هل سألتَ نفسَك يوماً لماذا نطالبُ الذكاءَ الاصطناعيَّ بأن يكونَ "مسؤولاً"، بينما نُعفي أنفسَنا، نحن مستخدِميه، من المسؤوليةِ ذاتِها؟ يجري الحديثُ، في المؤتمراتِ وأروقةِ التشريع، عن أخلاقياتِ الخوارزميةِ وانحيازاتِ النموذج، وكأنّ المسؤوليةَ صفةٌ تُحقَنُ في السيليكون، في حين أنّ الأداةَ — مهما بلغت من ذكاء — لا تملكُ ضميراً ولا نيّةً ولا حساباً. المفارقةُ الصامتةُ أنّنا نُسقطُ على الآلةِ عبئاً أخلاقياً هو، في جوهرِه، عبؤنا نحن؛ فالمسؤوليةُ لا تسكنُ في الكودِ، بل في اليدِ التي تكتبُ الأمرَ، والعقلِ الذي يقرأُ الجواب، والقرارِ الذي يُتّخَذُ بناءً عليه. وما لم نُعِدْ توطينَ هذه المسؤوليةِ في الإنسانِ نفسِه، سيظلُّ خطابُ "الذكاءِ المسؤول" تعويذةً نُردّدُها لنطمئنَّ، لا التزاماً نمارسُه لنحتمي.
إنّ أخطرَ ما في الأدواتِ الجبّارةِ أنّها تُغري حاملَها بالوهمِ بأنّ القوّةَ تُغني عن الحكمة، وأنّ امتلاكَ الجوابِ يُغني عن فهمِ السؤال. وما من تقنيةٍ في التاريخِ منحت الإنسانَ هذا القدرَ من القوّةِ بهذا القدرِ من اليُسر، ومن طبائعِ القوّةِ السهلةِ أنّها تُفسِدُ صاحبَها إن لم يحرسْها وعيٌ يقظ. ولذلك فإنّ الحديثَ عن الاستخدامِ المسؤولِ ليس وعظاً أخلاقياً مُقحَماً على موضوعٍ تقنيّ، بل هو صميمُ المسألةِ وعمودُها الفقريّ.
لنفهمَ حجمَ التحوّلِ، يحسنُ أن نعودَ قليلاً إلى نشأةِ هذا القلق. لم يولد السؤالُ الأخلاقيُّ عن الآلةِ مع النماذجِ التوليدية؛ فمنذ أن صاغ عالِمُ الرياضياتِ نوربرت فينر مبادئَ "السبرانية" في منتصفِ القرنِ الماضي، حذّر من أنّ تفويضَ القرارِ لآلةٍ لا تفهمُ غايتَنا الحقيقيةَ قد يقودُنا إلى نتائجَ نندمُ عليها بمرارة. غير أنّ الفارقَ بين زمنِه وزمنِنا فارقٌ في الطبيعةِ لا في الدرجة. فالأنظمةُ القديمةُ كانت محصورةً في المختبرِ والمصنع، أمّا اليومَ فقد دخل الذكاءُ الاصطناعيُّ التوليديُّ جيبَ كلِّ فرد، يكتبُ رسائلَه، ويشخّصُ أعراضَه، ويُربّي أبناءَه بالنصيحة، ويصوغُ قراراتِه المالية. وقد رصد مؤشرُ ستانفورد للذكاء الاصطناعي في تقاريرِه السنويةِ الأخيرةِ تسارعاً لافتاً في تبنّي هذه الأدواتِ على مستوى الأفرادِ والمؤسّسات، بمعدّلاتٍ تجاوزت كلَّ ما سبقها من موجاتٍ تقنية. لم تعُدِ المسؤوليةُ، إذن، ترفاً يخصُّ المهندسين في وادي السيليكون، بل صارت مهارةً يوميةً يحتاجُها كلُّ من يحملُ هاتفاً. والأخطرُ أنّ هذا الانتشارَ السريعَ سبق نضجَ وعيِنا الجمعيِّ بحدودِ الأداةِ ومخاطرِها، فصارت بين أيدينا قوّةٌ لم نتدرّبْ بعدُ على ترويضِها.
