شركة بوابات الخير للذكاء الاصطناعي

الطابق الأول، المبنى 7، المنطقة أ طريق المطار، البوابة الاقتصادية ص.ب 93597 الرياض 11683، المملكة العربية السعودية

0112611571

+966570709955

التزييف العميق وأزمة الحقيقة

تخيّل أن تتلقى مكالمة هاتفية بصوت ابنتك وهي تبكي وتستغيث، فتدفع فديةً لمن خطفها، ثم تكتشف بعد ساعات أنها كانت في غرفتها طوال الوقت، وأن الصوت الذي مزّق قلبك لم يكن صوتها بل نسخةً اصطنعتها آلة من ثلاث ثوانٍ مسروقة من مقطع نشرته يوماً على منصة تواصل. هذه ليست حبكة فيلم خيال علمي، بل واقعةٌ متكررة باتت تُسجَّل في بلاغات الشرطة حول العالم. والمفارقة التي تستحق التأمل أن البشرية أمضت قروناً تبني ثقتها بحواسها، تصدّق ما تراه عينها وتسمعه أذنها، حتى جاءت آلةٌ تُحسن أن تزيّف العين والأذن معاً، فانهار أقدم عقدٍ معرفي عرفه الإنسان: العقد القائل إن ما أراه بأمّ عيني صحيح.

لنبدأ من تحرير المصطلح من ضبابيته. التزييف العميق، أو ما يُعرف بالديب فيك، ليس مجرد تلاعبٍ بالصور كالذي عرفناه منذ عقود في برامج التحرير، بل هو توليدٌ كاملٌ لمحتوى بصري وصوتي بوساطة شبكاتٍ عصبية تتعلم أن تحاكي ملامح إنسانٍ بعينه وحركاته ونبرة صوته حتى تصير النسخة عصيّةً على التمييز عن الأصل. والآلية التي قامت عليها الطفرة الأولى تُسمّى الشبكات التوليدية التخاصمية، وهي ابتكارٌ نشره الباحث إيان غودفيلو وزملاؤه في ورقةٍ علمية صارت من أكثر الأوراق استشهاداً في تاريخ التعلم الآلي، وفكرتها أن يتبارى نظامان: أحدهما يولّد التزييف والآخر يحاول كشفه، فلا يزال الأول يتعلم من إخفاقاته حتى يخدع الثاني، وبذلك يصقل نفسه بنفسه إلى أن يبلغ حدّاً من الإتقان يعجز عنده الإنسان عن التمييز. وما إن انتقلنا إلى نماذج الانتشار الحديثة حتى صارت الكلفة الحاسوبية والمعرفية لإنتاج هذا الزيف في انحدارٍ متسارع، فما كان يستلزم مختبراً وحواسيب جبّارة صار يُنجَز بتطبيقٍ مجاني على هاتف.

غير أن الخطر الحقيقي، كما يرى الكاتب، ليس في جودة التزييف بل في رخصه وانتشاره. فلو ظلّ صنع المقطع المزيّف مكلفاً عسيراً لبقي سلاحاً بيد قلةٍ من الدول والأجهزة، لكنه حين صار في متناول أي مراهقٍ غاضب أو محتالٍ طامع أو دعايةٍ منظمة، تحوّل من تهديدٍ نخبوي إلى تلوّثٍ بيئي يطال منظومة المعلومات بأسرها. وقد رصدت دراساتٌ متتابعة أن الحجم الأكبر من مقاطع التزييف المتداولة على الشبكة لا يستهدف السياسة كما يُظن، بل يستهدف النساء عبر محتوًى إباحيٍّ ملفّق دون رضاهن، وهو ما يكشف أن أول ضحايا هذه التقنية ليسوا الرؤساء والزعماء، بل أفرادٌ عاديون لا يملكون من أدوات الدفاع عن صورتهم شيئاً.

