لماذا تتقاتل أعتى شركات الكوكب على شيءٍ لا وزن له ولا رائحة ولا لون، شيءٍ ينتجه كلٌّ منّا مجّاناً وهو نائم؟ ثمّة مفارقةٌ صامتة تحكم عصرنا: أنّ أثمن ما تملكه أكبر الكيانات الاقتصادية على الإطلاق ليس مصنعاً ولا مخزوناً ذهبياً ولا حقل بترولٍ في صحراء، بل سجلٌّ رقميٌّ لما نشتريه ونقرؤه ونتردّد فيه قبل أن نضغط زرّ الشراء. صار النقر عملةً، والتردّد بياناً، والصمت نفسه — حين نتوقّف عن مشاهدة مقطعٍ بعد ثوانٍ — إشارةً تُباع وتُشترى. وحين شاع تشبيه البيانات بـ«النفط الجديد»، ظنّ الناس أنه مجازٌ بلاغيّ عابر، بينما هو في حقيقته توصيفٌ اقتصاديٌّ دقيق لإعادة رسم خريطة الثروة في القرن الحادي والعشرين.
غير أنّ المجاز، كأيّ مجازٍ بليغ، يُضيء جانباً ويُعتّم آخر. فالنفط مادةٌ ناضبة، تُستخرج مرّةً فتُحرق فتختفي؛ أمّا البيانات فلا تنضب، بل تتكاثر بالاستعمال ولا تفنى به. والبرميل الواحد لا يخدم إلا مالكه، بينما المعطى الواحد قد يُغذّي ألف نموذجٍ في آنٍ واحد دون أن ينقص. ولهذا حذّر اقتصاديون من أنّ التشبيه، على بلاغته، يُغفل الفارق الجوهري الذي رصدته مجلة The Economist في مقالها الشهير عام 2017 حين أعلنت أنّ «أثمن مورد في العالم لم يعد النفط بل البيانات»؛ فالمورد الجديد لا يخضع لمنطق الندرة الذي بُني عليه الاقتصاد الكلاسيكي كلّه، بل لمنطقٍ معاكس قوامه الوفرة والتراكم والأثر المتزايد للحجم. ويرى الكاتب أنّ هذا الفارق وحده يكفي لنسف كثيرٍ من حدْسنا الموروث عن المنافسة والاحتكار والملكية.
ولفهم لماذا صارت البيانات وقوداً لا غنى عنه، ينبغي أن نعود إلى طبيعة أنظمة الذكاء الاصطناعي المعاصرة. فهذه الأنظمة لا تُبرمَج بقواعد يكتبها مهندسٌ سطراً سطراً، بل تتعلّم أنماطها من أمثلةٍ تُعرض عليها بالملايين. والنموذج اللغويّ الذي تُحاوره اليوم لم يُلقَّن قواعد النحو، بل استخلصها من بحرٍ هائلٍ من النصوص؛ ونظام الرؤية الذي يميّز الورم في صورة الأشعة لم يُعلَّم تعريف الورم، بل رآه في آلاف الحالات الموسومة حتى ارتسم في «ذاكرته» الإحصائية. ومن هنا جاءت الخلاصة التي رسّختها أبحاث جامعة ستانفورد في تقريرها السنوي لمؤشر الذكاء الاصطناعي: أنّ جودة النموذج تتبع جودة بياناته قبل أن تتبع براعة خوارزمياته. ولهذا شاعت بين المهندسين عبارةٌ صارت قانوناً: «مدخلاتٌ رديئة، مخرجاتٌ رديئة»؛ فالآلة لا تعرف من العالم إلا ما أريناه لها، وهي تورِث أحكامنا وتحيّزاتنا بأمانةٍ مرعبة، لا تميّز فيها بين الحكمة والخطأ.