وهنا يبرزُ البُعدُ الأوّلُ الذي كثيراً ما يُساءُ فهمُه: طبيعةُ الخطأِ في هذه النماذج. فالنموذجُ اللغويُّ لا "يعرفُ" بالمعنى الإنسانيِّ، بل يتنبّأُ بالكلمةِ الأرجحِ إحصائياً، وهو ما يجعلُه قادراً على أن يَسوقَ إليك معلومةً مختلقةً تماماً بثقةٍ بلاغيةٍ تفوقُ ثقتَه حين ينقلُ حقيقةً راسخة. هذه الظاهرةُ، التي اصطُلِح على تسميتِها بـ"الهلوسة"، ليست عطباً عارضاً يُنتظَرُ إصلاحُه، بل سمةٌ بنيويةٌ في آليةِ عملِ النموذجِ ذاتِها. وقد نبّهت أبحاثٌ في جامعةِ أكسفورد إلى أنّ خطورةَ هذه المخرجاتِ لا تكمنُ في كونِها خاطئةً فحسب، بل في كونِها مقنعةً ومصقولةً لغوياً إلى حدٍّ يُسكِتُ حذرَ القارئِ ويُغريه بالتسليم. والمفارقةُ الموجعةُ أنّ النموذجَ كلّما ازدادت فصاحتُه ازدادت قدرتُه على تمريرِ الباطلِ في ثوبِ الحقّ، فبلاغتُه سلاحٌ ذو حدّين. ومن هنا يرى الكاتبُ أنّ المهارةَ الأولى في الاستخدامِ المسؤولِ ليست إتقانَ صياغةِ الأوامر، بل إتقانَ الارتيابِ المنهجيِّ: أن تتعاملَ مع كلِّ مخرجٍ بوصفِه فرضيةً تحتاجُ تحقّقاً، لا حُكماً نهائياً يستحقُّ الإذعان. فالقارئُ الناقدُ في زمنِ النماذجِ أثمنُ من الكاتبِ المنتِج؛ لأنّ غزارةَ الإنتاجِ صارت رخيصةً، وندرةَ التمحيصِ صارت غالية.
ولا يقفُ الأمرُ عند الدقّةِ المعرفية، بل يمتدُّ إلى ما هو أعمقُ وأخطر: خصوصيةُ الإنسانِ وبياناتُه. فكلُّ سؤالٍ تطرحُه، وكلُّ ملفٍّ ترفعُه، وكلُّ سرٍّ تبوحُ به لمساعدِك الرقميّ، قد يصيرُ مادّةً تُعالَجُ وتُخزَّنُ وربما تُستخدَمُ لاحقاً. وقد شدّدت منظّمةُ التعاونِ الاقتصاديِّ والتنميةِ في مبادئِها بشأنِ الذكاء الاصطناعي على مركزيةِ الشفافيةِ واحترامِ خصوصيةِ الأفراد بوصفِها ركيزةً لا تقبلُ المساومة. والمفارقةُ أنّ كثيرين يبذلون أسرارَهم الصحّيةَ والماليةَ والعائليةَ لنموذجٍ لا يقرؤون شروطَ استخدامِه، في الوقتِ الذي يُحكِمون فيه إغلاقَ نوافذِ بيوتِهم على الغرباء. لقد تحوّل المستخدِمُ نفسُه، في كثيرٍ من النماذجِ المجّانية، من زبونٍ إلى منتَج؛ إذ تُصبحُ بياناتُه هي الثمنَ الخفيَّ الذي يدفعُه مقابلَ الخدمةِ التي يظنّها بلا مقابل. الوعيُ المسؤولُ، في تقديري، يبدأُ من سؤالٍ بسيطٍ يسبقُ كلَّ تفاعل: ماذا لو نُشِر هذا الذي أكتبُه على الملأ؟ فإن كان جوابُك القلق، فموضعُه ليس حقلَ الإدخال.
