شركة بوابات الخير للذكاء الاصطناعي

الطابق الأول، المبنى 7، المنطقة أ طريق المطار، البوابة الاقتصادية ص.ب 93597 الرياض 11683، المملكة العربية السعودية

0112611571

+966570709955

التحالف البشري الرقمي

هل سألتَ نفسك يوماً مَن يقودُ مَن في هذه الشراكة الغريبة التي نسجناها مع الآلة الذكية؟ نحسبُ أنّنا نمسكُ بزمام أدواتنا الرقمية، فنطلبُ منها أن تكتبَ وتُلخّصَ وتقترحَ وتُقرّر، ثمّ نكتشفُ في لحظةِ صفاءٍ نادرة أنّ أذواقنا قد تشكّلت على غير ما اخترنا، وأنّ انتباهنا قد جرى توجيهه بأصابعَ خفيّةٍ لا نراها. المفارقة أنّ أعظم خطرٍ في علاقتنا بالذكاء الاصطناعي ليس أن يتمرّد علينا كما تُخبرنا أفلامُ الخيال، بل أن نُذعنَ له طواعيةً ونحن نظنّ أنّنا أحرار. هنا يبدأ السؤال الحقيقي الذي يتجاوز الذعرَ والانبهارَ معاً: كيف نبني علاقةً صحيةً ومتوازنةً مع كيانٍ يفهمنا أحياناً أكثر مما نفهمُ أنفسنا؟

لكي نُدركَ حجمَ الرهان، يحسنُ بنا أن نعودَ إلى جذر المسألة. الذكاء الاصطناعي في صورته المعاصرة ليس عقلاً اصطناعياً مكتفياً بذاته، بل هو منظومةٌ إحصائيةٌ هائلة تتعلّمُ من أنماطنا نحن، من نصوصنا وصورنا وقراراتنا وأخطائنا.

إنّه مرآةٌ مكبّرةٌ للبشرية، تعكسُ حكمتنا وتحيّزاتنا في آنٍ واحد. وقد نبّهت دراساتٌ متعاقبةٌ من مختبرات جامعة ستانفورد ضمن تقاريرها السنوية عن مؤشر الذكاء الاصطناعي إلى أنّ قدرات هذه النماذج تتضاعفُ بوتيرةٍ تفوقُ قدرتنا على فهم عواقبها الاجتماعية، فالتقنية تركضُ بينما يمشي الوعي الأخلاقي مُتعثّراً خلفها. وليس عبثاً أن خصّص باحثون في جامعة هارفارد، وفي مقدّمتهم شوشانا زوبوف في أطروحتها عن رأسمالية المراقبة، فصولاً كاملةً لتفكيك الكيفية التي تحوّلت بها تجربتنا الإنسانية الخام إلى مادةٍ تُستخرجُ منها التوقّعات وتُباع. حين يصير سلوكُك سلعةً، فإنّ الأداة التي تخدمك قد تكونُ في الوقت ذاته تشتغلُ عليك.

غير أنّ الاكتفاء بهذا التشخيص القاتم يُوقعنا في فخٍّ آخر لا يقلّ خطورة. يرى الكاتب أنّ الخطاب السائد حول الذكاء الاصطناعي يتأرجحُ بين قطبين عقيمين: قطبِ التهويل الذي يصوّرُ الآلة وحشاً مُحتّماً، وقطبِ التهليل الذي يَعِدُنا بجنّةٍ تقنيةٍ تُلغي الحاجة إلى الجهد البشري. وكلا القطبين يسلبُنا المسؤولية، إذ يجعلُ من التقنية قدراً خارجاً عن إرادتنا، بينما الحقيقة أنّ شكل علاقتنا بها قرارٌ نتّخذه كلّ يوم في تفاصيل صغيرة. لقد بيّنت أبحاثٌ في مختبر الإعلام بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وكذلك في مبادرة الذكاء الآلي البشري هناك، أنّ القيمة الحقيقية لا تنشأُ حين تحلّ الآلةُ محلَّ الإنسان، بل حين يتكامل الاثنان في ما يُسمّى الذكاء المُعزّز، حيث يتولّى الحاسوبُ ما يُجيدُه من حسابٍ وذاكرةٍ واسعة، ويحتفظُ الإنسانُ بما لا يُنازعُه فيه أحد: الحُكم الأخلاقي، والحدس السياقي، والمعنى.

