أيهما أعجزُ حقاً: الفقيرُ الذي تعوزه الموارد، أم المنظومةُ الغنيّةُ بالبيانات التي تعرف أين يقبع الجوعُ والأمّيةُ والمرضُ ثم تعجز عن أن توصل إليه يدَ العون في الوقت المناسب؟
لقد ألِفنا أن نتحدّث عن الفقر بوصفه شُحّاً في المال، وعن الأمّية بوصفها غياباً للمدارس، وعن سوء توزيع الموارد بوصفه نقصاً في الإنتاج.
غير أنّ القراءة المتأنّية لمآسي العالم المعاصر تكشف أنّ كثيراً منها ليس أزمةَ ندرةٍ بقدر ما هو أزمةُ توجيهٍ ومعرفة. فالغذاء يُهدر بمقادير هائلة بينما يجوع ملايين، والمساعدات تُصرف بلا بوصلةٍ دقيقة تعرف من يحتاجها أكثر، والطفل الذي يتعثّر في القراءة يُترك لمصيره لأنّ المعلّم الواحد لا يطيق أن يتتبّع ثلاثين تعثّراً مختلفاً في آنٍ واحد. وهنا، في هذه الفجوة بين ما نملك من معرفةٍ وما نحسن توجيهه منها، يولد ما صار يُعرف بالابتكار الاجتماعي المدعوم بالذكاء الاصطناعي؛ ذلك الحقل الذي لا يَعِد بمالٍ جديد، بل بعقلٍ يُحسن إدارة ما هو قائم.
والخلفية المعرفية لهذا التحوّل أعمقُ ممّا توحي به النشرات الحماسية. فالذكاء الاصطناعي في جوهره آلةٌ لاكتشاف الأنماط في كمياتٍ من البيانات يعجز العقل البشري عن استيعابها، وهذا بالضبط ما تفتقده مؤسّسات العمل الاجتماعي التقليدية. وقد بيّنت دراساتٌ في مختبر عبد اللطيف جميل لمكافحة الفقر بمعهد ماساتشوستس للتقنية، عبر تجاربها الميدانية المضبوطة، أنّ الفارق بين برنامجٍ تنمويٍّ ينجح وآخر يُهدر موارده لا يكمن غالباً في حجم الإنفاق، بل في دقّة استهداف من يستحقّ ومتى وكيف. فحين تتحوّل المساعدة من توزيعٍ عشوائيٍّ إلى تدخّلٍ موجّهٍ ببيّنة، يتضاعف أثر كلّ ريالٍ يُنفق. ويرى الكاتب أنّ أعظم ما يقدّمه الذكاء الاصطناعي للعمل الإنساني ليس الأتمتة، بل البصيرة؛ أي القدرة على أن نرى في زحام البيانات وجوهَ المحتاجين الحقيقيين قبل أن تبتلعهم الأرقام المجمّعة.
ولنأخذ الفقر أولاً، بوصفه أمّ المعضلات الاجتماعية. فالتحدّي الأقدم في محاربته أنّنا لا نعرف بدقّةٍ أين يسكن. ففي مناطق كثيرة من العالم النامي تغيب الإحصاءات الموثوقة، وتُبنى سياساتُ الدعم على تقديراتٍ بالية. وقد طوّر باحثون في جامعة ستانفورد نماذج تجمع بين صور الأقمار الصناعية وبيانات الهواتف لرسم خرائط للفقر بدقّةٍ تفوق المسوح الميدانية المكلفة، فصار بالإمكان تحديد القرى الأشدّ حرماناً دون انتظار تعداداتٍ تتأخّر سنوات. غير أنّ القراءة المخالفة للسائد تقتضي حذراً؛ إذ يرى الكاتب أنّ خطر هذه الأدوات لا يقلّ عن وعدها. فحين نُسلّم قرار توزيع الموارد لخوارزميةٍ دُرّبت على بياناتٍ منحازة، قد نُعيد إنتاج التهميش ذاته الذي نزعم محاربته، فنحرم المنسيّين أصلاً من البيانات لأنّهم منسيّون من البيانات. والمفارقة المريرة أنّ الأشدّ فقراً هم غالباً الأقلّ حضوراً في السجلّات الرقمية، فتراهم الخوارزميةُ آخرَ ما تراه، أو لا تراهم البتّة. ويرى الكاتب أنّ معالجة الفقر بالذكاء الاصطناعي تستلزم أن نُدرك أنّ الفقر ليس رقماً يُحصى فحسب، بل تجربةٌ إنسانيةٌ مركّبة من الحرمان والخوف وانسداد الأفق، وأنّ الخوارزمية مهما بلغت دقّتها تظلّ عاجزةً عن أن تقيس اليأس أو تَزِن الكرامة المجروحة. ولذلك فإنّ الحكمة كلّ الحكمة في أن نجعل من هذه الأدوات عيوناً تكشف للقلب البشري مواطن الألم، لا بدائل عن ذلك القلب نفسه. فالبيانات تدلّنا على من يجوع، لكنّها لا تُشعرنا بجوعه، وتلك مسافةٌ لا تَقطعها الآلة، بل يَقطعها الضميرُ وحده.
