تخيّل آلةً قادرةً على هزيمة بطل العالم في الشطرنج خلال ثوانٍ معدودة، ثم اطلب منها أن تشرح لك سبب حزن طفل يبكي في الزاوية، فتقف عاجزةً صامتةً كأنها لم تُخلق إلا للرقعة وقطعها. هذه المفارقة الصارخة بين البراعة الخارقة في مجال واحد والبلادة المطبقة فيما عداه تختصر جوهر السؤال الذي يحيّر الباحثين والساسة ورجال الأعمال على حدٍّ سواء: أين نقف اليوم على خريطة الذكاء الاصطناعي، بين ذكاءٍ ضيقٍ متخصصٍ بلغ من الإتقان عتيًّا، وذكاءٍ عامٍّ شاملٍ ما زال أقرب إلى الأمنية منه إلى الواقع؟
إن الإجابة عن هذا السؤال ليست ترفًا فكريًّا، بل هي البوصلة التي يجب أن توجّه استثماراتنا وسياساتنا وآمالنا، خصوصًا في منطقةٍ عربيةٍ تسعى للحاق بركب التقنية لا لتكرار أخطاء من سبقها. ومن لا يحسن قراءة موقعه على الخريطة محكومٌ عليه بأن يضلّ الطريق مهما امتلك من زاد، ومن يخلط بين الوهم والحقيقة يبني قراراته على رمال.
لنضع المصطلحات في نصابها أولًا. الذكاء الاصطناعي الضيق، أو ما يصطلح عليه بالذكاء المتخصص، هو ذلك النوع الذي يتفوق في مهمةٍ محددةٍ بعينها: يميّز الأورام في صور الأشعة، يترجم بين اللغات، يقترح عليك الفيلم القادم، يقود السيارة في شوارع معلومة. أما الذكاء الاصطناعي العام، ذلك الحلم الذي يطارده الحقل منذ نشأته في مؤتمر دارتموث صيف عام ألف وتسعمئة وستة وخمسين، فهو القدرة على أداء أي مهمةٍ فكريةٍ يستطيع الإنسان أداءها، بل وعلى نقل الخبرة من ميدانٍ إلى ميدانٍ كما يفعل عقل الطفل حين يتعلم. وبين هذين القطبين تمتد مساحةٌ رماديةٌ شاسعةٌ نعيش اليوم في خضمها، حيث تتقاطع البشارات بالنذر، والوعود بالمبالغات، وتختلط فيها أصوات العلماء بضجيج التسويق حتى يصعب على المرء أن يميّز الحقيقة من الزبد، والإنجاز الحقيقي من الادعاء العريض.
والحق أن كل ما يحيط بنا من تطبيقاتٍ مبهرةٍ ينتمي إلى الصنف الضيق، حتى تلك النماذج اللغوية الكبيرة التي أذهلت العالم وأوهمت كثيرين بأن الذكاء العام قد أطلّ برأسه. فهذه النماذج، على اتساع معرفتها الظاهرية، تظل في جوهرها آلاتٍ إحصائيةً بارعةً في التنبؤ بالكلمة التالية، لا كياناتٍ تفهم العالم فهمًا أصيلًا. ولعل أصدق توصيفٍ لها ما أطلقه عليها باحثون في جامعة ستانفورد ضمن تقريرٍ سنويٍّ عن مؤشر الذكاء الاصطناعي، حين وصفوا قدراتها بأنها واسعةٌ في الظاهر ضحلةٌ في الجوهر، تبهر في الامتحانات وتتعثر في مواقف الحياة التي لم تَرِد في بيانات تدريبها. وتشير دراساتٌ حديثةٌ في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا إلى أن هذه النماذج تفشل فشلًا ذريعًا حين تُطرح عليها مسائل تتطلب استدلالًا سببيًّا حقيقيًّا، لا مجرد استرجاعٍ لأنماطٍ سبق أن رأتها، فهي تجيد محاكاة الفهم دون أن تبلغه، وتنسج جملًا متماسكةً قد تخلو من أي إدراكٍ لمعناها.