وهنا تكمنُ النقطة الأكثر مخالفةً للسائد. يرى الكاتب أنّ العلاقة الصحية مع الذكاء الاصطناعي لا تُقاسُ بمقدار ما نمتنعُ عن استخدامه، كما يوحي خطابُ التخويف، ولا بمقدار ما نُفوّضُ إليه، كما يوحي خطابُ الكسل الرقمي، بل تُقاسُ بمدى احتفاظنا بـالاحتكاك المُنتج. فالاحتكاك، أي ذلك الجهد الذهني الذي تبذلُه حين تصارعُ فكرةً أو تكتبُ جملةً أو تتّخذُ قراراً صعباً، ليس عائقاً ينبغي إزالته، بل هو ذاته موضعُ نموّ العقل. وقد حذّرت دراساتٌ حديثةٌ صدرت عن باحثين في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا من ظاهرةٍ سمّوها الدَّينَ المعرفي، حيث يفقدُ مستخدمو أدوات التوليد التلقائي تدريجياً قدرتهم على استدعاء المعلومة وبناء الحجّة حين يعتمدون عليها اعتماداً مطلقاً. إنّ العقل عضلةٌ، ومَن يُسلّمُ كلّ تمارينه للآلة يستيقظُ يوماً ليجد عضلته قد ضمُرت.

شاطئ الجبيل ولعلّ أخطر ما في هذا الدَّين المعرفي أنّه يُسدَّدُ متأخّراً ودفعةً واحدة. فالأثمانُ التي ندفعها مقابل الراحة الفورية لا تظهرُ في اليوم الأول، بل تتراكمُ بصمتٍ حتى نفاجأَ بأنّنا فقدنا ملكاتٍ كنّا نحسبُها بديهيةً فينا. وقد لاحظ باحثون في علم النفس المعرفي أنّ ذاكرتنا المكانية تراجعت منذ شاعت أنظمة الملاحة، وأنّ قدرتنا على الحساب الذهني خَفَتت منذ رافقتنا الآلاتُ الحاسبة في كلّ جيب. والذكاء الاصطناعي التوليدي يفعلُ الشيء ذاته، لكن مع ملكةٍ أنبلَ بكثير: ملكة التفكير ذاتها. فحين نُفوّضُ صياغة أفكارنا قبل أن نختمرَها في رؤوسنا، نخاطرُ بأن نصيرَ ناقلين لأصواتٍ ليست أصواتنا، نُردّدُ بلاغةً مُستعارةً بلا روحٍ خلفها. إنّ الفرق بين مَن يستعينُ بالآلة بعد أن يُفكّر، ومَن يستعينُ بها بدلاً من أن يُفكّر، هو الفرق بين السيّد والتابع.

شاطئ الجبيل ولا ينبغي أن نفهمَ من ذلك دعوةً إلى الزهد التقني، فهذا ترفٌ لا يملكه مجتمعٌ يطمحُ إلى التقدّم. تقديراتٌ صادرةٌ عن المنتدى الاقتصادي العالمي في تقاريره عن مستقبل الوظائف تُشيرُ إلى أنّ ملايين المهن ستُعادُ هندستها خلال السنوات القليلة المقبلة، وأنّ الفجوة الكبرى لن تكونَ بين مَن يملكُ الآلةَ ومَن لا يملكُها، بل بين مَن يُحسنُ التحالفَ معها ومَن يكتفي بأن يكونَ مُستهلكاً سلبياً لمُخرجاتها. وفي السياق العربي، حيث تتسارعُ مشاريع التحوّل الرقمي في غير عاصمة، تكتسبُ هذه المسألة طابعاً مصيرياً. فرؤية المملكة العربية السعودية لعام ألفين وثلاثين، بما تحمله من رهانٍ على الاقتصاد المعرفي وتوطين التقنية، لا تطلبُ من المواطن أن يُتقنَ تشغيل الأدوات فحسب، بل أن يطوّرَ علاقةً ناضجةً معها تجعلُه شريكاً في صناعة المعنى لا تابعاً لخوارزميةٍ مكتوبةٍ في مكانٍ بعيد بلغةٍ وثقافةٍ ليستا لنا.

