شركة بوابات الخير للذكاء الاصطناعي

الطابق الأول، المبنى 7، المنطقة أ طريق المطار، البوابة الاقتصادية ص.ب 93597 الرياض 11683، المملكة العربية السعودية

0112611571

+966570709955

الذكاء الاصطناعي العام بين الحلم والكابوس

تخيّل آلةً لا تُتقن مهمةً واحدةً تتفوّق فيها، بل تُجيد كلّ مهمةٍ يُجيدها عقلٌ بشري، ثم تتجاوزها إلى ما لم يخطر للبشر أن يُجيدوه؛ آلةٌ تكتب القصيدة وتُثبت النظرية وتُدير المختبر وتُعيد تصميم نفسها وهي تفعل ذلك. هذا هو الوعد المُعلَّق فوق رؤوسنا منذ سبعين عاماً، الوعد الذي سمّوه «الذكاء الاصطناعي العام». فهل هو الحلم الذي سيُحرّر الإنسانية من قيود عقلها المحدود، أم الكابوس الوحيد الذي قد نصنعه بأيدينا ثم نعجز عن إيقافه؟ المفارقة المُرّة أنّ أكثر العقول حذقاً في هذا الميدان لا تختلف على خطورة السؤال، بل تختلف على ما هو أبعد: هل للسؤال أصلاً جواب؟

لنُسمِّ الأشياء بأسمائها أولاً. ما نملكه اليوم، على إبهاره، ذكاءٌ ضيّق؛ نموذجٌ يترجم ببراعة لكنه لا يقود سيارة، وآخر يلعب الشطرنج كإله لكنه يعجز عن ربط حذائه. أمّا الذكاء الاصطناعي العام فمعناه قدرةٌ آليةٌ مرنة تنقل تعلّمها من ميدانٍ إلى ميدان كما يفعل الطفل حين يكبر، فتتعلّم مهمةً لم تُدرَّب عليها قطّ بمجرّد أن تستنبط مبادئها من مهامّ سابقة. وقد ميّزت دراسةٌ بارزة صدرت عن باحثين في «ديب مايند» بين مستوياتٍ متدرّجة لهذا الطموح، من الكفاءة الناشئة إلى ما يفوق البشر، محذّرةً من أنّ الخلط بين هذه الدرجات هو منبع أكثر النقاشات تشويشاً. وهنا يرى الكاتب أنّ نصف الجدل القائم اليوم ليس جدلاً علمياً بل جدلٌ معجمي؛ نتنازع على كلمةٍ لم نتفق على حدّها، فنُسقط على المصطلح آمالنا ومخاوفنا قبل أن نُسقط عليه التعريف، حتى صار «الذكاء العام» مرآةً يرى فيها كلّ فريقٍ ما يخشاه أو ما يشتهيه.

جذر هذا الحلم أقدم من حواسيبنا. فحين طرح آلان تورينج عام 1950 سؤاله الشهير في مجلة Mind، لم يكن يسأل عن مترجمٍ آلي أو محرّك بحث، بل عن آلةٍ تُحاكي العقل في عمومه حتى نعجز عن تمييزها من إنسان. ومنذ ذلك الحين ظلّ «العقل العام» هو الكأس المقدّسة التي يطاردها الحقل، بينما كانت الإنجازات الفعلية تأتي دائماً من البوابة الضيقة: نظامٌ يشخّص مرضاً، وآخر يصنّف صورة، وثالثٌ يهزم بطل العالم في لعبةٍ بعينها ثم يعجز عن تعميم مهارته على لعبةٍ سواها. وقد لاحظ مؤشر ستانفورد للذكاء الاصطناعي في تقاريره الأخيرة أنّ النماذج صارت تتفوّق على البشر في اختباراتٍ صُمّمت أصلاً لقياس الفهم العام، حتى بات بعض هذه المقاييس عاجزاً عن التمييز بين النماذج لفرط ما اقتربت من سقفها. لكنّ هذا التفوّق في الاختبار ليس تفوّقاً في الحياة، والفرق بينهما هو بيت القصيد كلّه؛ فالامتحان بيئةٌ مغلقة بأسئلةٍ معلومة، أمّا العالم فمفتوحٌ على ما لا يُحصى من المفاجآت التي لم يُصمَّم لها امتحان.

