شركة بوابات الخير للذكاء الاصطناعي

الطابق الأول، المبنى 7، المنطقة أ طريق المطار، البوابة الاقتصادية ص.ب 93597 الرياض 11683، المملكة العربية السعودية

0112611571

+966570709955

الاقتصاد اللامركزي للذكاء الاصطناعي

من يملك العقول الاصطناعية التي تكتب أحكامنا وتقرأ سِيَرنا الذاتية وتقدّر جدارتنا الائتمانية؟ السؤال ليس بلاغياً، فبضع شركات لا تتجاوز أصابع اليد تتحكم اليوم في النماذج الكبرى التي صارت تتوسط بيننا وبين معارفنا، وتقف على بوابات المعرفة كحارسٍ يقرر من يدخل ومن يُحجَب. لقد وُعِدنا بأن الذكاء الاصطناعي سيكون قوةً ديمقراطيةً تضع المعرفة في متناول كل يد، فإذا بنا أمام مفارقةٍ مقلقة، إذ كلما اتسعت قدرة هذه الأدوات تركّزت ملكيتها، وكلما عمّ نفعها الظاهر ضاقت دائرة المتحكمين فيها. فهل قُدّر للتقنية التي يُفترض أن تحرر العقول أن تعيد إنتاج أعتى صور التمركز التي عرفها الاقتصاد الحديث؟

لفهم هذه المعضلة لا بد من العودة إلى طبيعة هذه التقنية في جذرها الاقتصادي. النموذج اللغوي الكبير ليس برمجيةً تُكتب مرةً وتُنسخ بلا كلفة، بل بنيةٌ تتطلب ثلاثة موارد نادرة مجتمعة، هي البيانات الهائلة، والقدرة الحاسوبية الباهظة، والكفاءات البشرية النادرة. وقد بيّنت أبحاثٌ صادرة عن مختبر ستانفورد للذكاء الاصطناعي المتمحور حول الإنسان، في تقريره السنوي عن مؤشر الذكاء الاصطناعي، أن كلفة تدريب النماذج الرائدة تضاعفت مراراً حتى بلغت عشرات الملايين بل مئاتها من الدولارات للنموذج الواحد، وهو رقمٌ يضع التدريب من حيث المبدأ خارج متناول الجامعات والدول النامية والشركات الناشئة. وحين تصبح القدرة على بناء العقل الاصطناعي حكراً على من يملك مراكز بياناتٍ بحجم مدن صغيرة، فإن السؤال يتحول من سؤالٍ تقني إلى سؤالٍ عن توزيع القوة في المجتمع برمّته.

هنا يكمن جوهر ما يسمّيه الباحثون اقتصاد الذكاء الاصطناعي، وهو حقلٌ يدرس كيف تتولد القيمة وتُوزّع حين تصبح القدرة على التنبؤ والتوليد سلعةً تُباع وتُشترى. ويرى الكاتب أن أخطر ما في هذا الاقتصاد ليس تركّز الثروة المالية فحسب، بل تركّز شيءٍ أعمق وأخطر، وهو القدرة على تشكيل الإدراك ذاته. فمن يملك النموذج الذي يجيب على أسئلة مليارٍ من البشر يومياً يملك سلطةً ناعمةً على ما يُعرف وما يُجهل، وعلى ما يُرى جديراً بالاهتمام وما يُدفع إلى هامش النسيان. وقد حذّرت دراساتٌ منشورةٌ عن كلية كينيدي للحكم بجامعة هارفارد من أن تمركز البنية التحتية الرقمية في أيدٍ قليلة يخلق نقاط اختناقٍ تتجاوز خطورتها ما عرفناه في عصر احتكارات النفط والسكك الحديدية، لأن السلعة هنا ليست مادةً خاماً بل هي الوسيط المعرفي الذي يصوغ القرارات.

وثمة بُعدٌ تاريخيٌّ يضيء هذه المفارقة، فالتقنيات الكبرى التي بشّرت بالتحرر كثيراً ما انتهت إلى عكس وعدها الأول. لقد وُلدت الطباعة لتكسر احتكار النساخ للمعرفة، ثم تمركزت في أيدي دور النشر الكبرى. ووُلدت الشبكة العنكبوتية مفتوحةً موزّعةً بلا مالكٍ واحد، ثم انكمشت تدفقات اهتمام البشر فيها إلى حفنةٍ من المنصات. ويرى الكاتب أن الذكاء الاصطناعي يقف اليوم عند المفترق ذاته، فإما أن نتعلم من هذا النمط المتكرر فنتدخل مبكراً لحماية انفتاحه، وإما أن نكرر الخطأ القديم منتظرين أن يصحح السوق نفسه بنفسه، وهو رجاءٌ لم تحققه التقنيات السابقة قط. والفارق هذه المرة أن النافذة الزمنية للتدخل أضيق، لأن العوائد المتزايدة على الحجم في هذا الحقل تجعل المتقدم يزداد تقدماً بوتيرةٍ يصعب اللحاق بها لاحقاً.

