أيُّ خطٍّ فاصلٍ يبقى بين «أنا» و«أداتي» حين تصير الأداة قادرةً على أن تُكمِّل جملةً لم أنطق بها بعد، وأن تستحضر ذكرى نسيتُها، وأن تقرأ في توتّر صوتي ما لم أُفصح عنه لنفسي؟ ومتى بالضبط ينقلب ما نسمّيه «مساعدة» إلى ما يجدر بنا أن نسمّيه «امتداداً»، فلا يعود الذكاء الاصطناعي شيئاً نستعمله، بل جزءاً ممّا صرنا نكونه؟
ليست هذه أسئلةً ترفيّةً يطرحها خيالٌ علميّ متعجّل، بل أسئلةٌ تفرضها تقنياتٌ تتسرّب اليوم من المختبرات إلى الجيوب والمعاصم والآذان، بل وإلى داخل الجمجمة ذاتها.
فحين نتحدّث عن «الإنسان المعزَّز» فنحن لا نتحدّث عن كائنٍ خرافيّ نصفُه آلة، بل عن منحًى تدريجيّ صامت يبتلع فيه التعزيزُ الإنسانَ خطوةً خطوة، حتى يصير ما كان بالأمس أداةً خارجية امتداداً داخلياً لا نكاد نشعر به. ولعلّ خطورة هذا المنحى الصامت أنّه لا يأتي عبر قرارٍ واحدٍ كبيرٍ نقف عنده فنزن عواقبه، بل عبر آلاف القرارات الصغيرة التي يبدو كلٌّ منها بريئاً معزولاً: أن أدع التطبيق يقترح ردّي، وأن أثق بمساره في توجيهي، وأن أستعير ذاكرته بدل ذاكرتي، حتى أصحو يوماً فأجد أنّ جملةً طويلة من التنازلات الصغيرة قد أفضت بي إلى حيث ما كنت لأقبل أن أكون لو عُرض عليّ المصير دفعةً واحدة. ولعلّ أوّل ما ينبغي تفكيكه أنّ التعزيز ليس وليد لحظتنا؛ فالكتابة نفسها كانت تعزيزاً للذاكرة، حتى إنّ أفلاطون نقل في محاورة «فايدروس» تحذيراً قديماً من أنّ الاعتماد على الحرف المكتوب سيُضعف ملَكة الحفظ ويزرع في النفوس نسياناً متوهّماً علماً. وما النظّارة إلا تعزيزٌ للبصر، وما الساعة إلا تعزيزٌ لإحساسنا بالزمن. غير أنّ ما يجري اليوم يختلف اختلافاً جوهرياً في درجته حتى يكاد ينقلب اختلافاً في النوع: فللمرّة الأولى تصير الأداة قادرةً على أن تتعلّم منّا، وأن تتكيّف معنا، وأن تبادر بالاقتراح قبل أن نطلب، فتنتقل من كونها جماداً نطوّعه إلى كونها شريكاً يفاوضنا على قراراتنا. وقد لخّص المنظّر مارشال ماكلوهان هذا المنطق منذ ستينيات القرن الماضي حين رأى أنّ كلّ وسيلةٍ نخترعها إنما هي امتدادٌ لعضوٍ من أعضائنا أو لملَكةٍ من ملَكاتنا، فالعجلة امتدادٌ للقدم، والكتاب امتدادٌ للعين؛ لكنّه نبّه في الوقت ذاته إلى أنّ كلّ امتدادٍ يصاحبه «بترٌ» خفيّ لما يعزّزه، إذ يخدّر العضوُ المُعان حسَّه بقدر ما يُعان. وإذا صدق هذا في وسائلَ بليدةٍ لا تتعلّم، فما عساه يكون أثره في وسيلةٍ تتعلّم منّا وتتنبّأ بنا وتسبقنا إلى رغباتنا؟