وهنا تتكشّف الطبقة الأعمق من المسألة. فالسائد في الخطاب العام أنّ التفوّق في الذكاء الاصطناعي رهنٌ بالعبقرية الخوارزمية، وأنّ من يملك أذكى الباحثين يملك المستقبل. ويرى الكاتب أنّ هذا التصوّر مقلوبٌ في جوهره؛ فالخوارزميات الكبرى صارت شبه متاحة للجميع، تُنشر أبحاثها في الدوريات المفتوحة وتُتداول نماذجها في مستودعاتٍ عامة، حتى إنّ معظم ما يصنع الفارق بين مختبرٍ ومختبر ليس السرّ الرياضي بل خزّان البيانات الذي يصعب تقليده. ولهذا تنبّهت دراساتٌ صادرة عن معهد ماساتشوستس للتقنية إلى أنّ القيمة هاجرت من النموذج إلى الوقود الذي يُغذّيه؛ فالنموذج المكشوف يمكن نسخه في أسابيع، أمّا قاعدة بياناتٍ تراكمت عبر سنوات من تفاعل ملايين المستخدمين فلا تُشترى ولا تُستعار. وهنا يكمن سرّ ما يسمّيه الاقتصاديون «الخندق الدفاعي»: ليس الشيفرة، بل المعطى.
بل إنّ المسألة تتجاوز الخندق إلى ما هو أخطر، وهو ما يصفه الباحثون بـ«دولاب البيانات». فحين تجذب الخدمة مستخدمين أكثر، تنتج بياناتٍ أكثر، فيتحسّن نموذجها، فتجذب مستخدمين أكثر، في حلقةٍ تتغذّى على نفسها وتُصعّب اللحاق بها يوماً بعد يوم. وقد حذّر تقريرٌ صادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية من أنّ هذه الديناميكية تنزع بطبيعتها نحو التمركز، إذ تتراكم البيانات حيث تراكمت أصلاً، فيغتني الغنيّ بياناتٍ كما يغتني مالاً. ويرى الكاتب أنّ خطر هذا التمركز لا يقيم في السوق وحده، بل في توزيع القدرة المعرفية بين الأمم؛ فالدولة التي لا تملك بياناتها تُصبح مزرعةً رقمية، تُحصد منها المادة الخام لتُصنّع في مكانٍ آخر، ثم تُعاد إليها منتجاتٍ باهظةً تقرّر نيابةً عنها كيف تُدار مدنها وتُشخّص أمراضها وتُعلَّم نشء أبنائها.
ومن هنا تتّضح خطورة ما يمكن تسميته «الاستعمار البياني». فكما اقتُلعت الثروات الطبيعية من الجنوب لتُكرَّر في الشمال في القرون الماضية، تُستخرَج اليوم بيانات شعوبٍ بأكملها لتُغذّي نماذج تُبنى وتُملَك بعيداً عنها، ثم تُؤجَّر لها بثمنٍ يتجدّد بلا انقطاع. وقد نبّهت أبحاثٌ في جامعة أكسفورد إلى أنّ الفجوة الرقمية لم تعد فجوة وصولٍ إلى الإنترنت، بل فجوة سيادةٍ على البيانات والنماذج المبنية عليها. ويزداد الأمر حدّةً حين نلتفت إلى اللغة العربية، التي ما تزال ضعيفة التمثيل في خزّانات بيانات النماذج الكبرى قياساً بثقلها البشري والحضاري؛ فحين تُدرَّب الآلة على لغةٍ بعينها وثقافةٍ بعينها، فإنها تتعلّم رؤية العالم بعينَيهما، وتعيد إنتاج تحيّزاتهما وصمتها عمّا لا يعنيهما. ومن لا يُغذّي الآلة بلغته وذاكرته وقيمه، يُسلّمها مرآةً تعكس غيره ولا تعكسه، ثمّ يدفع ثمن أن يرى نفسه أبداً في صورة سواه.