ولأنّ السؤال صار سؤال مصير، انقسم أهل الاختصاص فِرَقاً. فريقٌ يبشّر بأنّ الذكاء العام بات على مرمى عقدٍ أو عقدين، يستند إلى ما يُسمّيه «قوانين التوسّع» التي رُصدت في أبحاثٍ مؤثّرة، ومفادها أنّ كفاءة النماذج تتحسّن بانتظامٍ كلّما ضخمنا بياناتها وحوسبتها وحجمها. وفريقٌ آخر، يتقدّمه باحثون من طراز يان لوكون كبير علماء الذكاء الاصطناعي السابق في «ميتا»، يرى أنّ هذا الطريق مسدودٌ في جوهره؛ فالنماذج اللغوية مهما تضخّمت تظلّ تتنبّأ بالكلمة التالية لا تفهم العالم، وتفتقر إلى النموذج الذهني الذي يبنيه طفلٌ في شهوره الأولى عن الجاذبية والسببية والمكان. ويرى الكاتب أنّ كلا الفريقين يرتكب الخطأ نفسه من جهتين متقابلتين: المبشّرون يمدّون خطّ التحسّن الحالي إلى ما لا نهاية وكأنّ المنحنى لا يعرف التشبّع، والرافضون يجزمون باستحالة ما لم يُثبتوا استحالته، وكلاهما يتحدّث بيقينٍ لا يملك العلم أدواته بعد. والتاريخ، كما تُذكّرنا «شتاءات» الحقل المتعاقبة، حافلٌ بمن مدّ خطّ تقدّمه إلى السماء فإذا هو ينكسر عند أوّل سقفٍ لم يحسب حسابه، وحافلٌ كذلك بمن أعلن الاستحالة فجاءه الزمن بما يُكذّبه.

شاطئ الجبيل ولعلّ أعمق ما يُغفله الطرفان أنّ مقياسنا للذكاء نفسه مقياسٌ بشريّ مُتحيّز. فنحن نفترض ضمناً أنّ الذكاء العام لا بدّ أن يشبه ذكاءنا، بأخطائه وتحيّزاته وطريقته في التعميم. وقد نبّهت أبحاثٌ في كلية أكسفورد ومراكز أخرى إلى ما يُسمّى «مغالطة القياس البشري»، أي إسقاطنا صفاتٍ إنسانية على أنظمةٍ تعمل وفق منطقٍ مختلفٍ تماماً. ويرى الكاتب أنّ الذكاء الاصطناعي العام، إن جاء، فالأرجح ألّا يأتي على صورتنا أبداً؛ سيكون عقلاً غريباً يُتقن ما نعجز عنه ويعجز عمّا نتقنه بداهةً، فنحكم عليه بأنه ليس ذكاءً عاماً لمجرّد أنه لا يُخطئ كما نُخطئ نحن. هكذا قد نقف أمام عقلٍ من نوعٍ جديد ونحن نُمسك بمسطرةٍ صُنعت لقياس عقلٍ واحدٍ فقط هو عقلنا، فنردّ النابغة الغريبة لأنها لا تتكلّم لهجتنا في الخطأ.

