شركة بوابات الخير للذكاء الاصطناعي

الطابق الأول، المبنى 7، المنطقة أ طريق المطار، البوابة الاقتصادية ص.ب 93597 الرياض 11683، المملكة العربية السعودية

0112611571

+966570709955

البنية التحتية للذكاء الاصطناعي

الكهرباء حين تنقطع نشعر بظلامها في الحال، أمّا الذكاء الاصطناعي فقد ينقطع دون أن يُطفأ مصباح، ومع ذلك يتوقّف نصف ما نظنّه يعمل من تلقاء نفسه. تخيّل صباحاً يستيقظ فيه مساعدك الرقمي أبكمَ، وتتجمّد ترجمة رسالةٍ عاجلة، ويعجز نظام المستشفى عن قراءة صورة الأشعة، ويتلعثم المصرف في رصد عملية احتيال، لا لأنّ الكهرباء غابت، بل لأنّ مركز بياناتٍ بعيداً عنك بآلاف الأميال ابتلعته موجة حرٍّ أو خللٌ في التبريد أو عطبٌ في كابلٍ بحري. فهل نحن مقبلون على عصرٍ تصير فيه «انقطاعات الذكاء» وجعاً يومياً مألوفاً كانقطاع التيار في مدن العالم النامي، أم أنّنا نبني هذه المرّة بوعيٍ يقينا تكرار أخطاء الماضي؟

لنفهم حجم السؤال، علينا أن نرى ما لا يُرى. فالذكاء الاصطناعي الذي نتحدّث إليه عبر شاشةٍ أنيقة ليس سحراً يسبح في الأثير، بل هو في جوهره صناعةٌ ثقيلة تقوم على ثلاث ركائز مادية صلبة: مراكز بياناتٍ ضخمة تكتظّ بالخوادم، ومعالجاتٌ رسومية باهظة تُنتجها حفنةٌ من الشركات، وطاقةٌ كهربائية ومياه تبريدٍ تُستهلك بكمياتٍ تفوق التصوّر. وقد بيّن مؤشر ستانفورد للذكاء الاصطناعي لعام 2025 أنّ كلفة تدريب النماذج الكبرى صارت تُقاس بمئات الملايين من الدولارات، وأنّ الطلب على البنية الحاسوبية يتضاعف بوتيرةٍ تسبق قدرة شبكات الطاقة على اللحاق به. أي أنّنا أمام تقنيةٍ تبدو في واجهتها أثيريةً خفيفة، بينما هي في أساسها أثقل من الصلب وأكثر شراهةً من المصانع القديمة.

وهنا يبرز أوّل أوجه الهشاشة. فالوكالة الدولية للطاقة قدّرت أنّ استهلاك مراكز البيانات العالمية للكهرباء قد يتجاوز ألف تيراواط/ساعة بحلول عام 2026، وهو رقمٌ يقارب استهلاك دولةٍ كاملةٍ بحجم اليابان. ولأنّ الذكاء الاصطناعي صار يُغذّى من الشبكة ذاتها التي تُنير بيوتنا وتُشغّل مصانعنا، فإنّ أيّ خللٍ في أحد طرفي المعادلة ينعكس على الآخر؛ فإمّا أن تُثقل مراكز البيانات الشبكة فتُسهم في انقطاع الكهرباء عن الناس، وإمّا أن يُصيب الشبكةَ عطلٌ فيُسقط معه عقلاً اصطناعياً كانت تعتمد عليه مدينةٌ بأكملها. لقد ربطنا، دون أن ننتبه تماماً، مصير ذكائنا الرقمي بمصير أسلاكنا النحاسية القديمة.