كيف نبني إذن هذه العلاقة المتوازنة عملياً؟ يرى الكاتب أنّها تقومُ على ركائزَ متضافرةٍ يَسندُ بعضُها بعضاً. الركيزة الأولى أن نُعيدَ تعريف الأداة بوصفها مُحاوِراً لا عرّافاً. فحين تطلبُ من النموذج إجابةً، لا تتعاملْ مع ناتجه كحقيقةٍ نازلةٍ من سماء، بل كمسوّدةٍ أولى تستدعي شكَّك ومراجعتك. وقد أكّدت أدبياتٌ في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي صادرةٌ عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ضمن مبادئها التي تبنّتها دولٌ عديدة، أنّ مبدأ بقاء الإنسان في موضع التحكّم ليس شعاراً تجميلياً بل شرطٌ بنيويٌّ لأيّ استخدامٍ مسؤول. الإنسانُ يبقى المُحاسَب، والآلةُ تبقى المُقترِحة، ولا يجوزُ أن ينقلبَ هذا الترتيب مهما بلغت الأداةُ من إتقان. وثمّة بُعدٌ نفسيٌّ كثيراً ما يُغفَل في هذا النقاش، وهو أثرُ هذه الأنظمة في طمأنينتنا الداخلية وصورتنا عن ذواتنا. فالخوارزميات التي تُقدّمُ لنا في كلّ لحظةٍ صوراً مُنتقاةً عن حيوات الآخرين، وتقيسُ قيمتنا بأرقام الإعجاب والمتابعة، إنّما تُعيدُ تشكيل تقديرنا لأنفسنا تشكيلاً خفيّاً. وقد رصدت دراساتٌ في علم النفس الاجتماعي صلةً بين فرط التعرّض لهذه الأنظمة وارتفاع منسوب القلق والمقارنة لدى الشباب على وجه الخصوص. والعلاقة الصحية مع الذكاء الاصطناعي تقتضي إذن أن نُحرّرَ تقديرنا لذاتنا من قبضة المقاييس الرقمية، وأن نتذكّرَ أنّ قيمة الإنسان لا تُختزلُ في بياناتٍ قابلةٍ للقياس، وأنّ أعمقَ ما فينا يظلّ عصيّاً على التكميم.

الركيزة الثانية أن نُنمّيَ ما يمكنُ تسميته باليقظة الخوارزمية، أي الوعي بأنّ كلّ شاشةٍ بين أيدينا مُصمّمةٌ لتوجيه انتباهنا في اتجاهٍ يخدمُ مُصمّمها قبل أن يخدمنا. والباحثون في جامعة أكسفورد، ضمن أعمال معهد الإنترنت فيها، يُشدّدون على أنّ معرفة المستخدم بآلية اشتغال الأنظمة التي تُحيطُ به تُغيّرُ من سلوكه جذرياً، إذ ينتقلُ من حالة الانقياد إلى حالة الاختيار. أن تعرفَ أنّك مُستهدَفٌ هو نصفُ طريق التحرّر. ولعلّ تعليم هذه اليقظة في مدارسنا وجامعاتنا أجدى من تلقين المهارات التقنية وحدها، لأنّ المهارة تتقادمُ بينما الوعي النقدي يبقى.

الركيزة الثالثة، وهي الأعمق، أن نحرسَ مساحاتٍ إنسانيةً خالصةً نمنعُ الآلةَ من دخولها. ليس كلّ ما يمكنُ أتمتته ينبغي أن يُؤتمت. التأمّلُ في معضلةٍ أخلاقية، وكتابةُ رسالةٍ لمن نحبّ، وتربيةُ الأبناء على القيم، ومصارعةُ صفحةٍ بيضاء حتى تنبثقَ منها فكرةٌ أصيلة، كلّها طقوسٌ تصنعُ إنسانيتنا، وتفويضُها للآلة ليس توفيراً للوقت بل تفريطٌ في الجوهر. يرى الكاتب أنّ حضارةً تُفوّضُ تفكيرها بالكامل لأدواتها إنّما توقّعُ على وثيقة انقراضها الفكري بأناقةٍ بالغة. والركيزة الرابعة أن نُربّيَ في أنفسنا فضيلة الصبر على البطء، فالعمق لا يُولَدُ من السرعة، والأفكار الكبرى تحتاجُ إلى تخمّرٍ لا تُتقنه آلةٌ تُجيبُ في طرفة عين.