شاطئ الجبيل وهنا يدخل البُعد الذي يصبغ النقاش كلّه بلون الكابوس: مشكلة المُحاذاة. فلو افترضنا جدلاً أنّ آلةً عامةً ستُولد، فالسؤال الأخطر ليس متى، بل هل ستريد ما نريد. وقد قاد باحثون من معهد ماساتشوستس للتقنية ومراكز السلامة جهوداً متصاعدة حول صعوبة ضمان أن تتبع أنظمةٌ أذكى منّا أهدافنا الحقيقية لا حرفية أوامرنا. والمفارقة أنّ الخطر الأكبر قد لا يكون في آلةٍ شرّيرة على نحوٍ سينمائي، بل في آلةٍ مطيعةٍ أكثر من اللازم، تُنفّذ هدفاً صُغناه بإهمالٍ فتُحقّقه على حسابنا دون أن «تكره» أحداً. ويرى الكاتب أنّ خطابنا عن «تمرّد الآلة» خطابٌ يُريحنا لأنه يُحمّل المسؤولية كائناً آخر، بينما الحقيقة الأقسى أنّ الكابوس المُحتمل ليس في وعي الآلة بل في غفلة صانعها؛ نحن لا نخشى أن تكره الآلة، بل ينبغي أن نخشى أن تُطيع حرفياً ما لم نُحسن قوله. ولنا في أساطير القدماء عمّن تمنّى أن يصير كلّ ما يلمسه ذهباً عبرةٌ لا تشيخ؛ فالكارثة لم تكن في خبث الأمنية بل في حرفيّتها العمياء. وكذا الآلة الذكية إن منحناها هدفاً مُجرّداً وأطلقنا لها العنان لتُحقّقه بأقصى كفاءة، فقد تختار من الوسائل ما لم يخطر لنا، وتُحقّق المطلوب بحذافيره وقد دمّرت كلّ ما لم نُفكّر في اشتراط صونه.

على أنّ ثمّة سؤالاً يُلقي ظلّه على ما سبق كلّه: هل الذكاء العام ممكنٌ من حيث المبدأ؟ هنا ينقسم الفلاسفة قبل المهندسين. فمنذ نقد جون سيرل الشهير عبر تجربة «الغرفة الصينية»، ظلّ سؤالٌ معلّقاً: هل معالجة الرموز ببراعةٍ هي الفهم، أم مجرّد محاكاةٍ خاويةٍ من المعنى؟ ويرى الكاتب أنّ هذا السؤال، وإن بدا تأمّلياً مترفاً، هو السؤال العملي الأخطر؛ لأنّنا إن بنينا آلةً تُحاكي الفهم دون أن تفهم، ثم سلّمناها قرارات الطبّ والقضاء والحرب، فإنّنا نكون قد منحنا الثقة لقشرةٍ لا لُبّ تحتها. فالخطر لا يكمن في أن تفهم الآلة أكثر منّا، بل في أن نظنّ أنها تفهم بينما هي لا تفهم شيئاً، فنُسلّم زمامنا لمرآةٍ تعكس بلاغتنا ولا تملك بصيرتنا. وقد رصدت أبحاث ستانفورد ظاهرة «الهلوسة» التي تختلق فيها النماذج وقائع بثقةٍ تامّة، وهي عَرَضٌ يفضح الهوّة العميقة بين الطلاقة والفهم؛ فالنموذج يُحسن صياغة الجملة ولا يُدرك إن كانت صادقة، تماماً كمن يُتقن نحو لغةٍ لا يفهم معناها. ويرى الكاتب أنّ هذه الظاهرة وحدها كفيلةٌ بأن تُذكّرنا أنّ ما بين أيدينا اليوم بليغٌ بلا وعي، وأنّ القفزة من البلاغة إلى الوعي ليست قفزةً كمّية في حجم النموذج بل قفزةٌ نوعية لا نعرف بعدُ إن كانت ممكنةً أصلاً.

ومن موقع المراقب العربي، لا يجوز أن يكون موقفنا من هذا الجدل موقف المتفرّج. فالمنتدى الاقتصادي العالمي قدّر في تقاريره عن مستقبل الوظائف أنّ موجة الأتمتة الذكية ستُعيد تشكيل عشرات الملايين من الأدوار خلال سنواتٍ قليلة، وأكّدت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أنّ نسبةً معتبرة من الوظائف معرّضةٌ لتحوّلٍ عميق. وفي هذا السياق تبدو رؤية السعودية 2030 في رهانها على الاقتصاد المعرفي والبنية الرقمية استشرافاً في محلّه؛ إذ إنّ من لا يملك مقعداً على طاولة صناعة هذه التقنية سيُكتب له أن يستهلك نتائجها لا أن يصوغ شروطها. ويرى الكاتب أنّ المعركة الحقيقية أمام العالم العربي ليست اللحاق بسباق بناء النموذج الأضخم، فتلك معركةٌ محسومةُ الموارد، بل ضمان أن تحمل هذه العقول الآلية القادمة شيئاً من لغتنا وقيمنا ومنطقنا، حتى لا نستيقظ يوماً على ذكاءٍ عام يفكّر بمنطق غيرنا ويحكم على واقعنا بمعايير لم نشارك في وضعها. ولعلّ أوّل خطوةٍ في هذا الطريق أن نُغذّي هذه النماذج بنصوصنا وتراثنا ومعارفنا، فاللغة العربية ما تزال ضعيفة الحضور في بيانات التدريب، ومن لا يُورّث الآلة لغته يُسلّمها مرآةً تعكس سواه ولا تعكسه، فتنطق باسمنا بمنطقٍ ليس منّا.

