شركة بوابات الخير للذكاء الاصطناعي

الطابق الأول، المبنى 7، المنطقة أ طريق المطار، البوابة الاقتصادية ص.ب 93597 الرياض 11683، المملكة العربية السعودية

0112611571

+966570709955

الخصوصية في عصر الذكاء الاصطناعي

تخيّل أنّ غريباً لا تعرفه قد يخمّن حالتك النفسية من نبرة صوتك في مكالمة عابرة، ويستنتج توجهك السياسي من ساعة دخولك إلى الإنترنت، ويعرف أنّكِ حامل قبل أن تخبري أقرب الناس إليكِ. لم يعد هذا مشهداً من رواية ديستوبية، بل هو الواقع الصامت الذي نعيشه كل يوم دون أن نلتفت إليه. السؤال الذي يطاردنا ليس متى سنفقد خصوصيتنا، بل: هل فقدناها بالفعل، ونحن نوقّع طوعاً على شروط استخدام لم نقرأها قط، ونمنح أنفسنا بأيدينا لمنظومة لا ترى فينا بشراً بل أنماطاً قابلة للتنبؤ؟

في تسعينيات القرن الماضي، كانت الخصوصية تعني جدراناً سميكة وستائر مسدلة وأقفالاً على الأدراج. كان السرّ شيئاً مادياً يمكن إخفاؤه. أمّا اليوم، فقد تحوّل السرّ إلى نمط، والنمط إلى بيانات، والبيانات إلى سلعة تُباع وتُشترى في أسواق لا نراها. لقد لاحظ الباحث شوشانا زوبوف، أستاذة الأعمال السابقة في جامعة هارفارد، في كتابها المرجعي عن «رأسمالية المراقبة»، أنّ الشركات الكبرى لم تعد تكتفي بجمع ما نقدّمه لها طوعاً، بل صارت تستخرج من سلوكنا فائضاً سلوكياً يتنبّأ بأفعالنا المقبلة ويسعى إلى تشكيلها. ما يميّز عصرنا ليس أنّنا مراقَبون، فالمراقبة قديمة قدم السلطة، بل أنّ المراقبة صارت تتنبّأ وتتدخّل وتعدّل، لا أن ترصد فحسب.

هنا يكمن التحوّل الجوهري الذي يجهله كثيرون. فالذكاء الاصطناعي لم يجعل المراقبة أوسع فقط، بل جعلها استنتاجية. لم يعد الخطر في البيانات التي تفصح عنها، بل في تلك التي يستنبطها النظام من سلوكك دون أن تنطق بها. تشير أبحاث في مختبر علوم الحاسوب والذكاء الاصطناعي بمعهد ماساتشوستس للتقنية إلى أنّ خوارزميات التعرّف على الأنماط باتت قادرة على استنتاج خصائص حسّاسة من بيانات تبدو محايدة تماماً، كأن يُستدلّ على الحالة الصحية من حركة المؤشّر على الشاشة أو من إيقاع الكتابة على لوحة المفاتيح. إنّ ما تُخفيه عمداً قد يفضحه ما لا تنتبه إليه أصلاً، وهذا هو الفرق الجوهري بين مراقبة الأمس التي كانت تجمع ما نقوله، ومراقبة اليوم التي تقرأ ما لا نعرف عن أنفسنا.

ويرى الكاتب أنّ المعضلة الحقيقية ليست في انتهاك الخصوصية، بل في تآكل مفهومها ذاته حتى صار بلا معنى عملي. فالقانون الكلاسيكي بُني على فكرة «الموافقة المستنيرة»، أي أن يوافق الفرد بعد علمٍ ووعي. لكن كيف يوافق المرء على شيء لا يفهم آلية عمله، ولا يعلم أنّ بياناته اليوم ستُدمج بعد عشر سنوات مع بيانات أخرى لتنتج صورة لم تكن ممكنة لحظة الموافقة؟ لقد بيّنت دراسة من جامعة ستانفورد أنّ متوسط الوقت اللازم لقراءة سياسات الخصوصية التي يوافق عليها المستخدم العادي سنوياً يتجاوز قدرة أي إنسان على المتابعة الفعلية، ممّا يجعل «الموافقة» طقساً شكلياً لا قيمة معرفية له. الموافقة هنا قناع جميل لعجزٍ بنيوي، ووهمُ اختيارٍ في منظومة لا تترك للفرد سوى أن يقبل أو يُقصى من الحياة الرقمية بأكملها.