ولكي نفهم أبعاد هذا التحوّل، لا بدّ من خلفيةٍ معرفية تميّز بين طبقاتٍ ثلاثٍ من التعزيز يخلطها الخطاب العام عادةً. الطبقة الأولى تعزيزٌ خارجيّ متّصل: هواتف وسمّاعاتٌ ونظّاراتٌ ذكية تجلس على حدود الجسد، تمدّنا بالمعلومة والترجمة الفورية والتذكير، دون أن تخترق نسيجنا الحيّ. والطبقة الثانية تعزيزٌ معرفيّ تشاركيّ، حيث تندمج النماذج اللغوية في تفكيرنا اليومي حتى نفوّض إليها جزءاً من عملية الاستدلال ذاتها؛ لا أن تنوب عنّا في الحساب فحسب، بل أن تشاركنا في صياغة الأفكار وترتيب الحجج. أمّا الطبقة الثالثة، الأكثر إثارةً للجدل، فهي التعزيز الجسديّ العصبيّ المباشر، حيث تُزرَع واجهاتٌ تربط الدماغ بالحاسوب. وقد نشرت دورية «نيتشر» دراساتٍ موثّقة عن مرضى شُلٍّ رباعيّ استعادوا القدرة على تحريك مؤشّرٍ على الشاشة، بل على نطق كلماتٍ، بمجرّد قصدهم الحركة أو الكلام، بفضل أقطابٍ تقرأ إشاراتهم العصبية وتترجمها فعلاً. وهنا تكمن المفارقة الأخلاقية الأولى: فالتقنية التي تردّ إلى المشلول كرامة الحركة هي نفسها التقنية التي قد تفتح، إن خرجت من سياقها العلاجي، باباً نحو «تحسينٍ» اختياريّ يعيد رسم حدود الطبيعة البشرية كلّها.
غير أنّ الخلفية وحدها لا تكفي؛ فالتحليل العميق يقتضي أن نقاوم إغراءَ السردية السائدة التي تختزل المسألة في ثنائيةٍ ساذجة: إمّا مديحٌ مبهورٌ لإنسانٍ خارقٍ تتضاعف قدراته، وإمّا رعبٌ من آلةٍ تبتلع الروح. ويرى الكاتب أنّ كلا الموقفين يخطئ موضع الخطر. فالخطر الحقيقي ليس في أن يصير الإنسان أقوى، بل في أن يصير أقلّ استقلالاً وهو يظنّ نفسه أقوى. ثمّة ظاهرةٌ وثّقتها أبحاثٌ في علم النفس المعرفي تُعرف بـ«التفريغ المعرفي»، مفادها أنّ العقل يتوقّف عن خزن ما يثق بأنّ أداةً خارجية ستخزنه عنه؛ وقد بيّنت دراساتٌ نُشرت في دورية «ساينس» أنّ الناس صاروا يتذكّرون «أين» تُخزَّن المعلومة لا «ما» هي المعلومة، حتى غدت محرّكات البحث ذاكرةً خارجية نعتمد عليها. وإذا كان هذا أثر البحث البسيط، فما بالنا بنظامٍ لا يخزّن المعلومة فحسب، بل يستدلّ ويقرّر ويقترح؟ يرى الكاتب أنّ التعزيز المعرفي، إن لم يُحكَم بوعي، لا يوسّع العقل بل يضمره؛ تماماً كالعضلة التي تذوي حين تحمل الآلةُ عنها ثقلها. والأخطر أنّ هذا الضمور يحدث بلذّةٍ لا بألم، فنحن لا نشعر بفقدان الملَكة، بل نشعر بالراحة، وهنا تكمن خبثُ المنزلق.