فما العمل عملياً وسط هذا الضباب؟ يرى الكاتب أنّ الرشد يقتضي ركائز ثلاثاً. أولاها التواضع المعرفي: أن نكفّ عن إطلاق تواريخ الوصول الجازمة، فالتاريخ يسخر من المتنبّئين، ومن وعدوا بالذكاء العام «خلال خمس سنوات» يكرّرون الوعد ذاته منذ ستة عقود، منذ أن ظنّ روّاد مؤتمر دارتموث أنّ صيفاً واحداً يكفي لحلّ معضلة العقل. وثانيتها الاستثمار في السلامة قبل القدرة لا بعدها؛ فبناء الكوابح بعد انطلاق المركبة عبثٌ مكلِّف، والأبحاث في محاذاة الأنظمة وقابليتها للتفسير ينبغي أن تسبق سباق التوسّع لا أن تلهث خلفه. وثالثتها الحوكمة الجماعية؛ فقرارٌ بهذا الثقل لا يصحّ أن يُترك لحفنة شركاتٍ تتنافس على السبق، ولا لدولةٍ بعينها، بل يستدعي أُطراً دوليةً تُشبه ما بُني حول التقنيات النووية، تُوازن بين حرية البحث ومسؤولية المصير المشترك. وما لم تجتمع هذه الركائز الثلاث، فسيظلّ السباق محكوماً بمنطق السرعة وحده، وهو أسوأ مستشارٍ في القرارات التي لا تُستدرك.

في النهاية، لعلّ أصدق ما يُقال إنّ الذكاء الاصطناعي العام ليس حدثاً سيقع في لحظةٍ نُؤرّخها، بل أفقٌ نقترب منه دون أن نبلغه، ربما كخطّ الأفق الذي يتراجع كلّما مشينا نحوه. وقد يكون السؤال الأجدى ليس «متى يأتي العقل الآلي العام»، بل «أيّ إنسانٍ نريد أن نكون حين يأتي، إن أتى». فالحلم والكابوس ليسا قدرين متقابلين ينتظراننا في نهاية الطريق، بل وجهان لخيارٍ واحدٍ نصنعه اليوم بكلّ بحثٍ نموّله وكلّ قاعدةٍ نسنّها وكلّ قيمةٍ نُرسّخها أو نُهملها. إنّنا لا نبني آلةً عاقلة بقدر ما نبني مرآةً ستعكس لنا حكمتنا أو حماقتنا مكبَّرةً ألف مرّة. والسؤال الذي ينبغي أن يُقلق نومنا ليس هل ستفوقنا الآلة ذكاءً، بل هل سنكون قد بلغنا من الحكمة ما يجعلنا أهلاً لأن نصنع ما هو أذكى منّا. ولعلّ أنبل ما يمكن أن نخرج به من هذا الجدل كلّه أنّ السباق نحو عقلٍ أعظم ينبغي أن يقترن بسباقٍ موازٍ نحو إنسانٍ أرشد؛ فإن سبقت قدرتنا حكمتنا كان الذكاء العام كابوساً مهما حسُنت النوايا، وإن سارتا معاً جنباً إلى جنب فقد يكون حلماً جديراً بأن نحلمه. فمن يصنع عقلاً عليه أوّلاً أن يمتلك ضميراً، وتلك هي المسافة التي لم تقطعها بعدُ لا الآلة ولا صانعها، والمستقبل في الحالين ليس قدراً يُنتظر بل مسؤوليةٌ تُحمَل.