شاطئ الجبيل والمفارقة الأعمق التي يغفل عنها الخطاب السائد أنّ التهديد لم يعد يأتي من «الأخ الأكبر» الحكومي وحده، كما تصوّر جورج أورويل، بل من شبكة معقّدة من الفاعلين التجاريين الذين يبيعون قدرتنا على التنبؤ بأنفسنا لمن يدفع أكثر. الحكومة قد تراقبك خوفاً، أمّا الشركة فتراقبك طمعاً، والطمع أصبر وأدقّ وأكثر مثابرة من الخوف. ويرى الكاتب أنّ هذا التشظّي في مصادر المراقبة هو ما يجعل المواجهة عسيرة، إذ لا يوجد عدوّ واحد يمكن مقارعته، بل منظومة متكاملة استُدمجت في نسيج حياتنا اليومية حتى صار اقتلاعها أشبه باقتلاع الهواء. ولعلّ ما يفاقم الأمر أنّ هذه الشبكة لا تعمل في الظلام دائماً، بل ترتدي ثوب الخدمة المجانية والراحة والتخصيص، فتقدّم لنا الإغراء ونحن نظنّه هديةً لا فخّاً.

شاطئ الجبيل غير أنّ الاستسلام لمقولة «لقد مات السرّ» خطأ تحليلي فادح. فالتاريخ يعلّمنا أنّ كل تقنية مراقبة قابلت في النهاية تقنيات مضادة وأطراً تنظيمية تعيد التوازن. لقد شكّلت اللائحة الأوروبية العامة لحماية البيانات نقطة تحوّل عالمية، إذ أرست مبدأ أنّ البيانات الشخصية ملك لصاحبها لا لمن يجمعها، وفرضت غرامات بلغت نسبة معتبرة من الإيرادات العالمية للشركات المخالفة. وتشير تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أنّ عشرات الدول تبنّت أطراً مشابهة خلال السنوات الأخيرة، ممّا يكسر فرضية أنّ التقنية تسبق التنظيم دائماً ولا يمكن اللحاق بها. الموت المعلَن للخصوصية قد يكون مبالغة من يريد لنا أن نيأس فنستسلم، إذ لا شيء يخدم منظومة المراقبة أكثر من قناعة الناس بأنّ المقاومة عبثٌ لا طائل منه.

ومع ذلك، يرى الكاتب أنّ الرهان على التنظيم وحده سذاجة موازية للاستسلام. فالقانون بطبعه يلهث خلف التقنية، وحين يصدر تشريع لمعالجة تهديد معيّن، تكون التقنية قد ابتكرت عشرة تهديدات جديدة. كما أنّ كثيراً من الأطر التنظيمية تُكتب بلغة فضفاضة تسمح للشركات بإعادة تأويلها لمصلحتها. لقد نبّه باحثون في معهد أكسفورد للإنترنت إلى أنّ مفهوم «إخفاء الهوية» الذي تتذرّع به كثير من الشركات صار وهماً تقنياً، إذ يمكن إعادة تحديد هوية الأفراد من بيانات «مجهّلة» بدمجها مع مصادر أخرى متاحة. التجهيل وعدٌ تقني لم يَعُد العلم قادراً على الوفاء به، وما يُقال لنا إنّه بياناتٌ بلا اسم قد يستعيد اسمه بضربة خوارزمية واحدة.

وفي خضمّ هذا، يبرز بعدٌ نفسي واجتماعي نادراً ما يُناقَش: ماذا يحدث للإنسان حين يعلم أنّه مراقَب دائماً؟ تشير دراسات في علم النفس الاجتماعي إلى أنّ مجرد الشعور بالمراقبة يغيّر السلوك، ويدفع الأفراد إلى الرقابة الذاتية، ويقلّص هامش التجربة والخطأ الذي تنمو في كنفه الحرية والإبداع. حين يصبح كل بحث على الإنترنت وكل رسالة وكل تنقّل سجلاً دائماً قد يُستدعى يوماً ما، يتعلّم الإنسان أن يكون نسخة مهذّبة معقّمة من نفسه. وهنا يرى الكاتب أنّ الخطر الأعمق على الخصوصية ليس فضح الأسرار، بل تجفيف منابع الذات الحرّة قبل أن تتشكّل أصلاً. المجتمع المراقَب بالكامل مجتمع يفكّر بصوت منخفض، ويختار طريق السلامة لا طريق الصدق، فيخسر تدريجياً قدرته على التجدّد والمساءلة والابتكار.

ويضيف الكاتب بُعداً آخر كثيراً ما يُهمَل، وهو البعد الاقتصادي للخصوصية. فحين تتركّز القدرة على التنبؤ بسلوك مليارات البشر في أيدي حفنة من الشركات، تنشأ تفاوتات قوة هائلة لا تقتصر على المال، بل تمتدّ إلى القدرة على توجيه القرارات والأسواق وحتى الانتخابات. لقد لفت تقرير صادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أنّ البيانات صارت من أهمّ الأصول الاستراتيجية في الاقتصاد الرقمي، وأنّ من يملك البيانات يملك القدرة على تشكيل المستقبل. ومن هنا فإنّ معركة الخصوصية ليست شأناً فردياً يخصّ راحة بال المرء، بل شأن جيوسياسي واقتصادي يحدّد موازين القوى بين الدول والأفراد على حدّ سواء.