وثمّة بُعدٌ ثانٍ أعمق من الضمور الفردي، وهو الأثر في مفهوم الذات والهوية. فحين تندمج خوارزميةٌ في إدراكي حتى لا أكاد أميّز فكرتي من اقتراحها، يصير السؤال: من يفكّر حقاً؟ لقد طوّر الفيلسوفان آندي كلارك وديفيد تشالمرز منذ أواخر القرن الماضي ما سمّياه «أطروحة العقل الممتدّ»، ومفادها أنّ أدواتنا المعرفية ليست خارج عقولنا بل جزءاً منها، فالمفكّرة التي أدوّن فيها مواعيدي هي امتدادٌ حقيقيّ لذاكرتي لا مجرّد معينٍ لها. وإذا سلّمنا بهذا، فإنّ الذكاء الاصطناعي الذي يندمج في تفكيرنا يصبح جزءاً من «أنفسنا» المعرفية بالمعنى الحرفيّ لا المجازيّ. ويرى الكاتب أنّ هنا تحديداً يكمن أخطر سؤالٍ سياسيّ في القرن: فإذا كان جزءٌ من عقلي مملوكاً لشركةٍ تصمّم الخوارزمية، وتقرّر ما تقترحه عليّ وما تحجبه عنّي، فمن يملك عقلي إذاً؟ إنّ التعزيز الذي يبدو تحريراً للقدرة قد ينقلب، في غياب الحوكمة، استعباداً ناعماً للإرادة؛ لا بالقهر، بل بالتوجيه الخفيّ لما نراه ونرغبه ونقرّره، حتى نحسب أنّنا نختار بحرّيةٍ ونحن نسير في مسارٍ رُسم لنا.
وهنا يجد السياق العربي فرصته ومسؤوليته معاً. فالأمّة التي تستورد التعزيز جاهزاً تستورد معه قيم من صنعه وأولوياته وتحيّزاته، بينما الأمّة التي تشارك في صناعته تكتب شروطه. ولعلّ ما تنبّهت إليه رؤية المملكة 2030 حين جعلت الإنسان السعودي محور التنمية، ووظّفت التقنية أداةً في خدمة جودة الحياة لا غايةً تبتلع الإنسان، يقدّم بوصلةً في هذا المنعطف: أن نبني القدرة الوطنية في هذه التقنيات الحسّاسة من القاعدة، عبر التعليم والبحث والتشريع، فلا نكون مجرّد سوقٍ تُجرَّب عليها أدوات التعزيز، بل طرفاً يصوغ ضوابطها بما يحفظ كرامة الإنسان وخصوصيته. وتذكّرنا دراساتٌ متلاحقة في كلية هارفارد للأعمال بأنّ أعظم العائد من هذه التقنيات يأتي حين يُعاد تصميم العمل ليكمّل فيه الإنسانُ الآلة لا أن تحلّ محلّه، وهو درسٌ ينسحب على الأمم كما ينسحب على الأفراد.
فإلى أين يمضي بنا هذا المنعطف؟ يرى الكاتب أنّ الإنسان المعزَّز لن يكون كائناً نصفه آلة كما تصوّره الأفلام، بل سيكون — على الأرجح — نحن أنفسنا، بعد أن نسينا متى بدأ التعزيز ومتى صرنا لا نتصوّر الحياة دونه، كما لا نتصوّرها اليوم دون الكتابة أو الكهرباء. والسؤال الذي سيحدّد مصيرنا ليس «هل نتعزّز؟»، فهذا قد حُسم، بل «من يكتب شروط التعزيز، ولأيّ غاية؟». فإن تركنا الإجابة لمن يصمّم الأداة وحده، صرنا امتداداً لأهدافه نحن لا العكس. أمّا إن أمسكنا بزمام السؤال، فإنّ التعزيز قد يصير ما ينبغي أن يكونه: لا بديلاً عن إنسانيتنا، بل وسيلةً لتحريرها من قيود الجسد والذاكرة كي تتفرّغ لما لا تقدر عليه آلةٌ مهما تعاظمت — أن تحبّ، وأن تتساءل عن المعنى، وأن تختار بحرّيةٍ تتحمّل تبعتها. وتبقى المفارقة الأخيرة التي يتركها الكاتب معلّقة: أنّ أصدق اختبارٍ لإنسانيتنا في عصر التعزيز لن يكون في ما نستطيع أن نضيفه إلى أنفسنا، بل في ما نملك الشجاعة أن نرفض إضافته؛ فالقدرة على قول «لا» للأداة قد تكون آخر ما يبقى لنا من حرّية، وأنبل ما يجعلنا بشراً.