أمّا الأمّية، فهي الميدان الذي يكشف فيه الذكاء الاصطناعي وجهه الأكثر إنسانية. فالتعلّم في جوهره عمليةٌ شديدة الفردية، والمعلّم المثالي هو الذي يصبر على كلّ طفلٍ بحسب وتيرته. وهذا ما لا يقدر عليه نظامٌ تعليميٌّ مكتظّ، وهو بالضبط ما تُحسنه الأنظمة التكيفية التي تُعيد ضبط مستوى الصعوبة لكلّ متعلّمٍ على حدة. وقد أشارت تقارير المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أنّ التعليم المخصّص بالذكاء الاصطناعي قد يكون أحد أقوى الروافع لردم الفجوة التعليمية في الدول النامية، حيث يندر المعلّمون المؤهّلون. ويرى الكاتب أنّ المعجزة الحقيقية هنا ليست في أنّ الآلة تُعلّم، بل في أنّها تَصبر؛ فهي لا تَملّ من إعادة الشرح، ولا تُشعر المتعثّر بالخجل، ولا تحكم على بطيء الفهم. غير أنّ ثمّة وهماً ينبغي تبديده؛ فالآلة لا تُلهم الطفلَ حبَّ المعرفة، ولا تَغرس فيه القيمة، ولا تحلّ محلّ نظرة المعلّم التي تُشعر التلميذ بأنّه مرئيٌّ ومهمّ. ولذلك يذهب الكاتب إلى أنّ التقنية في التعليم رافعةٌ للمعلّم لا بديلٌ عنه، ومن يظنّ غير ذلك يخلط بين نقل المعلومة وصناعة الإنسان. على أنّ ثمّة أملاً عريضاً في أن تتحوّل هذه الأدوات إلى جسرٍ يعبر عليه من حُرموا التعليم النظاميّ إلى ضفّة المعرفة، لا سيّما الكبار الذين فاتهم قطار المدرسة وتخجلهم العودة إليها. فالتعلّم في عزلةٍ آمنة، بلا حكمٍ ولا وصاية، قد يفتح أبواباً ظلّت موصدةً في وجه ملايين العاجزين عن القراءة في سنٍّ متأخّرة. ويرى الكاتب أنّ في هذا البُعد وحده ما يبرّر الرهان على التقنية رهاناً جادّاً، لا بوصفها بديلاً عن المدرسة، بل بوصفها فرصةً ثانيةً لمن لم تُتح له فرصةٌ أولى.
ويبلغ هذا الحقل ذروته في مسألة توزيع الموارد، حيث يلتقي الفقر بالأمّية بالجوع بالمرض في عقدةٍ واحدة. فالمأساة الكبرى في عالمنا ليست دائماً ندرةَ الموارد، بل سوءَ توجيهها. فمنظّمات الإغاثة تُرسل الغذاء حيث وصلت آخرُ الأخبار، لا حيث تتجمّع الحاجةُ فعلاً، وسلاسل الإمداد تنهار في الأزمات لأنّها تفتقر إلى عقلٍ يتنبّأ بالاختناقات قبل وقوعها. وهنا تتجلّى قدرة الذكاء الاصطناعي على التنبّؤ والتحسين؛ إذ يمكن لنماذج التعلّم الآلي أن تتوقّع موجات الجفاف والمجاعات قبل أشهر، فتتحوّل الإغاثة من ردّ فعلٍ متأخّرٍ إلى استباقٍ يُنقذ الأرواح. وقد طوّرت مؤسّساتٌ بحثية أنظمةَ إنذارٍ مبكرٍ بالأمن الغذائي تُحلّل المناخ والأسعار والنزاعات معاً لتنبئ بمواطن الخطر. ويرى الكاتب أنّ التحوّل الأعمق الذي تُحدثه هذه التقنية في العمل الإنساني هو نقله من ثقافة الاستجابة للكارثة إلى ثقافة استباقها، ومن منطق الإسعاف إلى منطق الوقاية؛ وهو تحوّلٌ في الفلسفة قبل أن يكون تحوّلاً في الأداة.