ثمّة بُعدٌ أعمق يتجاوز الضرر الفردي إلى ما يصيب نسيج المجتمع كله، وهو ما عبّرت عنه الباحثتان الحقوقيتان دانييل سيترون وروبرت تشيزني بمصطلح بليغ هو عائد الكذّاب. ومؤدّاه أن الخطر الأكبر للتزييف العميق ليس في أن نصدّق الزيف، بل في أن نكفّ عن تصديق الحقيقة. فحين يعلم الناس أن كل صورة قابلةٌ للتلفيق وكل تسجيلٍ قابلٌ للاصطناع، يصير بمقدور كل مذنبٍ أن ينكر فعلته الموثّقة بدعوى أنها مزيّفة، ويصير بمقدور كل كاذبٍ أن يطعن في الدليل الدامغ. وهكذا لا ينهار اليقين بالباطل وحده، بل ينهار معه اليقين بالحق، فنغرق جميعاً في مستنقعٍ من الشك المطلق حيث لا يبقى مرجعٌ نحتكم إليه. وهذا في تقدير الكاتب هو الجرح الأعمق الذي تتركه هذه التقنية في الثقة الاجتماعية، إذ الثقة هي العملة الخفية التي تقوم عليها كل معاملةٍ إنسانية، من الزواج إلى التجارة إلى الحكم، فإذا تآكلت تآكل معها كل ما بُني فوقها. وقد نبّه باحثون في مختبرات معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا إلى ظاهرةٍ مقلقة في انتشار المعلومات على الشبكات، مفادها أن الأخبار الزائفة تنتشر أسرع وأوسع وأعمق من الأخبار الصادقة، لأنها مصمَّمةٌ لتثير الدهشة والغضب، وهما أشد العواطف عدوى. فإذا أضفنا إلى هذا الميل البشري الفطري قدرة التزييف العميق على إنتاج محتوًى مرئيٍّ مقنعٍ بكلفةٍ زهيدة، أدركنا أننا بإزاء معادلةٍ مرعبة: عاطفةٌ بشرية تتلهف للتصديق، وآلةٌ لا تكلّ من التلفيق. ومن هنا يرى الكاتب أن الحلّ لن يأتي من التقنية وحدها، لأن سباق التسلح بين من يزيّف ومن يكشف سباقٌ لا ينتهي، بل كل تقدّمٍ في الكشف يولّد تقدماً مقابلاً في التزييف. فالرهان الحقيقي ليس على آلةٍ تكشف الزيف، بل على إنسانٍ يستعيد عادة التحقق ويتربّى على الشك المنهجي قبل التصديق.

شاطئ الجبيل ولعلّ ما يغيب عن كثيرٍ من النقاش السائد أن للتزييف العميق وجهاً آخر لا يُحسن أحدٌ ذكره وسط هلع التحذيرات. فالتقنية ذاتها التي تصنع الكذب تصنع أيضاً معجزاتٍ مشروعة: أصواتٌ تُعاد لمن فقدوها بمرضٍ أو حادث، وممثلون يُترجَم أداؤهم إلى لغاتٍ لم ينطقوا بها قط مع مطابقة حركة الشفاه، وتعليمٌ يستحضر شخصياتٍ تاريخية لتخاطب الطلاب بوجوهها وأصواتها. وهذا يقودنا إلى مبدأ لطالما ردّده فلاسفة التقنية: إن الأداة محايدةٌ في جوهرها، والقيمة الأخلاقية إنما تسكن في يد مستعملها وفي نيّته. غير أن الكاتب يخالف هذا المبدأ في جزءٍ منه، إذ يرى أن بعض الأدوات تحمل في تصميمها ميلاً نحو ضررٍ بعينه يصعب تحييده، وأن تقنيةً يفوق ضررها المتوقع نفعها المتوقع بهذا القدر لا يكفي في شأنها القول إنها محايدة، بل تستوجب حوكمةً تسبق انتشارها لا أن تلهث خلفه.

شاطئ الجبيل فإذا انتقلنا من التشخيص إلى الركائز العملية، أمكن أن نضع أربع دعائم لمواجهةٍ رشيدة. الأولى تقنية، وتقوم على تطوير أنظمة الكشف وعلامات المصدر الرقمية التي تثبت أصالة المحتوى منذ لحظة التقاطه، وهو ما تسعى إليه تحالفاتٌ صناعية عالمية عبر معايير لإثبات منشأ الوسائط. والثانية تشريعية، وتقوم على سنّ قوانين تجرّم التزييف الضار وتحمي الأفراد، مع الحذر من أن تتحول هذه القوانين ذريعةً لقمع حرية التعبير المشروع. والثالثة إعلامية تربوية، وهي في تقدير الكاتب أمتنُ الدعائم وأبقاها، إذ غايتها أن تُنشئ جيلاً لا يصدّق ولا يشارك قبل أن يتحقق، فالتربية على التفكير النقدي أبقى أثراً من أي مرشّحٍ تقني. والرابعة ثقافية، تتعلق بإعادة بناء مؤسسات الثقة التي يحتكم إليها الناس، من صحافةٍ مهنية إلى جهاتٍ علمية موثوقة، لأن المجتمع الذي يفقد مرجعياته الموثوقة يصير فريسةً سهلة لأول صورةٍ مزيّفة تلوح أمامه.