شاطئ الجبيل غير أن الصورة ليست محكومةً بقدرٍ واحد، وهنا تنفتح الرؤية المخالفة للسائد. فبينما يسود خطابٌ تشاؤميٌّ يرى التمركز مصيراً حتمياً، يرى الكاتب أن في بنية هذه التقنية ذاتها بذوراً لامركزيةً قادرةً على قلب المعادلة إن أحسنّا رعايتها. فالموجة الثانية من تطور الذكاء الاصطناعي، وهي موجة النماذج المفتوحة المصدر، أثبتت أن الفجوة بين النماذج المغلقة الباهظة والنماذج المتاحة للجميع تتقلص بوتيرةٍ أسرع مما توقع المتشائمون. وقد رصد باحثون في معهد ماساتشوستس للتقنية ضمن مبادرة الاقتصاد الرقمي أن قدرة النماذج المفتوحة لحقت بنظيراتها المغلقة في كثيرٍ من المهام خلال شهورٍ لا سنوات، وأن هذا التقارب يعيد توزيع القدرة التوليدية على قاعدةٍ أوسع بكثير مما كان متصوراً. فحين يستطيع باحثٌ في الرياض أو مطورٌ في عمّان أن يبني تطبيقاً متقدماً فوق نموذجٍ مفتوحٍ دون أن يستأذن شركةً عابرةً للقارات، فإن شيئاً من القوة قد عاد فعلاً إلى الأطراف.

شاطئ الجبيل ولا يقف الأمر عند انفتاح النماذج، بل يتعداه إلى ما يسمّيه الاقتصاديون الكفاءة عند الحافة. فالاتجاه التقني يميل اليوم إلى تصغير النماذج لا تضخيمها فحسب، إذ ظهرت نماذجُ صغيرةٌ قادرةٌ على العمل داخل الهاتف ذاته دون الحاجة إلى الاتصال بمراكز بياناتٍ بعيدة. وهذا التحول، وإن بدا تفصيلاً هندسياً، يحمل في طياته ثورةً في توزيع القوة، لأنه ينقل المعالجة من السحابة المركزية المملوكة للقلة إلى الجهاز الفردي المملوك للكثرة. ويرى الكاتب أن هذا المسار، أي مسار الذكاء الموزّع على الأطراف، هو أرجى السبل لكسر الاحتكار، لأنه يجعل المستخدم مالكاً لأداته لا مستأجراً لها، ويعيد إلى مفهوم الخصوصية معناه حين تبقى بياناته في جهازه لا تغادره إلى خوادم لا يعرف أصحابها.

على أن اللامركزية الحقيقية لا تُختزل في التقنية وحدها، بل تتطلب بنيةً اقتصاديةً وتنظيميةً تسندها. وقد دعت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في مبادئها بشأن الذكاء الاصطناعي إلى ضمان عدالة الوصول وتعدد الفاعلين، محذرةً من أن ترك السوق لمنطقه الذاتي يفضي إلى تمركزٍ يقوّض المنافسة والابتكار معاً. كما نبّه المنتدى الاقتصادي العالمي في تقاريره عن مستقبل الوظائف إلى أن الفجوة الرقمية بين الأمم قد تتحول، إن لم تُعالَج، إلى فجوةٍ معرفيةٍ يصعب ردمها، إذ تصبح الدول المنتجة للنماذج في موقع المتبوع، والدول المستهلكة لها في موقع التابع الدائم. وهنا تحديداً يبرز الرهان العربي والسعودي، فرؤية المملكة 2030 حين تستثمر في البنية الحاسوبية الوطنية وفي بناء نماذجَ عربيةٍ كبرى، إنما تتموضع في الجانب الصحيح من هذه المعادلة، أي في جانب من ينتج العقل الاصطناعي لا من يستأجره، ومن يصوغ لغته الرقمية لا من يتلقاها مترجمةً عن غيره.

ولعل اللغة العربية ذاتها تقدّم مثالاً ناصعاً على المخاطر والفرص معاً. فالنماذج الكبرى المغلقة دُرّبت في غالبها على بحرٍ من النصوص الإنجليزية، فجاء تمثيلها للعربية وثقافتها أضعف وأكثر تحيّزاً، حتى صارت لغة الضاد في كثيرٍ من هذه الأنظمة لغةً من الدرجة الثانية يُقاس فهمها بمقياس غيرها. ويرى الكاتب أن هذا وحده مسوّغٌ كافٍ لئلا تترك الأمة عقلها الرقمي رهينةً لمختبراتٍ لا تعنيها خصوصيتها اللغوية ولا تراثها المعرفي. فحين تبني المؤسسات العربية نماذجها الخاصة المدرّبة على متونها وأدبها وفقهها وعلومها، فإنها لا تحقق استقلالاً تقنياً فحسب، بل تصون معنىً حضارياً من أن يُختزل في ترجمةٍ شاحبة. واللامركزية هنا ليست شعاراً اقتصادياً مجرداً، بل هي شرطٌ لبقاء التعدد الثقافي في عالمٍ تتسارع فيه نمذجة المعرفة كلها.