غير أنّ الحماسة لهذه الوعود يجب أن تُقابَل بنقدٍ صريح، فالقراءة المخالفة للسائد تكشف مأزقاً أخلاقياً عميقاً. فالرائج اليوم أنّ الذكاء الاصطناعي حلٌّ محايد، وأنّه أداةٌ تقنية تُسخَّر للخير كما تُسخَّر لغيره. ويرى الكاتب أنّ هذا الفهم ساذجٌ بل خطير؛ فالخوارزمية ليست محايدة، بل تحمل في طيّاتها قيمَ من صمّمها وانحيازاتِ البيانات التي تغذّت عليها. وحين نُسلّم قرارات تمسّ مصائر الفقراء لأنظمةٍ يعجز أصحابها عن تفسير منطقها، فإنّنا نُقيم سلطةً جديدة لا تُساءَل ولا تُراجَع. وقد نبّهت أبحاثٌ في جامعة أكسفورد إلى مخاطر تركّز القدرة على هذه التقنية في أيدٍ قليلة، وإلى أنّ ما يُسوَّق بوصفه تمكيناً للمحرومين قد ينقلب أداةَ مراقبةٍ وتحكّمٍ بهم. ومن هنا يرى الكاتب أنّ العدالة في تصميم هذه الأنظمة لا تقلّ أهمّيةً عن كفاءتها؛ فأداةٌ بارعة في يدٍ غير عادلة تُضاعف الظلم بكفاءةٍ مرعبة. ومن هنا فإنّ السؤال الأهمّ ليس هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يخدم الفقراء، بل من يملك القرار في توجيهه، ولمصلحة من تُجمع البيانات وتُحلّل. فحين تُدار المعرفة عن الفقراء من فوق رؤوسهم، تتحوّل أداة التمكين إلى أداة وصاية، وينقلب المشروع الإنسانيّ على نفسه.
وحين ننتقل من النقد إلى البناء، تتّضح ركائز عملية لمن أراد أن يُسخّر هذه التقنية لخدمة الإنسان حقاً. أولاها أن تنطلق الحلول من حاجات المجتمعات لا من إغراء الأدوات، فالتقنية وسيلةٌ لا غاية، والبدء من المشكلة الإنسانية أصدقُ من البدء من الخوارزمية البرّاقة. وثانيتها صون الكرامة والخصوصية، فبيانات الفقير ليست غنيمةً مباحة، بل أمانةٌ تستوجب الحماية. وثالثتها إشراك المجتمعات المستهدفة في التصميم، فالحلول التي تُفرض من فوقٍ تفشل غالباً، والتي تنبت من القاعدة تدوم. ورابعتها الشفافية في منطق القرار، فلا يُقبل أن تُحرَم أسرةٌ من الدعم بحكم خوارزميةٍ لا يفهم أحدٌ كيف حكمت. وخامستها بقاء الإنسان في موضع القرار النهائي، فالآلة تُشير ولا تقرّر، وتُرشّح ولا تَحكم. وقد أكّدت منظّمة التعاون الاقتصادي والتنمية، في مبادئها الخاصّة بالذكاء الاصطناعي، أنّ تسخير هذه التقنية للنفع العام يقتضي حوكمةً تضع الإنسان في القلب، لا في الهامش.
وفي السياق العربي تتضاعف أهمّية هذا الحديث ودواعيه. فالمنطقة تحمل من أعباء الفقر والأمّية والنزوح ما يجعلها أحوجَ ما تكون إلى أدواتٍ تُحسن توجيه مواردها المحدودة. ويرى الكاتب أنّ العالم العربي يملك فرصةً نادرة ليتجاوز مراحل التطوّر البطيء، فيبني منظومات عملٍ اجتماعيٍّ ذكيةً منذ النشأة، بدل أن يرث بِنى الغرب الثقيلة ثم يُصلحها. وتُدرك رؤية المملكة العربية السعودية 2030 هذا البُعد حين تجعل من التنمية المستدامة وجودة الحياة وتمكين المجتمع ركائز للتحوّل؛ فالاستثمار في حلولٍ تقنيةٍ لمعالجة التحدّيات الاجتماعية ليس ترفاً، بل هو صميم بناء مجتمعٍ حيويٍّ مزدهر. ويرى الكاتب أنّ الأمم التي تُحسن توظيف الذكاء الاصطناعي لخدمة أضعف أبنائها هي التي تبرهن على أنّ التقدّم التقني والقيمة الإنسانية ليسا خطّين متوازيين لا يلتقيان، بل وجهان لنهضةٍ واحدة.
ولعلّ الأفق الذي يفتحه هذا الحقل أوسعُ ممّا تُتيحه أدواتنا اليوم. فنحن لا نُحسّن آليات توزيع المعونة فحسب، بل نُعيد طرح سؤالٍ أخلاقيٍّ قديمٍ بصيغةٍ جديدة: ما قيمة معرفةٍ لا تتحوّل إلى رحمة؟ فالقدرة على رؤية الجوع والفقر والأمّية بدقّةٍ غير مسبوقة تضعنا أمام مسؤوليةٍ غير مسبوقة؛ إذ لم يَعُد بمقدورنا أن نتعلّل بالجهل بمن يعاني وأين. وحين تصبح المعاناة مرئيةً على الشاشات، يصير التقاعس عن إغاثتها خياراً واعياً لا قدراً محتوماً. ويرى الكاتب أنّ التحدّي القادم ليس تقنياً بقدر ما هو أخلاقيٌّ وإراديّ؛ فالأدوات تنضج بسرعةٍ تفوق نضج ضمائرنا الجماعية. والسؤال الذي يفرض نفسه في خاتمة المطاف ليس هل تستطيع الآلة أن تكشف لنا أين يقبع الألم، فهذا صارت تُحسنه، بل هل نملك نحن من الإرادة ما يجعلنا نتحرّك حين تكشفه؟ فهل نُحسن أن نكون رحماء بقدر ما صرنا قادرين على أن نُبصر؟