الكاتب أنّ المالَ في غياب منظومةٍ تعليميةٍ منتجةٍ للعقول قد يحوّل بلداننا إلى أكبر مشترٍ لا أكبر صانع، فنبني مراكزَ بياناتٍ هائلة لنشغّل عليها نماذجَ الآخرين، فيكون لنا الحديدُ والكهرباء ولهم العقلُ والقيمة. وهذا هو الفخُّ الأخطر: أن نظنّ أنّنا نصنع لمجرّد أنّنا ننفق، وأن نخلط بين امتلاك البنية وامتلاك المعرفة التي تحرّكها.

من هذه الزاوية تتجلّى أهميةُ المشاريع الوطنية الكبرى. فرؤيةُ السعودية 2030 لم تطرح التقنيةَ بوصفها ترفاً تحديثياً، بل بوصفها رافعةً لتنويع اقتصادٍ ظلّ رهينةً لمصدرٍ واحد. والمعنى العميق لتوطين الذكاء الاصطناعي ضمن هذه الرؤية أنّه محاولةٌ للانتقال من اقتصاد الريع إلى اقتصاد المعرفة، من بيع ما تحت الأرض إلى صناعة ما يدور في العقول. وحين تنشئ دولةٌ عربيةٌ هيئاتٍ متخصّصةً وصناديقَ استثمارٍ وشراكاتٍ بحثيةً عالمية، فإنها تخوض رهانَ التحوّل من المستهلك إلى المنتج المشارك. يرى الكاتب أنّ معيارَ نجاح هذه الرهانات لن يكون عددَ المراكز المفتتَحة ولا حجمَ الاستثمارات المعلَنة، بل قدرتَها على إنبات بيئةٍ تُخرج باحثاً عربياً يبتكر من الرياض أو القاهرة أو تونس خوارزميةً يستخدمها العالم، تماماً كما استخدم العالمُ يوماً خوارزميةَ الخوارزمي. فالعبرةُ ليست بما نبنيه من جدران، بل بما ننبته من عقول داخلها.

وهنا تتشكّل ركائزُ عمليةٌ لا تكتفي بالتنظير. أولاها أن نبني السيادةَ على البيانات: فالبياناتُ العربيةُ، صحيةً كانت أم لغويةً أم اقتصادية، ثروةٌ لا تقلّ عن النفط، ويجب أن تُحوكَم وتُحفَظ وتُستثمَر بأطرٍ تضمن بقاءَ قيمتها داخل الإقليم لا تسرّبها مجاناً. وثانيتها الاستثمارُ في العقل قبل الحجر: فبناءُ جامعاتٍ بحثيةٍ تنافسية واستبقاءُ المواهب ووقفُ نزيفها نحو الخارج أهمُّ من أيّ مركز بياناتٍ مهما ضخم. وثالثتها التخصّصُ الذكي: أن نختار حلقاتٍ من سلسلة القيمة نتفوّق فيها بحكم لغتنا وسياقنا بدل تبديد الجهد في منافسةٍ خاسرة على كل الجبهات. ورابعتها التكاملُ العربي: فلا قُطر بمفرده يملك السوقَ والموهبةَ ورأسَ المال معاً، بينما يملكها العربُ مجتمعين، ومشروعٌ عربيٌّ مشترك للذكاء الاصطناعي قد يكون أعظمَ مشاريع التضامن في هذا القرن. وخامستها بناءُ منظومةٍ أخلاقيةٍ وتشريعيةٍ نابعةٍ من قيمنا، تحكم استخدامَ هذه التقنية بما يصون كرامةَ الإنسان ولا يستورد قيمَ غيرنا مع أدواتهم، فالتقنيةُ لا تأتي قيمةً محايدة بل محمّلةً برؤية مَن صنعها للعالم وللإنسان.