يرى الكاتب أنّ المفارقة الأعمق تكمن في أنّنا نعيد إنتاج هشاشة الكهرباء بصورةٍ أشدّ خطراً لا أقلّ منها. فحين تنقطع الكهرباء، يعرف الجميع أنّها انقطعت، ويُشعل الناس الشموع وينتظرون عودتها، والعطل ظاهرٌ مرئيٌّ محدّد. أمّا حين «ينقطع» الذكاء الاصطناعي، فقد لا يتوقّف فجأةً بل يتدهور بصمت؛ فيُترجم خطأً، ويُشخّص خطأً، ويوصي بقرارٍ مالي خاطئ، دون أن يُصدر إنذاراً واحداً. إنّ أخطر الانقطاعات ليست تلك التي تُطفئ الأنظمة، بل تلك التي تُبقيها تعمل وهي معطوبة. والكهرباء حين تخون تخون بصدقٍ مكشوف، أمّا الخوارزمية فقد تخون وهي تبتسم.

شاطئ الجبيل ولئن بدا هذا تهويلاً، فإنّ شواهد الواقع أبلغ من أيّ تحذير. فقد شهد العالم أعطالاً سحابية كبرى عطّلت آلاف الخدمات في ساعاتٍ معدودة، حين تعثّر مزوّدٌ واحد للبنية السحابية فسقطت معه مواقع وتطبيقاتٌ ومصارف ومطارات في قاراتٍ متباعدة. وهنا تتجلّى المعضلة البنيوية الكبرى: تركّز السوق. فقد رصدت تقارير المنتدى الاقتصادي العالمي وغيرها أنّ حصّة الأسد من البنية السحابية العالمية تتقاسمها ثلاث شركاتٍ فقط، وأنّ صناعة المعالجات المتقدّمة التي يقوم عليها الذكاء الاصطناعي ترتكز على مصنعٍ واحدٍ تقريباً في جزيرةٍ واحدةٍ تتنازعها التوترات الجيوسياسية. إنّ بنيةً تحتيةً بهذا الاتّساع تتّكئ على نقاط فشلٍ بهذه القلّة هي وصفةٌ مثالية لانقطاعاتٍ عالمية لا محلية، إذ يكفي أن يتعطّل قلبٌ واحدٌ ليتوقّف نبض القارّات.

شاطئ الجبيل ومع ذلك، يرى الكاتب أنّ المقارنة بانقطاع الكهرباء، على وجاهتها، تخفي فرقاً جوهرياً يجعل المسألة أعقد. فالكهرباء سلعةٌ نمطية متجانسة؛ كيلوواطٌ من محطّةٍ يساوي كيلوواطاً من أخرى، ويمكن نقل الحمل بين المصادر بسهولةٍ نسبية. أمّا «ذكاء» نموذجٍ بعينه فهو فريدٌ غير قابلٍ للاستبدال الكامل؛ فإذا تعطّل النموذج الذي اعتمدت عليه مؤسسةٌ في صياغة عقودها أو تشخيص مرضاها، لن يسدّ مكانه نموذجٌ آخر بالكفاءة ذاتها بين عشيّةٍ وضحاها. ولهذا فإنّ خطر الاعتماد على مزوّدٍ واحد في الذكاء الاصطناعي أفدح من نظيره في الطاقة؛ لأنّ ما يُفقد ليس مجرّد «تيارٍ» يُستبدل، بل قدرةٌ معرفيةٌ خاصة تشرّبتها مؤسّساتٌ في صميم عملياتها حتى صارت جزءاً من ذاكرتها المؤسسية.

ثمّ إنّ ثمّة وجهاً ثالثاً للهشاشة كثيراً ما يُغفل: الماء. فمراكز البيانات الكبرى تستهلك من المياه لتبريد خوادمها ما يكفي مدناً صغيرة، وقد نبّهت دراساتٌ صادرة عن جامعاتٍ مرموقة إلى أنّ توليد بضع مئاتٍ من الكلمات عبر نموذجٍ لغوي قد يستهلك من الماء قدر قنينةٍ كاملة. وفي مناطق العالم العطشى، ومنها أجزاء واسعة من عالمنا العربي، يصير هذا البعد قضية أمنٍ مائيٍّ لا ترفاً بيئياً. فالحديث عن «انقطاعٍ رقمي» قد لا يأتي يوماً من عطلٍ تقني، بل من جفافٍ يحرم الخوادم من بردها، وهنا يلتقي أمن الذكاء بأمن الماء في عقدةٍ واحدة.

