شركة بوابات الخير للذكاء الاصطناعي

الطابق الأول، المبنى 7، المنطقة أ طريق المطار، البوابة الاقتصادية ص.ب 93597 الرياض 11683، المملكة العربية السعودية

0112611571

+966570709955

الحروب السيبرانية المعززة

حين تطلق دولةٌ سهماً، تعرف يدُ من رمته، فمن يحاسبُ سهماً يطلق نفسه بنفسه ولا يدري راميه إلى أين يصيب؟

تخيّل خوارزميةً تستيقظ في الثالثة فجراً لا لتنفّذ أمراً، بل لتقرّر بنفسها أيّ محطّة كهرباء تُطفئ أولاً. لا مشغّلٌ بشريٌّ يضغط الزّرّ، ولا قائدٌ يوقّع الأمر، بل منظومةٌ هجوميةٌ تتعلّم من دفاعات خصمها كما يتعلّم لاعب الشطرنج من حركات غريمه، ثم تختار اللحظة والثغرة والهدف وفق حسابٍ بارد لا يعرف التردّد ولا الرحمة ولا الخوف من العقاب.

لقد اعتدنا أن نتصوّر الحرب السيبرانية قرصاناً يجلس خلف شاشةٍ معتمة، لكنّ ما يلوح في أفق العقد القادم أعمق إقلاقاً: أن يغيب القرصان من المعادلة كلّها، فلا يبقى إلا الخوارزمية وحدها، تهاجم وتراوغ وتتكيّف بسرعةٍ تتجاوز قدرة أيّ فريقٍ بشريّ على اللحاق. فماذا يبقى من مفاهيم الردع والمسؤولية والقانون حين يصبح المهاجم برمجيةً بلا عنوانٍ ولا وجهٍ ولا وطن؟

لفهم جسامة هذا المنعطف، يحسن أن نتذكّر أنّ الفضاء السيبراني لم يكن يوماً ساحةً محايدة، بل امتداداً للصراع بوسائل أخرى. فمنذ أن ضربت دودة «ستكسنت» أجهزة الطرد المركزي الإيرانية أواخر العقد الأول من هذا القرن، أدرك العالم أنّ سطراً من الشيفرة قد يفعل ما يعجز عنه صاروخ، وأنّ الحدود الجغرافية صارت بلا معنى أمام هجومٍ ينطلق من قارةٍ ليصيب أخرى في أجزاء من الثانية. غير أنّ تلك الهجمات، على تطوّرها، ظلّت من صنع البشر: يخطّطون، ويكتبون الشيفرة، ويطلقونها، ويراقبون أثرها. أمّا التحوّل الذي يستشرفه الباحثون اليوم فمختلفٌ نوعياً لا كمّياً؛ إذ يدخل الذكاء الاصطناعي طرفاً فاعلاً لا أداةً صامتة. وتشير تقارير المنتدى الاقتصادي العالمي في تقييماته الدورية للمخاطر العالمية إلى أنّ التهديدات السيبرانية باتت تتصدّر قائمة المخاطر التي تقضّ مضاجع القادة، وأنّ اقتران هذه التهديدات بالذكاء الاصطناعي التوليدي يضاعف نطاقها وسرعتها بصورةٍ لم تشهدها المنظومات الأمنية من قبل.

والفارق الجوهري الذي يغفل عنه كثيرٌ من المتحمّسين يكمن في طبيعة الخصم نفسه. فالهجوم التقليدي محكومٌ بإيقاع الإنسان: يتعب، وينام، ويخطئ، ويترك خلفه بصمةً يمكن تتبّعها. أمّا الخوارزمية المستقلّة فلا تنام ولا تكلّ، وتجرّب آلاف المتجهات في الوقت الذي يحتاجه محلّلٌ بشريٌّ لقراءة سطرٍ واحد. ولعلّ أخطر ما في الأمر أنّ هذه المنظومات تتعلّم من فشلها؛ فكلّ محاولةٍ صدّها الدفاع تصبح درساً يصقل المحاولة التالية، حتى تتحوّل عملية الاختراق إلى سباقٍ تطوّريٍّ مصغّر يجري في أزمنةٍ تقاس بالميلي ثانية. وقد نبّهت أبحاثٌ صادرةٌ عن مختبرات في معهد ماساتشوستس للتقنية وجامعة هارفارد إلى أنّ نماذج التعلّم الآلي قادرةٌ على اكتشاف الثغرات الأمنية في الشيفرات البرمجية بكفاءةٍ تفوق المحلّلين التقليديين، وأنّ الأداة ذاتها التي تحمي يمكن أن تُسخّر للهجوم بقلب اتجاهها فحسب. وهنا تكمن المفارقة المؤرّقة: أنّ كلّ تقدّمٍ في الذكاء الاصطناعي الدفاعي هو في الوقت ذاته هديةٌ مجّانيةٌ للخصم الهجومي.