ثمّ إنّ ثمّة بُعداً كثيراً ما يُهمَل في النقاش العربي، وهو البُعد الزمني للسباق. فالذكاء الاصطناعي لا يتقدّم خطّياً بل أُسّياً، ومن يتأخّر سنواتٍ قليلةً اليوم قد يجد نفسه غداً متأخّراً عقوداً، لأنّ كلَّ تقدّمٍ يولّد بياناتٍ جديدةً ونماذجَ أقوى تولّد بدورها تقدّماً أسرع في حلقةٍ متسارعة. تشير تحليلاتُ باحثين في جامعة هارفارد إلى أنّ ميزةَ السبق في هذا الميدان تتراكم وتتعقّد، حتى تصبح كلفةُ اللحاق بالمتقدّمين باهظةً إلى حدٍّ يقارب الاستحالة. يرى الكاتب أنّ هذا الإدراك يجب أن يقلب أولوياتِنا رأساً على عقب: فالانتظارُ ليس موقفاً محايداً بل خسارةٌ صافية، والتردّدُ في الاستثمار اليوم بدعوى نضج التقنية غداً هو وصفةٌ لتأبيد التبعية. ومع ذلك فإنّ السرعةَ وحدها لا تكفي إن لم تقترن بوجهةٍ صحيحة، إذ لا قيمة لأن نركض بأقصى طاقتنا في الاتجاه الذي يحوّلنا إلى مجرّد مستهلكين أسرع وأكثر إدماناً.

وفي قلب كل هذا يكمن سؤالُ الإنسان لا الآلة. فالخطرُ الأعمق ليس أن نتأخّر في الإنتاج التقني، بل أن ننجح فيه على حساب ما يجعلنا أمّةً ذاتَ رسالة. يرى الكاتب أنّ الصناعةَ التي ننشدها يجب ألّا تكون نسخةً عربيةً من نموذجٍ يختزل الإنسانَ في بياناتٍ تُستثمَر وسلوكٍ يُتنبّأ به ويُوجَّه، بل صناعةً تنبع من تصوّرٍ للإنسان بوصفه غايةً لا وسيلة، وللعلم بوصفه أمانةً لا أداةَ هيمنة. إنّ أعظمَ ما يمكن أن يقدّمه العربُ للعالم في هذا القرن ليس مجرّد نموذجٍ ينافس النماذج، بل رؤيةٌ أخلاقيةٌ للتقنية تذكّر البشريةَ المنشغلةَ بسؤال القدرة بسؤالٍ أهمّ هو سؤال المعنى والغاية. وهكذا يتّحد سؤالُ الصناعة بسؤال الحضارة في معنىً واحد: أن نصنع لا لنلحق بالركب فحسب، بل لنضيف إلى مسيرة الإنسانية بصمةً تحمل روحَنا، كما حملت بصمتُنا الأولى يوماً اسمَ الخوارزمي إلى كل لغات الأرض.

في الأفق تلوح حقيقةٌ لا مهرب منها: إنّ القرن الواحد والعشرين سيقسّم الأممَ لا إلى غنيّةٍ وفقيرة كما اعتدنا، بل إلى أممٍ تصنع عقلَ الآلة وأممٍ تُصنَع آلتُها وتُملى عليها. والعربُ، بما يملكون من لغةٍ حيّة وتاريخٍ علميٍّ مجيد ومواردَ هائلة وشبابٍ هو الأكثر اتصالاً بالعالم الرقمي، يقفون عند مفترقٍ نادرٍ لا يتكرّر إلا مرّةً كلّ بضعة قرون. والسؤالُ الذي افتتحنا به ليس له جوابٌ مكتوبٌ سلفاً في كتاب القدر، بل جوابٌ نكتبه نحن بقراراتنا اليوم: في مناهج نعلّمها، وباحثين نستبقيهم، وبياناتٍ نحميها، ولغةٍ نصرّ على أن تفكّر بها الآلة. يرى الكاتب أنّ الأمّة التي صنعت الخوارزمية قادرةٌ على أن تصنع ما بعدها، شريطةَ أن تستردّ ثقتها بأنّ العقلَ العربيَّ لم يُخلَق ليستهلك ما تجود به عقولُ الآخرين، بل ليضيف إلى رصيد الإنسانية كما أضاف من قبل. أمّا إن اخترنا الاستهلاك المريح، فسنكون قد قبلنا بأن يُكتَب تاريخُنا الرقميُّ بلغةٍ ليست لغتنا، وأن نُروى في ذاكرة الآلة كهامشٍ لا كمتن. والخيارُ، بكل ثقله الحضاري، بأيدينا وحدها، ولن يعذرنا التاريخُ إن تركنا هذه اللحظةَ النادرة تمرّ ونحن نتفرّج.