أمّا البُعدُ الثالثُ، وهو الأخطرُ على المدى الطويل، فهو ما تكشفُه أبحاثُ العلمِ المعرفيِّ من خطرٍ صامت: ضمورُ المَلَكاتِ التي نكفُّ عن ممارستِها. فكما خبا إحساسُنا بالاتجاهاتِ بعد أنظمةِ الملاحةِ التي تُسيّرُنا، قد تخبو قدرتُنا على التفكيرِ النقديِّ والكتابةِ والاستدلالِ إن أوكلناها بالكاملِ إلى النموذج. وقد نبّهت دراساتٌ حديثةٌ — منها عملٌ بحثيٌّ بمشاركةِ باحثين من مايكروسوفت — إلى أنّ الثقةَ العاليةَ في مخرجاتِ الذكاءِ الاصطناعيِّ قد تقترنُ بتراجعٍ في الجهدِ المعرفيِّ النقديِّ لدى المستخدِم. وهنا تنبثقُ رؤيةٌ مخالفةٌ للسائد: الخطابُ الرائجُ يبشّرُنا بأنّ هذه الأدواتِ "تُحرّرُ" عقولَنا للتفرّغِ لما هو أرقى، غير أنّ التحريرَ بلا انضباطٍ قد يكونُ تسريحاً للملَكَةِ لا تحريراً لها. فالعقلُ عضلةٌ، وما لا يُمارَسُ يضمُر، والأداةُ التي تُريحُ التفكيرَ قد تُنيمُه إن لم نُبقِ الإنسانَ حاكماً في الحلقةِ لا متلقّياً مذعناً. وما أشبهَ ذلك بمن يستأجرُ من يحملُ عنه أثقالَه طوالَ العمر، فيكسبُ راحةَ اليومِ ويخسرُ قوّةَ العضلةِ التي كانت ستحملُه غداً حين يغيبُ الأجير.
وثمّةَ بُعدٌ رابعٌ يندرُ أن يُلتفَتَ إليه وسطَ الانبهارِ بالقدراتِ التقنية: البُعدُ الاجتماعيُّ والعلائقيُّ للأداة. فحين يستبدلُ المرءُ الحوارَ مع البشرِ بحوارٍ لا ينقطعُ مع مساعدٍ رقميٍّ لا يملُّ ولا يعترضُ ولا يخالف، فإنّه قد يفقدُ تدريجياً مهارةَ التفاوضِ مع الاختلاف، وهي عصبُ الحياةِ المشتركة. لقد نبّهت أبحاثٌ في معهدِ ماساتشوستس للتكنولوجيا حول علاقةِ الإنسانِ بالآلاتِ الاجتماعيةِ إلى أنّ الراحةَ التي توفّرُها الرفقةُ الاصطناعيةُ قد تأتي على حسابِ صلابةِ الروابطِ الإنسانيةِ الحقيقيةِ التي تنمو بالاحتكاكِ والمساءلةِ والصبرِ على الآخر. والاستخدامُ المسؤولُ، من هذه الزاوية، لا يصونُ عقلَ الفردِ فحسب، بل يصونُ نسيجَ الجماعةِ من التفكّكِ الناعمِ الذي يتسلّلُ حين تصيرُ الآلةُ أيسرَ من الإنسانِ وأطوعَ. والحكمةُ أن نجعلَ الأداةَ جسراً إلى الناسِ لا جداراً يحجبُنا عنهم.
يرى الكاتبُ أنّ جوهرَ الاستخدامِ المسؤولِ يتلخّصُ في مبدأٍ واحد: أن تظلَّ القرارَ النهائيَّ ملكاً للإنسان، وأن يبقى الذكاءُ الاصطناعيُّ مستشاراً لا وصيّاً. فحين نسلّمُ للآلةِ زمامَ القرارِ في الأمورِ المصيريةِ — من التشخيصِ الطبّيِّ إلى الحكمِ القضائيِّ إلى تقييمِ الجدارةِ الائتمانية — فإنّنا لا نُفوّضُ المهمّةَ فحسب، بل نُفوّضُ المسؤوليةَ الأخلاقيةَ ذاتَها لكائنٍ عاجزٍ عن حملِها. وقد حذّرت دراساتٌ في كليةِ هارفارد للأعمال حول ما سُمّي "حدودَ الذكاء الاصطناعي المسنّنة" من أنّ النماذجَ تتفوّقُ تفوّقاً باهراً داخلَ حدودِها، لكنّها تنهارُ وتُضلّلُ مستخدِميها حين تتجاوزُها دون أن يشعروا. كما خلُصت تجربةٌ ميدانيةٌ شارك فيها باحثون من معهدِ ماساتشوستس للتكنولوجيا بالتعاونِ مع شركةِ بوسطن الاستشاريةِ إلى أنّ الاستعانةَ بالنماذجِ ترفعُ الأداءَ في المهامِّ الواقعةِ ضمنَ قدراتِها، بينما تُهبطُه في المهامِّ الخارجةِ عن حدودِها — وهي مفارقةٌ تؤكّدُ أنّ الأداةَ تُضاعِفُ حُكمَ صاحبِها صواباً كان أو خطأً. ولهذا فإنّ المهارةَ الإنسانيةَ الأثمنَ في هذا العصرِ لم تعُدْ إنجازَ المهمّة، بل الحكمَ على متى يُوثَقُ بالآلةِ ومتى يُرتابُ فيها — وهو حكمٌ لا يصدرُ إلّا عن عقلٍ ظلّ يتمرّنُ، لا عقلٍ استراحَ حتى صدِئ.