شاطئ الجبيل يرى الكاتب أنّ الخطر الأكبر في العقد القادم ليس في قوّة هذه الخوارزميات، بل في رخصها وانتشارها. فالسلاح السيبراني المعزّز بالذكاء الاصطناعي لا يحتاج إلى مفاعلٍ نوويٍّ ولا إلى منشأةٍ سرّيةٍ تُرصد من الفضاء، بل قد يولد في غرفةٍ صغيرة على حاسوبٍ متّصلٍ بالشبكة. ومن هنا فإنّ منطق الردع الذي بُني عليه الاستقرار الاستراتيجي طوال عقود يكاد ينهار؛ إذ كان الردع يقوم على معرفة هوية الخصم والقدرة على معاقبته، فإذا غاب العنوان وتعذّرت النسبة، سقط نصف المعادلة. وتؤكّد تحليلاتٌ صادرةٌ عن شركاتٍ متخصّصة في الاستخبارات السيبرانية، من بينها مانديانت وكراودسترايك، أنّ نسبة الهجمات إلى جهاتٍ بعينها صارت أكثر تعقيداً مع دخول أدوات الذكاء الاصطناعي التي تطمس الآثار وتزرع أدلّةً مضلّلة، حتى صار المهاجم قادراً على ارتداء قناع غيره ببراعةٍ تخدع أمهر المحقّقين. وحين يصبح من العسير أن نعرف من ضربنا، يصبح من العسير أن نردّ، ومن هنا يتحوّل الغموض ذاته إلى سلاح.

شاطئ الجبيل ولا يقف الأمر عند صعوبة النسبة، بل يتجاوزها إلى ما هو أدهى: خطر التصعيد غير المقصود. فحين تتولّى خوارزميتان متخاصمتان إدارة الهجوم والردّ، كلٌّ منهما تتعلّم من الأخرى وتسارع إيقاعها لتسبقها، فقد تنشأ حلقةٌ تصاعديةٌ تنفلت من قبضة الإنسان قبل أن يدرك ما يجري. ولنا في انهيارات الأسواق المالية الخاطفة، حين تصطدم خوارزميات التداول الآلي بعضها ببعض فتمحو مليارات الدولارات في دقائق معدودة، عبرةٌ مصغّرة لما قد يحدث في ميدان الحرب حين تتسارع الآلات بعضها ضدّ بعض بلا فرملةٍ بشرية. ويرى الكاتب أنّ أخطر سيناريوهات العقد القادم ليس هجوماً مدبّراً بإحكام، بل حرباً تشتعل من سوء تقديرٍ خوارزميّ، شرارةٍ تقنيةٍ تُؤوّلها منظومةٌ مستقلّة عدواناً فتردّ، فتردّ الأخرى، حتى تجد الدول نفسها في مواجهةٍ لم يقرّرها أحد ولم يردها أحد. فالحرب التي تبدأها الآلة قد لا تجد من يوقفها، لأنّ من يملك إيقافها لم يكن طرفاً في إشعالها.

وثمّة بُعدٌ آخر يتجاوز التقنية إلى صميم النفس الإنساني، وهو ما يصطلح عليه بحرب الإدراك. فالذكاء الاصطناعي التوليدي لم يعد قادراً على اختراق الأنظمة فحسب، بل على اختراق العقول؛ إذ ينتج مقاطع مصوّرة مزيّفة لقادةٍ يصرّحون بما لم يقولوه، ويصوغ حملاتٍ تضليليةٍ مفصّلةً على مقاس كلّ فئةٍ بلغتها ولهجتها وهواجسها. وقد رصدت تقارير صادرة عن وكالة الاتحاد الأوروبي للأمن السيبراني ومراكز أبحاث مايكروسوفت للأمن تصاعداً حادّاً في استخدام المحتوى المزيّف عميقاً لزعزعة الثقة في المؤسسات وتأجيج الانقسامات قبيل الاستحقاقات السياسية. ولعلّ أعمق ما في هذا التهديد أنّه لا يستهدف البنية التحتية المادية وحدها، بل البنية التحتية المعنوية للمجتمع: ثقة المواطن بحكومته، وثقته بما يرى ويسمع، بل ثقته بحواسّه ذاتها. ويرى الكاتب أنّ المعركة الحقيقية في العقد القادم لن تكون على من يملك أقوى الخوارزميات، بل على من يحفظ لمجتمعه القدرة على التمييز بين الحقيقة والزيف في عالمٍ صار فيه التزييف أرخص من الصدق وأسرع منه انتشاراً.

ولا يكتمل التحليل دون الإشارة إلى الوجه الأشدّ إثارةً للقلق، وهو ما يسمّيه المختصّون الهجمات ذاتية التطوّر. فحتى اللحظة، يظلّ الإنسان حاضراً في حلقة القرار ولو من بعيد، لكنّ الاتجاه التقني يدفع نحو منظوماتٍ تُمنح هدفاً عاماً ثمّ تُترك لتختار وسائلها بنفسها. وتنبّه أطرٌ صادرةٌ عن المعهد الوطني الأمريكي للمعايير والتقنية، في توجيهاته المتعلّقة بإدارة مخاطر الذكاء الاصطناعي، إلى ضرورة الإبقاء على رقابةٍ بشريةٍ فاعلةٍ في المنظومات الحسّاسة، محذّرةً من أنّ التفويض الكامل للخوارزمية في القرارات ذات العواقب الجسيمة يفتح باباً لا يُغلق. ويرى الكاتب أنّ الوهم الأخطر الذي يقع فيه صنّاع القرار هو الظنّ بأنّ السرعة فضيلةٌ مطلقة؛ فحين تُختزل دورة الهجوم والدفاع إلى أجزاء من الثانية، يُطرد الإنسان من المعادلة لا لأنّه عاجز، بل لأنّ إيقاعه البطيء صار عبئاً. وهكذا قد نسلّم مفاتيح الحرب لكياناتٍ لا تفهم معنى الحرب، ولا تزن العواقب، ولا تعرف أنّ خلف كلّ شبكةٍ تُطفأ بيوتاً تغرق في الظلام ومرضى تتوقّف أجهزتهم.