ولا يفوت الكاتب أن يشير إلى بُعدٍ أخلاقيٍّ كثيراً ما يُهمَل في هذا النقاش، وهو أن اللامركزية ليست خيراً مطلقاً بذاتها. فإذا كان تمركز القوة يهدد بالطغيان، فإن تشتتها المنفلت بلا حوكمةٍ قد يهدد بالفوضى وانتشار الاستخدامات الضارة. وقد ناقش باحثون في جامعة أكسفورد ضمن أعمالها حول حوكمة الذكاء الاصطناعي هذه المفارقة بدقة، خالصين إلى أن الغاية ليست لامركزيةً عمياء بل توزيعٌ مسؤولٌ للقوة يقترن بأطرٍ للمساءلة. ويرى الكاتب أن النموذج الأمثل هو ما يمكن تسميته باللامركزية المحكومة، أي بنيةٌ تُتاح فيها الأدوات للجميع مع بقاء معايير الأمان والشفافية مشتركةً وملزمة، فلا تتركّز القوة في القلة ولا تنفلت إلى عبثٍ بلا ضابط.

وإذا أردنا ترجمة هذه الرؤية إلى ركائزَ عملية، فإنها تقوم على أربع. أولاها الاستثمار في البنية الحاسوبية المشتركة، بحيث تتيح الدول والمؤسسات قدرةً حاسوبيةً للباحثين والشركات الناشئة بأسعارٍ عادلة، أسوةً بما تتيحه المرافق العامة من كهرباءٍ وماء. وثانيتها تبنّي النماذج المفتوحة ودعمها، لا بوصفها بديلاً ناقصاً عن المغلقة، بل بوصفها بنيةً تحتيةً عامةً تُبنى عليها الابتكارات المحلية. وثالثتها بناء رأس المال البشري، إذ لا تكفي الخوادم ما لم تُسنَد بكفاءاتٍ وطنيةٍ قادرةٍ على التدريب والضبط والتطوير، وهنا يصبح التعليم التقني استثماراً سياديّاً لا ترفاً. ورابعتها صياغة أطرٍ تنظيميةٍ تحمي المنافسة وتمنع نقاط الاختناق، فتُلزم المتحكمين في البنى الكبرى بإتاحتها على نحوٍ عادلٍ وغير تمييزي.

ولهذه الركائز شرطٌ جامعٌ كثيراً ما يُغفل، وهو الثقافة العامة بالذكاء الاصطناعي. فلا تكفي إتاحة الأدوات إن بقي عامة الناس عاجزين عن تطويعها، إذ تتحول الإتاحة الشكلية حينئذ إلى تبعيةٍ من نوعٍ جديد، يكتفي فيها الجمهور بالاستهلاك بينما تبقى القدرة على البناء حكراً على القلة. ويرى الكاتب أن أعمق صور اللامركزية ليست في توزيع الخوادم بل في توزيع الفهم، أي في أن يدرك أكبر عددٍ من الناس كيف تعمل هذه النماذج وأين تخطئ وكيف تُساءل. فالمجتمع الذي يتقن نقد أداته أقدر على امتلاكها من المجتمع الذي يقدّسها أو يخشاها، والوعي النقدي بحدود الذكاء الاصطناعي هو خط الدفاع الأول ضد أن تتحول قوته إلى وصايةٍ صامتة.

يبقى السؤال الأعمق معلّقاً، وهو سؤالٌ عن نوع المستقبل الذي نختاره، لا عن المستقبل الذي يُفرض علينا. فالذكاء الاصطناعي ليس قدَراً يهبط من السماء بصورةٍ واحدة، بل هو حصيلة قراراتٍ نتخذها اليوم بشأن من يملك ومن يصل ومن يُحكَم. ويرى الكاتب أن المعركة الحقيقية في العقد القادم لن تكون بين الإنسان والآلة كما يُشاع، بل بين رؤيتين لتوزيع القوة التي تمنحها الآلة، رؤيةٍ تحصرها في القلة باسم الكفاءة والأمان، ورؤيةٍ توزّعها على الجميع باسم العدالة والكرامة. والمجتمعات التي ستزدهر في هذا العصر ليست بالضرورة أغناها بالخوادم، بل أحكمها في توزيع ثمار هذه التقنية على أوسع نطاق. فإن أردنا لاقتصاد الذكاء الاصطناعي أن يكون اقتصاد تحريرٍ لا اقتصاد تبعية، فعلينا أن نبدأ الآن، قبل أن تُصبّ بنى القوة في قوالبها النهائية، فنستيقظ يوماً على عالمٍ صارت فيه العقول الاصطناعية ملكاً لقلةٍ تفكر نيابةً عن الكثرة، وقد فات أوان السؤال عمّن يملكها.