ولأنّ الخطر بهذا العمق، فإنّ المواجهة لا يمكن أن تكون بُعداً واحداً، بل تحتاج إلى ركائز متضافرة. الركيزة الأولى تشريعية، تقوم على سنّ أطر وطنية مرنة تتبنّى مبدأ «الخصوصية بالتصميم»، أي أن تُبنى المنتجات التقنية وهي تحترم الخصوصية افتراضياً لا أن تُضاف إليها لاحقاً. والركيزة الثانية تقنية، تتمثل في الاستثمار في تقنيات حماية الخصوصية كالتشفير المتقدم والحوسبة الموزّعة التي تتيح تحليل البيانات دون كشفها. والركيزة الثالثة معرفية، وهي رفع وعي الأفراد بقيمة بياناتهم بوصفها أصلاً لا فضلة، وتعليم الناشئة منذ الصغر أنّ الخصوصية حقّ يُدافع عنه لا رفاهية يُتنازل عنها. والركيزة الرابعة مؤسسية، تتطلّب وجود جهات رقابية مستقلة ذات صلاحيات حقيقية لا واجهات شكلية تُجمّل وجه المنظومة دون أن تردعها.

وفي السياق العربي، تكتسب هذه المسألة إلحاحاً خاصاً، إذ تتسارع رقمنة الخدمات في كثير من بلداننا دون أن يواكبها وعي مماثل بحقوق البيانات. ولعلّ التجربة السعودية في إطار رؤية المملكة 2030 تقدّم نموذجاً جديراً بالتأمّل، فالمملكة التي تراهن على التحول الرقمي والمدن الذكية وريادة الذكاء الاصطناعي أصدرت نظاماً لحماية البيانات الشخصية يسعى إلى الموازنة بين الابتكار وصون حقوق الأفراد. ويرى الكاتب أنّ نجاح أي رؤية تنموية رقمية رهنٌ بقدرتها على إقناع مواطنيها بأنّ تقديم بياناتهم للدولة والشركات لن يتحوّل إلى أداة تتحكّم في مصائرهم، فالثقة هي العملة الخفية التي تقوم عليها الاقتصادات الرقمية، وهي أصعب ما يُبنى وأسرع ما يُهدم. والمجتمعات العربية، بما تملكه من رصيد قيمي يُعلي شأن الستر وحرمة البيوت، قد تجد في تراثها الثقافي حليفاً طبيعياً لبناء فلسفة خصوصية أصيلة لا مستوردة.

ولا بدّ من التنبيه إلى مغالطة شائعة كثيراً ما تُساق لتبرير الاستسلام، وهي قول من يقول: من لا يفعل شيئاً يخفيه فلا يخشى المراقبة. هذا منطق مغلوط من جذوره، إذ يفترض أنّ الخصوصية حاجة المذنبين وحدهم، بينما هي في حقيقتها شرط الكرامة الإنسانية ذاتها. فالإنسان السويّ يغلق باب غرفته لا لأنّه يرتكب إثماً، بل لأنّ له حرمة وحدوداً تصون إنسانيته. والخصوصية ليست حقّ من له ما يخفيه، بل حقّ من له ما يحبّ أن يبقيه له وحده، وهذا يشمل كل إنسان بلا استثناء. ويرى الكاتب أنّ خطورة هذه المغالطة أنّها تنقل عبء الإثبات إلى الضحية، فتجعل المرء مطالباً بتبرير رغبته في الخصوصية بدل أن تُطالب المنظومة بتبرير رغبتها في الاطّلاع، وهذا قلبٌ للأوضاع يخدم من يراقب لا من يُراقَب.

إنّ المعركة على الخصوصية ليست معركة على معلومة، بل معركة على معنى الإنسان الحرّ في عالم يقيس كل شيء ويتنبأ بكل شيء. ولعلّ أعمق ما يمكن قوله إنّ السرّ لم يمت، لكنّه دخل عناية مركّزة، ومصيره معلّق على ما نفعله الآن: هل نقبل أن نكون كائنات شفافة تُقرأ كالكتب المفتوحة، أم نعيد التفاوض على شروط وجودنا الرقمي قبل أن يُكتب نيابة عنّا؟ المستقبل الذي تُحفظ فيه الخصوصية ليس مستقبلاً نعود فيه إلى الجدران السميكة والأقفال، بل مستقبل نتعلّم فيه أن نبني تقنيات تخدم الإنسان دون أن تبتلعه، ومجتمعات تعرف أنّ ما لا يُقاس قد يكون أثمن ممّا يُقاس. فالسؤال في النهاية ليس عمّا تعرفه الآلة عنّا، بل عمّن نريد أن نكون حين تعرفه. وتلك مسؤولية لا يكتبها الكود، بل يكتبها وعينا الجمعي وإرادتنا الحرّة، إن بقي لدينا منها ما يكفي لنخطّ بأيدينا فصلاً لم تكتبه الخوارزمية بعد.