أمّا الركائز العملية لمواجهة هذا الأفق، فأولاها بناء قدراتٍ دفاعيةٍ معزّزةٍ بالذكاء الاصطناعي ذاته؛ إذ لا يُردّ السلاح المتطوّر إلا بسلاحٍ يضاهيه، فالدفاع البشريّ وحده صار كمن يصدّ سيلاً بكفّيه. وثانيها ترسيخ مبدأ الرقابة البشرية الفاعلة على القرارات الحرجة، بحيث تبقى اليد الإنسانية حاضرةً عند العتبات التي لا رجعة بعدها. وثالثها الاستثمار في «المرونة» لا في «المنعة» وحدها؛ فالحصن المنيع وهمٌ في هذا العصر، والأجدى أن نبني منظوماتٍ تنهار بأمانٍ وتتعافى بسرعةٍ بدل أن نعد بألّا تنهار أبداً. ورابعها التعاون الدولي لصياغة أعرافٍ تحكم استخدام الذكاء الاصطناعي في الصراع، على غرار ما دعت إليه منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في مبادئها بشأن الذكاء الاصطناعي الجدير بالثقة، وإن كان الطريق إلى مثل هذه الأعراف وعراً تتقاطع فيه المصالح وتتنازعه الشكوك. وخامسها، وهو الأعمق أثراً، الاستثمار في العنصر البشري المدرّب القادر على فهم الآلة وتوجيهها، فالخوارزمية أداةٌ في النهاية، وقيمتها رهنٌ بحكمة من يمسك زمامها.

وفي السياق العربي تتّخذ هذه المعادلة طابعاً خاصاً؛ إذ تتسارع وتيرة التحوّل الرقمي في غير دولةٍ عربية، وتغدو البنى التحتية الحيوية، من شبكات الطاقة إلى الأنظمة المالية، أكثر اتصالاً وبالتالي أكثر انكشافاً. وقد جعلت رؤية السعودية 2030 من الأمن السيبراني ركيزةً صريحةً في بناء اقتصادها الرقمي، إدراكاً بأنّ السيادة الرقمية صنوُ السيادة الوطنية في هذا العصر، وأنّ من لا يملك حماية فضائه السيبراني لا يملك حماية كهربائه ومائه ومصارفه. ويرى الكاتب أنّ المنطقة العربية تملك فرصةً نادرةً لتتجاوز مرحلة الاستهلاك إلى مرحلة الصناعة، شريطة أن تستثمر في الكفاءات الوطنية وفي المراكز البحثية التي تبني المعرفة لا تستوردها، وأن تدرك أنّ تأمين اللغة العربية ذاتها في فضاء الذكاء الاصطناعي جزءٌ لا يتجزّأ من الأمن الوطني، فمن لا يحمي بياناته ولغته يسلّم مفاتيح عقله لغيره.

والقراءة المتأنّية لهذا المشهد كلّه تكشف مفارقةً عميقة: أنّنا نبني خصماً قد لا نقدر على فهمه، ونمنحه من القدرة ما قد يتجاوز قدرتنا على ضبطه. فالحرب السيبرانية المعزّزة بالذكاء الاصطناعي ليست مجرّد فصلٍ جديدٍ في تاريخ الصراع، بل قد تكون اللحظة التي يتنازل فيها الإنسان عن جزءٍ من إرادته للآلة في أخطر ميادينه على الإطلاق. ولعلّ الدرس الأكبر أنّ التقنية التي تَعِد بأمانٍ مطلق هي ذاتها التي قد تجرّنا إلى خطرٍ مطلق، وأنّ الحكمة لا تكمن في امتلاك أقوى الخوارزميات، بل في معرفة متى نطلق العنان لها ومتى نشدّ اللجام. فالعقد القادم لن يُختبر فيه ذكاء آلاتنا بقدر ما تُختبر حكمتنا نحن في توجيهها، والسؤال الذي يجب أن يؤرّقنا ليس هل تستطيع الخوارزمية أن تشنّ الحرب وحدها، بل هل نملك نحن من الحكمة ما يمنعنا من أن نأتمنها على قرارٍ كهذا؟ فإنّ أخطر سلاحٍ في التاريخ ليس ذاك الذي يفكّر بدلاً منّا، بل ذاك الذي نتوقّف نحن عن التفكير حين نسلّمه القرار.