هنا يرى الكاتب أن المشكلة الأعمق ليست تقنيةً بحتةً، بل معرفيةٌ فلسفية. فنحن نقيس تقدّمنا نحو الذكاء العام بمقاييس مستعارةٍ من الذكاء الضيق، وهذا خطأٌ منهجيٌّ فادح. حين نحتفي بنموذجٍ تجاوز الطلاب في اختبار المحاماة، فإننا نعترف ضمنًا بأن جوهر الذكاء هو اجتياز الامتحانات، وهو اعترافٌ يكشف ضحالة تصورنا للذكاء أكثر مما يكشف عمق الآلة. إن الطفل الذي يتعلم تجنّب النار بعد لمسةٍ واحدةٍ يمتلك من الذكاء العام ما لا تمتلكه أضخم النماذج التي ابتلعت كل ما كتبته البشرية، لأنه ينقل الدرس من سياقٍ إلى سياق، ويبني نموذجًا للعالم لا قائمةً بالاحتمالات. وقد نبّه إلى هذا المعنى باحثون في جامعة هارفارد حين ميّزوا بين الأداء والفهم، محذّرين من أن انبهارنا بالأول قد يُعمينا عن غياب الثاني، وأن الآلة التي تُصيب الجواب لأسبابٍ خاطئةٍ ليست أقل خطرًا من تلك التي تُخطئ صراحة، لأن خطأها يختبئ خلف قناع الصواب.
ولعل أخطر ما في الخطاب السائد اليوم تلك النبوءات التي تقفز فوق المراحل قفزًا، فتعلن أن الذكاء العام على الأبواب، أو أن الذكاء الفائق سيطلّ علينا قبل نهاية العقد. والكاتب يرى في هذه النبوءات مزيجًا من الحماسة التسويقية والقلق الوجودي، أكثر منها تقديرًا علميًّا رصينًا. فالطريق من النماذج الحالية إلى الذكاء العام ليس امتدادًا مستقيمًا نقطعه بمضاعفة حجم البيانات والحوسبة، بل قد يتطلب قفزاتٍ مفاهيميةً لم نكتشف بعدُ طبيعتها. وقد عبّر عن هذا التحفظ باحثون في جامعة أوكسفورد ضمن دراساتٍ عن مخاطر الذكاء الاصطناعي، حين أشاروا إلى أن الزيادة الكمّية في القدرات لا تُترجم بالضرورة إلى تحوّلٍ نوعيٍّ في طبيعة الفهم، وأن بيننا وبين الذكاء العام عقباتٍ لا نملك حتى مفرداتٍ دقيقةً لوصفها. والتاريخ شاهدٌ على أن الحقل قد بشّر بالذكاء العام مراتٍ عديدةً منذ ستينيات القرن الماضي، ثم تلت كل بشارةٍ خيبةٌ عُرفت بشتاء الذكاء الاصطناعي، حين جفّ التمويل وتبخّرت الوعود، وعاد الباحثون إلى مختبراتهم يلملمون ما تبقى من طموح.
ومما يزيد المشهد التباسًا تلك الظاهرة التي يسميها الباحثون نقل الأهداف، إذ كلما اقتربت الآلة من معيارٍ كنا نعدّه برهانًا على الذكاء، سارعنا إلى رفع السقف وابتكار معيارٍ جديد، فما إن تجتاز اللعبة حتى نطالبها بالحديث، وما إن تتقن الحديث حتى نطالبها بالفهم. وهذا التذبذب في تعريف الذكاء ليس عيبًا في الآلة بل مرآةٌ لحيرتنا نحن في تعريف ما نطلبه منها. ولو تأملنا أنجح تطبيقات الذكاء الضيق، من أنظمة تشخيص الأمراض إلى خوارزميات التنبؤ بأحوال الطقس، لوجدناها جميعًا تشترك في خاصيةٍ واحدة: حدودٌ واضحةٌ ومهمةٌ معرّفةٌ بدقة. وما إن نخرج بها عن هذه الحدود حتى تنهار براعتها انهيارًا مفاجئًا، كأنها كانت تسير على حبلٍ مشدودٍ فوق هاوية. وهنا يكمن الفارق الجوهري بين الإتقان والفهم، بين أن تُحسن أداء ما دُرّبت عليه وأن تواجه ما لم تره من قبل بمرونة العقل الحي. ولعل في هذا التمييز مفتاحًا لقراءة موقعنا على الخريطة قراءةً صادقةً لا تخدعنا بالأرقام.
غير أن هذا التحفظ لا يعني التهوين من الأثر الاقتصادي والاجتماعي للذكاء الضيق، فهو وحده كفيلٌ بإعادة تشكيل أسواق العمل والاقتصادات. وتشير تقديراتٌ صادرةٌ عن المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن ملايين الوظائف ستتبدّل طبيعتها خلال السنوات القليلة المقبلة، لا بالاختفاء الكامل بل بإعادة التوزيع بين ما تؤديه الآلة وما يبقى حكرًا على الإنسان. وفي السياق ذاته، نبّهت تحليلاتٌ لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن الفجوة لن تكون بين من يملك التقنية ومن لا يملكها فحسب، بل بين من يتقن توظيفها ومن يكتفي باستهلاكها. وهنا تحديدًا يكمن الرهان العربي: ألّا نكون أمةً تستورد الذكاء الضيق جاهزًا فتظل أسيرةً لمن صنعه، بل أمةً تسهم في تطويره وتطويعه لخصوصياتها اللغوية والثقافية. فالذكاء الذي يُدرَّب على لغةٍ غير لغتنا وثقافةٍ غير ثقافتنا سيظل غريبًا عنا حتى وإن نطق بحروفنا، يحمل قيم صانعيه وانحيازاتهم في طياته دون أن نشعر.