ومن هذه المبادئِ الكلّيةِ تتفرّعُ ركائزُ عمليةٌ يمكنُ للفردِ أن يبنيَ عليها حياتَه الرقميةَ الآمنة. أولاها قاعدةُ التحقّقِ المزدوج: لا تَبنِ قراراً ذا أثرٍ على مخرجٍ واحدٍ دون مراجعةِ مصدرٍ مستقلٍّ موثوق، خصوصاً في المسائلِ الطبّيةِ والقانونيةِ والمالية. وثانيتُها حفظُ الخصوصية: عامِلْ كلَّ ما تكتبُه بوصفِه قابلاً للكشف، وامتنِعْ عن إيداعِ الأسرارِ الحسّاسةِ في أنظمةٍ لا تضمنُ سريّتَها. وثالثتُها الشفافيةُ والإفصاح: حين يدخلُ الذكاءُ الاصطناعيُّ في عملِك أو في محتوًى تنشرُه، فالأمانةُ تقتضي الإفصاحَ عنه لا إخفاءَه؛ فإخفاءُ يدِ الآلةِ في عملٍ يُنسَبُ إليك ضربٌ من تزييفِ العلاقةِ مع من يثقُ بك. ورابعتُها صيانةُ الملَكَة: خصِّصْ مساحاتٍ تفكّرُ فيها وتكتبُ وتستدلُّ بنفسِك، حفاظاً على عضلةِ العقلِ من الضمور. وخامستُها الوعيُ بالانحياز: تذكّرْ أنّ النموذجَ يعكسُ بياناتِ تدريبِه بما فيها من تحيّزاتٍ ثقافيةٍ ولغوية، وأنّ ما يقدّمُه بوصفِه "محايداً" قد يحملُ منظوراً بعينِه لا يلائمُ سياقَك العربيَّ ولا قيمَك. وسادستُها تربيةُ النشءِ على هذه العادات، فالطفلُ الذي ينشأُ معتمداً على الآلةِ في كلِّ صغيرةٍ وكبيرةٍ قد يكبرُ عاجزاً عن خوضِ معركةِ المعنى وحدَه.
وفي السياقِ العربيِّ تحديداً، يكتسبُ هذا الوعيُ المسؤولُ بُعداً استراتيجياً يتجاوزُ الفردَ إلى الأمّة. فرؤيةُ السعوديةِ ألفين وثلاثين، بما تحملُه من طموحٍ في التحوّلِ الرقميِّ وبناءِ اقتصادٍ معرفيٍّ متقدّم، لا تُختزَلُ في استيرادِ الأدواتِ وتكديسِها، بل في تنشئةِ جيلٍ يُحسِنُ مساءلتَها وتوظيفَها بوعيٍ نقديٍّ يصونُ الهويةَ ويخدمُ القيم. فالأمّةُ التي تتبنّى الذكاءَ الاصطناعيَّ دون أن تُربّيَ مواطنيها على الاستخدامِ المسؤولِ كمن يبني ناطحاتِ سحابٍ على أساساتٍ من رمل. وقد أشار المنتدى الاقتصادي العالمي في تقاريرِه عن مستقبلِ المهاراتِ إلى أنّ الكفاءاتِ الأكثرَ طلباً في العقدِ القادمِ ستكونُ تلك التي تُكمّلُ الآلةَ لا تلك التي تنافسُها، وفي مقدّمتِها التفكيرُ النقديُّ والحكمُ الأخلاقيُّ والمرونةُ المعرفية. والمستقبلُ الذي يلوحُ في الأفقِ لن يقسمَ الناسَ إلى من يملكُ الأداةَ ومن لا يملكُها — فالأداةُ ستصيرُ متاحةً للجميع — بل إلى من يُحسِنُ حوكمةَ عقلِه في حضرتِها ومن يستسلمُ لها. ولعلّ أصدقَ ما يمكنُ أن نزرعَه في أبنائِنا اليومَ ليس مهارةَ استخدامِ النموذج، بل حكمةَ معرفةِ متى نُغلقُه ونعودُ إلى أنفسِنا؛ فالذكاءُ الحقيقيُّ، في نهايةِ المطاف، ليس في ما تعرفُه الآلةُ، بل في ما نختارُ نحن أن نظلَّ مسؤولين عنه.