شركة بوابات الخير للذكاء الاصطناعي

الطابق الأول، المبنى 7، المنطقة أ طريق المطار، البوابة الاقتصادية ص.ب 93597 الرياض 11683، المملكة العربية السعودية

0112611571

+966570709955

الحوسبة الكمية والذكاء الاصطناعي

ماذا لو كان أذكى ما صنعه الإنسان عاجزاً عن الإجابة عن سؤالٍ يطرحه طفلٌ على لوحٍ من ورق: كم احتمالاً يحمله جزيءٌ واحدٌ قبل أن يستقرّ على شكله؟ هذا السؤال الذي يبدو بريئاً يفضح مأزقاً عميقاً في قلب أعظم منجزاتنا الحاسوبية؛ فالنماذج اللغوية التي تكتب الشِّعر وتشخّص الأمراض ما تزال تعجز عجزاً مطلقاً عن محاكاة سلوك جزيءٍ متوسط الحجم محاكاةً دقيقة، لأنّ عدد الاحتمالات التي ينبغي حسابها يفوق عدد الذرّات في الكون المنظور. وهنا، عند هذه الهاوية بالذات، يلوح أفقٌ آخر للحوسبة قد يقلب موازين كلّ ما عرفناه، لا بأن يحسب أسرع، بل بأن يحسب على نحوٍ مختلفٍ كلّياً.

وهنا يبدأ التحليل العميق الذي يخالف السردية السائدة. تروّج الخطابات الرائجة لفكرةٍ مفادها أنّ الحوسبة الكمّية ستحلّ محلّ الحوسبة التقليدية كما حلّ الهاتف الذكيّ محلّ الهاتف الثابت، وأنّ الذكاء الاصطناعيّ سيقفز قفزةً أسطورية بمجرّد أن يركب موجتها. ويرى الكاتب أنّ هذا التصوّر مضلّلٌ من جذوره، لأنّ الحاسوب الكمّيّ ليس حاسوباً تقليدياً أسرع، بل آلةٌ من نوعٍ مختلف كلّياً، بارعةٌ في صنفٍ ضيّقٍ من المسائل وعاجزةٌ بلاهةً عمّا سواه. فهو لن يفتح بريدك الإلكتروني أسرع، ولن يشغّل لعبتك بدقّةٍ أعلى، بل سيتفوّق فقط حيث تتشعّب الاحتمالات تشعّباً أُسّياً: في محاكاة الجزيئات، وفي مسائل التحسين المعقّدة، وفي أنماطٍ بعينها من تحليل البيانات. والاندماج الحقيقيّ بينه وبين الذكاء الاصطناعيّ لن يكون استبدالاً، بل تكاملاً يشبه العلاقة بين الجرّاح ومبضعه؛ كلٌّ منهما عاجزٌ وحده، وقادرٌ مع رفيقه على ما لا يُتصوّر. ومن يظنّ أنّ آلةً واحدةً ستبتلع كلّ شيء يخطئ فهم طبيعة الأدوات؛ فالحضارة لا تبنيها أداةٌ واحدة عظيمة، بل أدواتٌ كثيرةٌ يعرف كلٌّ منها حدوده.

ويرى الكاتب أنّ الموضع الأخصب لهذا الاندماج ليس حيث تتّجه الأنظار، أي تسريع تدريب النماذج اللغوية الضخمة، بل في اتجاهٍ معاكسٍ يكاد يُهمَل: استخدام الذكاء الاصطناعيّ التقليديّ لإنقاذ الحوسبة الكمّية من هشاشتها قبل أن تنقذنا هي. فالكيوبتات كائناتٌ شديدة الحساسية، تنهار حالتها الكمّية لأدنى اضطرابٍ حراريٍّ أو كهرومغناطيسيّ فيما يُعرف بفقدان الترابط، حتى إنّ تشغيلها يتطلّب تبريداً يقارب الصفر المطلق، أي أبرد من أعماق الفضاء الخارجيّ. وقد بيّنت أبحاثٌ في معهد ماساتشوستس للتقنية أنّ خوارزميات التعلّم الآليّ قادرةٌ على معايرة هذه الأنظمة وتصحيح أخطائها بكفاءةٍ تفوق الطرق التقليدية. فالمفارقة الكبرى أنّ الذكاء الاصطناعيّ الكلاسيكيّ قد يكون هو القابلة التي تُولّد الحوسبة الكمّية من رحم عدم استقرارها، لا العكس الذي يتصدّر العناوين. وكأنّ التقنيتين متعانقتان في حلقةٍ من العون المتبادل: الذكاء يثبّت أقدام الكمّ، والكمّ يفتح أمام الذكاء أبواباً موصدة.