ولأنّ إدراك هذه الحقيقة صار شرطاً للبقاء لا ترَفاً للتأمّل، جعلت رؤية السعودية 2030 من البيانات والذكاء الاصطناعي ركيزةً صريحة في مشروع التحوّل، فأنشأت هيئةً وطنية تُعنى بالبيانات والذكاء الاصطناعي، وأطلقت مبادراتٍ لبناء نماذج لغويةٍ عربية تنهل من النصّ العربي وتراثه، إدراكاً بأنّ السيادة في القرن الحادي والعشرين تُقاس بقدرة الأمّة على توليد بياناتها ومعالجتها وحوكمتها داخل حدودها، لا باستيراد العقول الجاهزة من خارجها. ويرى الكاتب أنّ هذا التوجّه يلامس جوهر المعركة؛ فالبنية التحتية الحقيقية لاقتصاد المعرفة ليست الأبراج الزجاجية، بل مراكز البيانات وأطر الحوكمة التي تحدّد من يملك المعطى ومن ينتفع به ومن يُحاسَب على إساءة استعماله.
غير أنّ في هذا المجاز النفطيّ فخّاً ينبغي الحذر منه. فالنفط قيمته في ذاته، يُستخرج فيُباع بسعرٍ معلوم؛ أمّا البيانات فلا قيمة لها إلا حين تُكرَّر وتُنظَّف وتُربَط بسياقها وتُحوَّل إلى معرفةٍ قابلة للفعل. والبيانات الخام، شأنها شأن النفط الخام، لا تُشغّل محرّكاً ولا تُضيء مصباحاً؛ فالقيمة لا تقيم في البرميل بل في المصفاة. ويرى الكاتب أنّ كثيراً من المؤسسات العربية تكدّس البيانات ظنّاً منها أنها تكنز ثروة، بينما هي تكدّس نفطاً خاماً بلا مصفاة، فتتراكم في صوامع متفرّقة لا يكلّم بعضها بعضاً، حتى تتحوّل من أصلٍ إلى عبء؛ إذ يكلّف تخزينها وتأمينها وحمايتها قانونياً أكثر ممّا تدرّه ما لم تُحوَّل إلى بصيرة. فالمعضلة ليست في جمع البيانات، بل في القدرة على تكريرها واستنطاقها وصونها في آن.
وتتضاعف خطورة هذا الوقود حين ندرك أنه، خلافاً للنفط، مصنوعٌ من البشر أنفسهم؛ فكلّ معطى أثرٌ لإنسانٍ من لحمٍ ودم، يحمل خصوصيّته وكرامته وحقّه في ألّا يُختزل إلى سلعة. ولهذا حذّر باحثون في القانون والأخلاقيات الرقمية من أنّ معاملة البيانات بوصفها سلعةً صرفة، كالنفط تماماً، يُجرّدها من بُعدها الإنساني ويفتح الباب أمام انتهاكاتٍ تُهدّد الخصوصية والحرية معاً. ولم يكن الاتحاد الأوروبي بدعاً حين سنّ لائحته العامة لحماية البيانات، بل كان يحاول رسم حدٍّ بين المعطى بوصفه ثروةً والمعطى بوصفه امتداداً لكرامة صاحبه. ويرى الكاتب أنّ الأمم التي ستزدهر في هذا العصر ليست الأكثر شراهةً في الجمع، بل الأقدر على المواءمة بين انتفاعها بالبيانات وصونها لحقوق من أنتجوها؛ فالثقة في النهاية هي رأس المال الأندر، ومتى تبدّدت جفّ معها منبع البيانات نفسه.
وثمّة بُعدٌ اقتصاديّ أعمق يغيب عن كثيرٍ من النقاش، وهو أنّ البيانات أعادت تعريف معنى الإنتاجية ذاتها. فالاقتصاد الصناعيّ كان يقيس القيمة بما يُصنع من سلعٍ ملموسة، أمّا اقتصاد البيانات فيقيسها بما يُستخلَص من بصيرةٍ تُختصر بها الكلفة وتُستبق بها الحاجة وتُفصَّل بها الخدمة على مقاس كلّ فرد. وقد لاحظت أبحاثٌ في كلية هارفارد للأعمال أنّ المؤسسات التي تتّخذ قراراتها استناداً إلى تحليل بياناتها تفوّقت على منافساتها التقليدية في الإنتاجية بهوامش لافتة، لا لأنها تملك بياناتٍ أكثر فحسب، بل لأنها بنت ثقافةً تجعل المعطى أساساً للقرار بدل الحدْس والعادة. ويرى الكاتب أنّ هذا التحوّل أخطر ما فيه أنه يعيد توزيع القدرة داخل المؤسسة نفسها؛ فمن يملك مفاتيح البيانات يملك سلطةً موازية لسلطة رأس المال، وقد يفوقها أثراً حين تتعلّق القرارات الكبرى بمصير آلاف الوظائف ومليارات الاستثمار.