وإلى جانب هذه الركائز الفردية، لا بدّ من تربيةٍ جديدةٍ للأجيال القادمة تُعلّمُها كيف تعيشُ مع الآلة لا كيف تخافها أو تعبدها. فالطفل الذي يكبرُ اليوم سيرافقُ الذكاء الاصطناعي طوال حياته، ومسؤوليتنا أن نُسلّحه لا بمهارة استخدام الأدوات وحدها، بل بفهم حدودها وعيوبها وانحيازاتها. وقد شدّدت أوراقٌ بحثيةٌ صادرةٌ عن مراكزَ تربويةٍ مرموقة على أنّ محو الأمية الرقمية في القرن الحالي لم يَعُد يعني إتقان التعامل مع الحاسوب، بل أصبح يعني القدرة على التمييز بين ما يصدقُ وما يُزيّف، وبين الرأي والحقيقة، وبين المصدر الموثوق والادّعاء المُفبرك في زمنٍ صارت فيه الآلةُ قادرةً على تأليف الأكاذيب بطلاقةٍ تفوقُ طلاقة الإنسان. إنّ أعظمَ هديةٍ نمنحها لأبنائنا ليست أداةً أذكى، بل عقلاً أكثرَ نقداً.

ويبقى البعدُ الجماعي الذي يتجاوزُ الفرد. فالعلاقة الصحية مع الذكاء الاصطناعي ليست مسؤوليةً فرديةً وحدها، بل تستلزمُ بناءً مؤسسياً وتشريعياً يضعُ حدوداً للاستغلال ويصونُ كرامة البيانات. وقد دعت تقاريرُ من جامعة هارفارد ومن مراكزَ بحثيةٍ أوروبية إلى ما سُمّيَ بالحوكمة الاستباقية، أي أن نُشرّعَ للتقنية قبل أن تفرضَ علينا وقائعَها، لا أن نلهثَ خلفها مُصلحين ما أفسدته. والمجتمعات العربية، إذ تدخلُ هذا الميدان من بابٍ متأخّرٍ نسبياً، تملكُ فرصةً نادرةً لتتعلّمَ من أخطاء السابقين وتبنيَ نموذجاً يجمعُ بين الانفتاح على التقنية والوفاء لمنظومتها القيمية، لا أن تستوردَ الأداةَ وفلسفتها معاً دون تمحيص. فالأداةُ تأتي محمّلةً بافتراضاتٍ عن الإنسان والمجتمع والخير، وما لم نُخضعها لمراجعةٍ نقديةٍ من داخل ثقافتنا، سنجدُ أنفسنا نعيشُ بقيمِ غيرنا ونحن نظنّها قيمنا.

إنّ التحالف البشري الرقمي الذي ننشدُه ليس هدنةً بين خصمين، ولا استسلاماً لطرفٍ غالب، بل هو عقدٌ واعٍ نُعيدُ التفاوضَ على بنوده كلّ يوم. الآلةُ ستزدادُ ذكاءً، هذا قدرٌ لا مردّ له، لكنّ السؤال الذي يجبُ أن يُؤرّقنا ليس كم ستبلغُ الآلةُ من الذكاء، بل كم سنحتفظُ نحن من حكمتنا حين تبلغُه. فالحكمة، لا الذكاء، هي ما يصنعُ مصيرَ الحضارات. ولعلّ أنبلَ ما يمكنُ أن نطمحَ إليه هو أن نخرجَ من هذا العصر لا أذكى فحسب، بل أكثرَ إنسانيةً، أكثرَ وعياً بهشاشتنا وبعظمتنا معاً. حينها فقط نكونُ قد ربحنا الرهان، لا حين نصنعُ آلةً تُشبهنا، بل حين نظلّ نحن جديرين بأن نُسمّى بشراً في حضرة ما صنعناه.