وإذا انتقلنا من المختبر إلى الاقتصاد، تتّضح أبعادٌ أخطر. تشير تقديراتٌ صادرة عن المنتدى الاقتصاديّ العالميّ إلى أنّ الحوسبة الكمّية قد تُطلق قيمةً اقتصاديةً تُقاس بمئات المليارات من الدولارات خلال العقدين القادمين، لكنّ الكاتب يرى أنّ الرقم الأهمّ ليس حجم الفرصة بل توزيعها. فالدول والشركات التي تمتلك اليوم البنية التحتية الكمّية ستحتكر القدرة على كسر أعقد المسائل، من اكتشاف الأدوية إلى تصميم المواد، وستفرض على الباقين تبعيةً معرفيةً من نوعٍ جديد. وقد حذّرت دراساتٌ من جامعة أوكسفورد وجهاتٌ بحثية أخرى من بُعدٍ أمنيٍّ مقلق: أنّ الحاسوب الكمّيّ الناضج سيكون قادراً على كسر معظم أنظمة التشفير التي تحمي اليوم معاملاتنا المصرفية وأسرارنا الوطنية، وهو ما دفع منظمات معايير كبرى إلى السباق نحو تطوير تشفيرٍ مقاومٍ للكمّ قبل فوات الأوان. والأخطر من ذلك ما يُسمّى «احصد الآن وافكك لاحقاً»، إذ تجمع جهاتٌ بياناتٍ مشفّرة اليوم لتفكّها غداً حين تنضج الآلة، فكأنّ أسرارنا الحاضرة رهائنٌ لمستقبلٍ لم يصل بعد. فمن يحسب أنّ بياناته اليوم في مأمنٍ قد يكتشف بعد سنواتٍ أنّ صمته كان مكشوفاً منذ البداية. وهنا تتبدّى مفارقةٌ تستحقّ التأمّل: أنّ التهديد لا ينتظر وصول الآلة، بل يبدأ من اللحظة التي يُجمَع فيها ما سيُفكّ لاحقاً، فالخطر الكمّيّ يطرق الباب اليوم وإن لم تكتمل أدواته بعد، وهو ما يجعل التأخّر في الاستعداد له خطأً لا يُغتفر.

شاطئ الجبيل ولا يكتمل التحليل دون رؤيةٍ مخالفةٍ لِما يُروَّج عن الجدول الزمنيّ. فبينما تتسابق الشركات على إعلان «اللحظة الكمّية» الوشيكة، يرى الكاتب أنّنا نعيش فقاعةً من التوقّعات المتضخّمة تشبه ما عاشه الذكاء الاصطناعيّ في موجاته السابقة قبل أن تأتيه «شتاءاته». فالطريق إلى حاسوبٍ كمّيٍّ مُصحَّح الأخطاء وقابلٍ للتوسّع ما يزال محفوفاً بعقباتٍ هندسيةٍ هائلة، وقد يستغرق عقداً أو عقدين أو أكثر. والحكمة لا تكون في انتظار المعجزة ولا في الاستخفاف بها، بل في الاستعداد لها استعداداً تدريجياً. وهنا يبرز نموذجٌ وسطيٌّ مهمّ يُغفله المتحمّسون: الخوارزميات الهجينة التي تشغّل الجزء الكمّيّ من المسألة على الآلة الكمّية وتترك الباقي للحاسوب التقليديّ، فتقطف ثمار التقنية الناشئة دون انتظار نضجها الكامل. هذا التواضع المنهجيّ، لا الوعود البرّاقة، هو ما سيميّز الرابحين من الحالمين. فالذين راهنوا تاريخياً على البُنى الصبورة لا على الضجيج العابر هم وحدهم من بقوا حين انقشع الغبار.