ولا يكتمل تحليل هذا الوقود دون الالتفات إلى كلفته الخفيّة التي يتجاهلها المجاز النفطيّ. فالبيانات، حين تُجمع وتُخزّن وتُعالَج، تستهلك طاقةً هائلة في مراكز بياناتٍ تلتهم الكهرباء والماء معاً، حتى نبّهت تقارير صادرة عن الوكالة الدولية للطاقة إلى أنّ استهلاك هذه المراكز يتّجه نحو التضاعف مع توسّع نماذج الذكاء الاصطناعي. وهنا تنقلب الاستعارة على نفسها انقلاباً مرّاً؛ فالبيانات التي وُصفت بالنفط الجديد صارت بدورها تحرق نفطاً قديماً لتُعالَج، فيصبح الوقود الرقميّ مدفوعاً بوقودٍ أحفوريّ في حلقةٍ نادراً ما تُحتسب في ميزان الجدوى. ويرى الكاتب أنّ أيّ استراتيجيةٍ وطنية لاقتصاد البيانات تتجاهل هذه الكلفة البيئية تبني قصرها على رمل؛ فالاستدامة الرقمية ليست شعاراً أخضر، بل شرطاً لبقاء البنية ذاتها قابلةً للتوسّع دون أن تستنزف ما تبقّى من موارد الأرض الشحيحة.
ويبقى الأخطر من كلّ ذلك أنّ منطق هذا الاقتصاد يدفع نحو نهمٍ بلا حدّ، إذ كلّما زادت البيانات تحسّن النموذج، فيغري ذلك بجمع كلّ شيءٍ عن كلّ أحد في كلّ وقت. ويرى الكاتب أنّ هذا النهم بذرة أزمةٍ أخلاقية واقتصادية في آن؛ فالمجتمع الذي يُراقَب أفراده بلا انقطاع لينتجوا بياناتٍ أوفر مجتمعٌ يبيع حرّيته لقاء راحةٍ موهومة، ويستبدل بسيادته على ذاته خوارزميةً تعرفه أكثر ممّا يعرف نفسه. ولعلّ المفارقة الكبرى أنّنا، إذ نصنع آلةً تتعلّم منّا، إنّما نرسم لها صورتنا بكلّ ما فيها من نور وعتمة؛ فإن غذّيناها بأفضل ما فينا حملت عنّا أفضل ما فينا، وإن أطعمناها أحقادنا وتحيّزاتنا أعادتها إلينا مكبَّرةً بسرعة الضوء.
فالبيانات إذن ليست نفطاً جديداً بقدر ما هي مرآةٌ جديدة؛ مرآةٌ تعكس من نكون، وتُضخّم ما نختار أن نُريَها إيّاه، وتُقرّر تبعاً لذلك من سيملك القرن القادم ومن سيُملَك فيه. والسؤال الذي ينبغي أن يقضّ مضاجعنا ليس كيف نجمع المزيد منها، بل أيّ صورةٍ لأنفسنا نريد أن نودعها فيها قبل أن تعيدها إلينا حاكمةً لا محكومة. فمن يملك بياناته يملك حاضره ومستقبله ومرآته معاً؛ ومن فرّط فيها سلّم صورته لمن يصوغها كما يشاء. ولعلّ الحكمة الأخيرة أنّ الوقود مهما عظم لا يُساوي شيئاً ما لم نُحسن توجيه السيّارة؛ فهل نملك من البصيرة بقدر ما نملك من البيانات، أم نمضي نكنز الوقود ونحن لا ندري إلى أين نسوق؟