ويرى الكاتب أن موقعنا الحالي على الخريطة يشبه موقع البشرية في فجر الكهرباء؛ امتلكنا الطاقة لكننا لم نتقن بعدُ كل ما يمكن أن نضيئه بها. فالذكاء الضيق طاقةٌ خامٌ هائلة، وما زلنا في طور اكتشاف تطبيقاتها لا في طور استنفادها. والخطأ الاستراتيجي الذي تقع فيه أممٌ كثيرة أنها تنتظر بزوغ الذكاء العام لتبدأ، بينما الثروة الحقيقية اليوم كامنةٌ في الإتقان العميق للذكاء المتخصص: في تطبيقه على الطب والزراعة والطاقة والتعليم، لا في انتظار معجزةٍ قد تتأخر عقودًا. والمنطقة التي تبني قدراتها على ما هو متاحٌ الآن ستكون أقدر على ركوب الموجة العامة حين تأتي، إن أتت. أمّا من يجمّد جهده ترقّبًا لقفزةٍ موعودةٍ فلن يجد نفسه حين تأتي إلا في مؤخرة الركب، يستجدي ما كان بإمكانه أن يصنعه بيديه. والعبرة ليست في انتظار الغد بل في إتقان اليوم، فالمستقبل لا يهبط على الكسالى ولا يُكافئ المتفرجين.
وتأسيسًا على ذلك، تبرز ركائز عمليةٌ ينبغي للمنطقة العربية أن تتمسك بها. أولاها بناء البيانات العربية عالية الجودة، فالذكاء مهما اتسع يبقى أسيرَ ما يتغذى عليه، وفقر المحتوى العربي الرقمي يعني فقر الذكاء الناطق بالعربية. وثانيتها الاستثمار في الكفاءات البشرية القادرة على فهم الآلة لا مجرد تشغيلها، إذ إن الفجوة الحقيقية معرفيةٌ قبل أن تكون تقنية. وثالثتها توطين التطبيقات في القطاعات الحيوية بدل استيرادها جاهزة، بحيث تُصمَّم الحلول لمشكلاتنا نحن لا لمشكلات صنّاعها. ورابعتها بناء حوكمةٍ رشيدةٍ تضبط استخدام الأداة قبل أن تستفحل آثارها، فالتقنية التي تنطلق بلا ضوابط قد تتحول من نعمةٍ إلى نقمة. وخامستها زرع ثقافةٍ مجتمعيةٍ تفهم حدود الأداة فلا تبالغ في تقديسها ولا تسرف في خوفها. ولعل رؤية المملكة العربية السعودية لعام ألفين وثلاثين تقدّم نموذجًا يُحتذى في هذا الباب، حين جعلت من التحول الرقمي وبناء الاقتصاد المعرفي ركيزةً لا ترفًا، فاستثمرت في البنية والبيانات والكفاءات معًا، مدركةً أن السبق لا يُشترى بالمال وحده بل يُبنى بالإتقان المتراكم والرؤية بعيدة المدى التي لا تنخدع ببريق العناوين.
وفي الختام، لعل أصدق ما يمكن قوله عن موقعنا اليوم أننا نقف عند عتبةٍ لا قمة. فالذكاء الضيق بلغ من النضج ما يكفي لتغيير وجه الاقتصاد، والذكاء العام ما زال سؤالًا مفتوحًا قد لا تكون إجابته في متناول جيلنا. والحكمة لا تكمن في الاصطفاف بين معسكر المتحمسين الذين يبشّرون بالخلاص الوشيك، ومعسكر المتشككين الذين ينكرون كل تقدّم، بل في رؤيةٍ ثالثةٍ ترى الأداة على حقيقتها: قويةً في ضيقها، عاجزةً عن شمولها، ومفتوحةً على مستقبلٍ نصنعه نحن لا تصنعه هي. والسؤال الذي ينبغي أن يؤرقنا ليس متى يأتي الذكاء العام، بل ماذا أعددنا للحظة قدومه، وهل سنكون يومها من صنّاع الخريطة أم مجرد نقاطٍ مرسومةٍ عليها. فالأمم لا تُقاس بما تنتظره من الغيب، بل بما تصنعه في الحاضر، والمستقبل في نهاية المطاف لا يُتنبّأ به قدر ما يُبنى لبنةً لبنة، وعلى أرض الواقع لا في فضاء الأماني تُرسم الخرائط الحقيقية للأمم الطامحة.