ولا بدّ هنا من قراءةٍ مخالفة للسائد. فالخطاب الرائج يصوّر الذكاء الاصطناعي ثورةً «برمجية» قوامها الأفكار والخوارزميات، بينما الحقيقة أنّه في المقام الأول ثورةٌ في «العتاد» والبنية المادية. لقد بيّنت أبحاثٌ من معهد ماساتشوستس للتقنية أنّ القفزات الأخيرة في قدرات النماذج لم تأتِ أساساً من عبقريةٍ رياضيةٍ جديدة بقدر ما أتت من توافر قوّةٍ حاسوبية هائلة ووفرةٍ في البيانات. وهذا يقلب فهمنا للمخاطر رأساً على عقب؛ فإذا كان مصدر القوّة مادياً، فإنّ مكمن الضعف مادي أيضاً. إنّ النموذج اللغوي الأذكى في العالم يصبح كومةً من الأصفار حين ينقطع عنه التيار أو يعجز التبريد أو يُقطع الكابل البحري الذي يصله بمستخدميه. ولهذا فإنّ من يفكّر في أمن الذكاء الاصطناعي بوصفه مسألة شيفراتٍ وبرمجياتٍ فقط، يكون كمن يحرس أبواب القلعة وينسى أنّ أساساتها قائمةٌ على أرضٍ قابلةٍ للانزلاق.

ويضاف إلى ذلك بعدٌ زمنيٌّ يضاعف الخطر. فبناء محطّة كهرباء أو مدّ شبكةٍ يستغرق سنواتٍ من التخطيط، بينما يتضاعف الطلب على القدرة الحاسوبية في أشهر. وهذا التفاوت في الإيقاع بين بنيةٍ بطيئةٍ تُبنى بالحديد والإسمنت وطلبٍ سريعٍ ينمو بالبرمجيات هو في ذاته مصدر هشاشةٍ مزمنة؛ إذ تجد شبكات الطاقة نفسها لاهثةً خلف نهمٍ حاسوبيٍّ لا يعرف الشبع. وقد حذّرت تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية من أنّ هذا الاختلال قد يدفع بعض المناطق إلى مفاضلةٍ قاسية بين تشغيل مراكز البيانات وإنارة البيوت، وهي مفاضلةٌ كنّا نظنّها من ماضي الثورة الصناعية فإذا بها تعود في ثوبٍ رقميٍّ جديد. إنّ الذكاء الاصطناعي، من حيث لا يحتسب كثيرون، يعيد رسم خريطة الطاقة في العالم، ويجعل من السؤال عن مصدر الكهرباء سؤالاً عن مستقبل العقل الرقمي نفسه.

وإذا انتقلنا من تشخيص الداء إلى وصف الدواء، فإنّ الركائز العملية للصمود في وجه هذه الانقطاعات تتّضح في خطوطٍ عريضة. أولاها التنويع المتعمّد؛ فكما لا يضع العاقل بيضه كلّه في سلّةٍ واحدة، لا ينبغي للمؤسسات ولا للدول أن تربط مصيرها الرقمي بمزوّدٍ واحدٍ أو نموذجٍ واحد، بل تبني قدرةً على التنقّل السلس بين البدائل. وثانيتها السيادة الحاسوبية؛ بمعنى امتلاك حدٍّ أدنى من البنية المحلية التي تضمن استمرار الخدمات الحرجة حتى لو انقطع الحبل السرّي مع الخارج. وثالثتها مبدأ «التدهور الآمن»؛ أي تصميم الأنظمة بحيث تعرف كيف تتراجع بأمانٍ إلى وضعٍ أبسط حين تُصاب، بدل أن تنهار دفعةً واحدة أو تستمرّ في الخطأ صامتة. ورابعتها الشفافية؛ إذ يجب أن يُعلن النظام عجزه حين يعجز، لا أن يُخفي عطبه خلف واجهةٍ واثقة.