شاطئ الجبيل وحين ننقل البصر إلى سياقنا العربيّ، تتّضح ركائز عملية لا غنى عنها. فالاندماج بين الذكاء الاصطناعيّ والحوسبة الكمّية ليس ترفاً بحثياً نتأمّله من بعيد، بل معركة سيادةٍ تقنيةٍ يُحسم فيها موقع الأمم في الخريطة القادمة للقوّة. وقد جعلت رؤية السعودية 2030 من الاقتصاد القائم على المعرفة والتقنيات المتقدّمة ركيزةً للتحوّل، وهو إدراكٌ عميقٌ بأنّ من لا يستثمر في الجيل القادم من الحوسبة سيجد نفسه مستأجراً لقدرات غيره لا مالكاً لقدراته. والركيزة الأولى أن نبني الكفاءات البشرية في الفيزياء الكمّية وعلوم الحاسب قبل أن نشتري الأجهزة، لأنّ الآلة بلا عقلٍ يفهمها كنزٌ بلا مفتاح. والركيزة الثانية أن نراهن على الخوارزميات الهجينة التي تناسب مرحلتنا، لا على مطاردة التفوّق الكمّيّ الذي تتنازعه عمالقة الصناعة بميزانياتٍ تفوق ميزانيات دولٍ بأكملها. والركيزة الثالثة، وهي الأخطر، أن نسارع من الآن إلى تبنّي التشفير المقاوم للكمّ في بنانا الحيوية، لأنّ بياناتنا التي نُرسلها اليوم قد تُفكَّك بعد سنوات. والركيزة الرابعة أن نوجّه هذا الاندماج نحو مسائلنا نحن: محاكاة موادّ تحلية المياه، وتحسين شبكات الطاقة، واكتشاف أدويةٍ تناسب أمراضنا المحلّية، لا أن نستورد حلولاً صُمّمت لأسئلةٍ ليست أسئلتنا.

والقراءة المتأنّية تكشف أنّ أعمق ما في هذا التحوّل ليس تقنياً بل فلسفياً. فالحوسبة الكمّية تذكّرنا بأنّ الواقع نفسه، في أصغر مستوياته، لا يعمل بمنطق الصفر والواحد الذي ألِفناه، بل بمنطق الاحتمالات المتراكبة. وحين نزوّج هذا المنطق بالذكاء الاصطناعيّ الذي يتعلّم من الأنماط لا من القواعد الصارمة، فإنّنا لا نبني آلةً أقوى فحسب، بل نقترب من نمذجة العالم كما هو في عمقه لا كما نبسّطه لأجهزتنا. وهنا يكمن وعدٌ مهيب: أنّ مسائل ظلّت مستعصيةً قروناً، من فهم طيّ البروتينات إلى تصميم محفّزاتٍ توقف التغيّر المناخيّ، قد تجد طريقها إلى الحلّ لا بقوّةٍ حسابيةٍ أكبر، بل بطريقةٍ مختلفةٍ كلّياً في طرح السؤال. وقد أشارت أبحاثٌ من جامعة ستانفورد وغيرها إلى أنّ أعظم المكاسب لن تأتي من سرعةٍ خام، بل من قدرتنا على صياغة المسائل بلغةٍ تفهمها الآلة الجديدة، وهي مهارةٌ ما نزال في طور تعلّمها. ولعلّ الدرس الأعمق أنّ أعظم الثورات العلمية لم تأتِ من امتلاك أدواتٍ أقوى فحسب، بل من تبدّل الطريقة التي نرى بها المشكلات؛ فحين أدرك العلماء أنّ الضوء موجةٌ وجسيمٌ معاً تغيّرت الفيزياء كلّها، وها نحن اليوم على عتبة تبدّلٍ مشابه في علم الحساب نفسه، حيث يصير اللايقين قوّةً تُستثمر لا عيباً يُتحاشى.

غير أنّ الاستشراف الصادق يقتضي ألّا نختم بنشوةٍ ساذجة. فالتاريخ علّمنا أنّ كلّ تقنيةٍ تَعِد بتغيير كلّ شيء تُغيّر في الغالب أقلّ ممّا وُعد به وأكثر ممّا خُشي منه، وتأتي بآثارٍ لم يتوقّعها أحد. والاندماج بين الخوارزميات الذكية والقدرات الكمّية قد يكون فجر عصرٍ جديدٍ في معالجة البيانات الهائلة، وقد يكون فقاعةً أخرى تنفجر فتؤجّل الحلم عقوداً. والأرجح، كعادة التاريخ، أنّه سيكون بين هذا وذاك: ثورةً بطيئةً صامتة، لا انفجاراً مدوّياً. لكنّ السؤال الذي ينبغي أن يقلقنا ليس متى تصل هذه الآلة، بل من سيملكها وإلى أين سيوجّهها. فالقدرة على معالجة احتمالاتٍ تفوق ذرّات الكون سلاحٌ ذو حدّين: قد تشفي الأمراض وقد تكسر الحصون، قد تُحرّر المعرفة وقد تحتكرها قلّة. والتحدّي القادم ليس في بناء حاسوبٍ يفكّر بمنطق الكون، بل في بناء إنسانٍ يملك من الحكمة ما يوازي هذه القدرة الجديدة. فهل نستعدّ لعالمٍ تصبح فيه المستحيلات حسابيّةً ممكنة، قبل أن يفاجئنا هذا العالم ونحن غافلون؟