وحين نُسقط هذا التحليل على السياق العربي، يتبيّن أن المنطقة بالغة الانكشاف على هذا الخطر لأسبابٍ متضافرة. فمعدلات استهلاك المحتوى المرئي عبر منصات التواصل في عالمنا العربي من الأعلى عالمياً، وأدوات الكشف العربية لا تزال في مهدها مقارنةً بنظيراتها الإنجليزية، والوعي المجتمعي بهذه التقنية لم ينضج بعدُ بالقدر الكافي. ومن هنا تبرز قيمة ما أطلقته المملكة العربية السعودية في إطار رؤية ألفين وثلاثين من بناء منظومةٍ وطنية للذكاء الاصطناعي وحوكمته، إذ يرى الكاتب أن المعركة لن تُكسب بالاستيراد، أي بانتظار أدوات الكشف القادمة من الخارج، بل ببناء قدرةٍ محلية على فهم اللهجات العربية والسياق الثقافي الذي تعجز عنه النماذج المدرَّبة على عوالم بعيدة. فالمزيّف الذي يخاطب الجمهور العربي يستثمر خصوصيةً لغوية وثقافية لا تلتقطها أدوات الكشف الغربية، وهذه الثغرة بالذات هي ميدان الفرصة لمن يجرؤ على ملئها.

وثمّة تحذيرٌ يرى الكاتب أنه أحقّ بالقول من نشوة الحلول السهلة. إن أيسر ما يقع فيه المجتمع المذعور من التزييف أن يتجه إلى نقيض الخطر فيصير شكّاكاً في كل شيء، يكذّب الحقيقة كما يكذّب الزيف، فيتحول الشك من فضيلةٍ معرفية إلى عدميةٍ مدمّرة. وهنا يكمن التوازن العسير الذي تتطلبه هذه اللحظة: أن نتعلم الشك دون أن نفقد القدرة على اليقين، وأن نتحقق دون أن نُصاب بالشلل، وأن نحمي أنفسنا من الكذب دون أن نعطّل قدرتنا على الثقة. فالمجتمع الذي لا يثق بشيءٍ أعجز من المجتمع الذي يثق بكل شيء، لأن الأول مشلولٌ والثاني مخدوع، وكلاهما خاسر. والمخرج إنما هو في ثقةٍ واعيةٍ متبصّرة، لا ساذجةٍ ولا عدمية.

ولا يفوت الفطن أن البُعد الأخلاقي ها هنا ليس ترفاً فلسفياً، بل شرط بقاءٍ حضاري. فقد أوصت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في مبادئها للذكاء الاصطناعي بأن يُبنى على أسسٍ من الشفافية والمساءلة واحترام كرامة الإنسان، وأكّد المنتدى الاقتصادي العالمي في تقاريره عن المخاطر العالمية أن التضليل المعزَّز بالذكاء الاصطناعي بات يتصدر قائمة المخاطر قصيرة المدى التي تهدد استقرار المجتمعات. وهذا تحذيرٌ من جهاتٍ لا يُتهَم خطابها بالمبالغة، يكشف أن المسألة تجاوزت حدود القلق الفردي إلى تهديدٍ بنيوي يطال العملية الديمقراطية والسلم الأهلي والثقة بالمؤسسات. والشركة التي تطوّر هذه الأدوات دون ضوابط، والمنصة التي تنشرها دون رقابة، كلتاهما شريكةٌ في تآكل الثقة العامة، ولن ينفعها أن تربح جولةً اليوم بينما تخسر بيئةً معلوماتية بأكملها غداً.

ولعلّ أصدق ما يُختم به أن أزمة الحقيقة في زمن التزييف العميق ليست في جوهرها أزمةً تقنية، بل أزمة ثقةٍ إنسانية تجلّت في ثوبٍ تقني. فالآلة لم تخترع الكذب، بل ضاعفت قدرتنا عليه وخفّضت كلفته حتى صار متاحاً للجميع، تماماً كما لم تخترع الطباعة المعرفة بل ضاعفت انتشارها، فأحدثت بذلك ثورةً وفوضى في آنٍ واحد. وكما تعلّمت البشرية أن تميّز الكتاب الموثوق من المطبوع الرخيص بعد قرونٍ من اضطراب الطباعة، فهي مدعوّةٌ اليوم إلى أن تتعلم من جديد كيف تميّز الصادق من المصطنع، لكن في زمنٍ لا يمنحها قروناً بل سنواتٍ معدودة. والسؤال الأعمق الذي يبقى معلّقاً في الأفق ليس كيف نكشف الزيف، فذلك سباقٌ لا ينتهي، بل كيف نعيد بناء الثقة في عالمٍ صار فيه الدليل المرئي مشكوكاً فيه. ولعلّ الجواب أقدمُ مما نظن: أن نعود إلى السياق والمصدر والتروّي، إلى الحكمة التي ورثناها قبل أن نملك الآلة، فنسأل عمّن نقل ولماذا نقل قبل أن نصدّق ما نُقِل. فمن يبقى متحققاً متروّياً في زمن العجلة، هو وحده من سينجو حين لا تعود العين شاهداً ولا الأذن دليلاً.