وهنا يتّصل الأمر بسياقنا العربي اتّصالاً وثيقاً. فرؤية السعودية 2030، حين جعلت من الاقتصاد الرقمي والبنية التقنية ركيزةً للتحوّل، إنّما كانت تقرأ هذه المعادلة قراءةً استباقية؛ إذ إنّ بناء مراكز بياناتٍ سيادية، والاستثمار في الطاقة المتجدّدة لتغذيتها، وتوطين شطرٍ من القدرة الحاسوبية، ليست مشروعات بذخٍ تقني، بل هي بالأحرى تأمينٌ ضدّ يومٍ يصير فيه الذكاء الاصطناعي مرفقاً عاماً لا غنى عنه كالماء والكهرباء. ومن يملك بنيته التحتية يملك قراره؛ ومن يستأجرها بالكامل من غيره يظلّ رهين انقطاعاتٍ لا يد له فيها ولا حول. والمفارقة أنّ منطقتنا، الغنية بالطاقة والشمس، تملك من المقوّمات ما يجعلها مرشّحةً لأن تكون مصدّرةً للقدرة الحاسوبية لا مستهلكةً لها، إن أحسنت استثمار وفرتها قبل أن تستنزفها.

غير أنّ الركيزة الأعمق التي يراها الكاتب جوهر المسألة كلّها ليست تقنيةً بل ثقافية: ألّا نُسلّم عقولنا للآلة تسليماً يجعل انقطاعها شللاً. فحين اعتدنا الكهرباء نسينا كيف نعيش بدونها، حتى صار انقطاعها لساعاتٍ كارثةً تشلّ المدن. والخطر أن نقع مع الذكاء الاصطناعي في تبعيةٍ أعمق؛ إذ تضمر مهاراتنا الأصيلة في الكتابة والحساب والتشخيص والقرار حتى نعجز عن استئنافها حين تغيب الآلة. إنّ المجتمع الذي يحتفظ بقدرته على العمل يدوياً حين تتعطّل أدواته الذكية هو وحده القادر على احتمال الانقطاع دون أن ينهار، تماماً كما أنّ من يملك مولّداً احتياطياً لا يخشى ظلمة الليل. فالصمود ليس في الآلة وحدها، بل في الإنسان الذي يبقى قادراً على الاستغناء عنها لحظة الضرورة.

ولعلّ الخلاصة الاستشرافية أنّ السؤال لم يعد «هل ستحدث انقطاعاتٌ رقمية؟»، فهي حادثةٌ لا محالة وقد بدأت بوادرها فعلاً، بل «كيف نبني بنيةً تجعل الانقطاع مزعجاً لا قاتلاً؟». لقد تعلّمت البشرية مع الكهرباء، بعد عقودٍ من الانقطاعات المؤلمة، أن تبني شبكاتٍ مترابطة ومحطّاتٍ احتياطيةً وأنظمة إنذارٍ مبكر، حتى صار الانقطاع في الدول المتقدّمة استثناءً نادراً لا قاعدةً يومية. والرهان أن نختصر مع الذكاء الاصطناعي هذا المنحنى المؤلم، فنبني صموده من البداية بدل أن نتعلّمه من كوارثه. فالتقنية لا تُقاس بألقها يوم تعمل، بل برحمتها بنا يوم تتعطّل. والمستقبل لن يكون لمن يملك أذكى الآلات، بل لمن يبني أكثرها قدرةً على الصمود حين تخذلنا. فهل نبني هذه المرّة بنيةً نثق بها لأنّها تعرف كيف تنهار بكرامة، أم ننتظر العتمة الرقمية لنكتشف، متأخّرين، أنّنا بنينا قصرنا على رمل؟