شركة بوابات الخير للذكاء الاصطناعي

الطابق الأول، المبنى 7، المنطقة أ طريق المطار، البوابة الاقتصادية ص.ب 93597 الرياض 11683، المملكة العربية السعودية

0112611571

+966570709955

اقتصاديات ما بعد 2028

ماذا يحدث حين ينفصل، لأول مرة في التاريخ المسجّل، خيط الذهب الذي ربط بين عمل الإنسان وقوته، فتزدهر الأمم وتتضاعف ثرواتها بينما تجف منابع الأجور التي اعتاد البشر أن يقتاتوا منها؟

ثمة افتراض راسخ في وجدان الحضارة الحديثة، نشأنا عليه ولم نفكّر في مساءلته يوماً، مفاده أن من يعمل يأكل، وأن نصيب المرء من الثروة دالةٌ مباشرة على ما يبذله من جهد. على هذا الافتراض بُنيت منظومات الضرائب والتقاعد والتأمين، وعليه قامت العلاقة بين المواطن ودولته، وبه فُسّرت العدالة وقيست المكانة. غير أن موجة الأتمتة الذكية التي تتسارع منذ منتصف هذا العقد تهدد بقطع هذا الخيط من جذوره، لا لأنها ستلغي الوظائف فحسب، بل لأنها تفكّ الرابط العميق بين الإنتاج والعمالة البشرية.

وقد رصد باحثون في جامعة هارفارد، ضمن دراساتهم عن مستقبل العمل، أن وتيرة إحلال الآلة محلّ الإنسان لم تعد تطال المهام اليدوية المتكررة وحدها، بل امتدت إلى صميم العمل المعرفي الذي ظنناه حصناً بشرياً منيعاً: التحليل، والكتابة، والتشخيص، والاستشارة. والسؤال الذي يفرض نفسه على كل من يفكّر في العقد المقبل لم يعد كيف نحمي الوظائف، بل كيف نعيد تعريف الثروة والعدالة في عالم قد لا تكون فيه الوظيفة، بمعناها التقليدي، حجر الزاوية الذي نبني عليه حياة الناس.

لفهم عمق هذا المنعطف ينبغي أن نميّز بين موجتين من الأتمتة يخلط بينهما الخطاب السائد. فالموجة الأولى، التي عرفتها الثورات الصناعية المتعاقبة، كانت تلغي مهنةً لتخلق مكانها مهناً أكثر، فينتقل الفلاح إلى المصنع ثم ينتقل عامل المصنع إلى المكتب، ويظل الإنسان في قلب المعادلة الإنتاجية وإن تبدّل موقعه. أما الموجة الثانية، موجة الذكاء الاصطناعي التوليدي والوكلاء المستقلين، فتختلف اختلافاً نوعياً لا كمّياً؛ إذ إنها لا تنقل العامل من حقلٍ إلى حقل، بل تنافسه في القدرة المعرفية ذاتها التي كانت ملاذه الأخير. وقد حذّرت دراسات صادرة عن معهد ماساتشوستس للتقنية من أن المكاسب الإنتاجية الهائلة التي تتيحها هذه التقنية قد تتركّز في أيدي قلّة تملك رأس المال والخوارزمية، بينما تتسع الفجوة بينها وبين جموع من تتآكل قيمة عملهم. وهنا يكمن الفارق الجوهري: للمرة الأولى قد ترتفع إنتاجية الاقتصاد ارتفاعاً صاروخياً دون أن يصاحبها ارتفاعٌ مماثل في الطلب على العمل البشري، فينفصل النمو عن التشغيل انفصالاً لم تشهده البشرية من قبل.

ويرى الكاتب أن الخطأ الأكبر في النقاش الراهن هو أنه يطرح السؤال خاطئاً من أساسه؛ إذ يسأل المنشغلون بالمستقبل: كم وظيفةً ستختفي وكم وظيفةً ستُستحدث، وكأن المعضلة معادلة حسابية في عدد الوظائف. غير أن المعضلة الحقيقية ليست في الكمّ بل في البنية. فحتى لو خلقت الأتمتة وظائف جديدة بقدر ما تلغي، فإن المسألة الأعمق هي أن طبيعة هذه الوظائف وتوزيعها الجغرافي والمهاري قد يختلفان اختلافاً جذرياً، بحيث تنشأ هوّة بين المهارات التي يملكها الناس والمهارات التي يطلبها السوق. وقد أشار تقرير مستقبل الوظائف الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن ملايين العمال حول العالم سيحتاجون إلى إعادة تأهيلٍ جوهري خلال سنواتٍ قليلة، وأن الفجوة المهارية تتسع أسرع من قدرة منظومات التعليم على ردمها. والأخطر من ذلك، في تقدير الكاتب، أن المشكلة لم تعد البطالة المؤقتة التي تعالجها الدورة الاقتصادية، بل ما يمكن تسميته البطالة البنيوية المزمنة، حيث تصبح شريحة من القوى العاملة عاجزة عن المنافسة لا لكسلٍ أو نقص تدريب، بل لأن قدرتها الإنتاجية باتت أدنى كلفةً وأبطأ من نظيرتها الآلية.

شاطئ الجبيل ومن هنا تبرز المفارقة الكبرى التي تتجنّب الحكومات مواجهتها صراحةً: كيف نوزّع ثمار اقتصادٍ تنتجه الآلات على بشرٍ لم تعد آلية توزيع الدخل التقليدية، أي الأجر مقابل العمل، تصلهم به؟ فمنظومتنا الضريبية برمّتها مبنية على فرض الضرائب على دخل العمل، فإذا تقلّص هذا الدخل وتحوّلت القيمة إلى رأس المال والأصول الخوارزمية، انهار المصدر الذي تموّل به الدولة خدماتها العامة في اللحظة التي تشتدّ فيها الحاجة إلى تلك الخدمات. وقد لفت باحثون في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن الأنظمة الضريبية الحالية غير مهيّأة لاقتصادٍ يتركّز فيه الإنتاج في رأس المال أكثر من العمل، وأن إصلاحها بات ضرورةً لا ترفاً. ويرى الكاتب أن المعضلة هنا ليست تقنية ولا حتى اقتصادية بحتة، بل هي في جوهرها معضلة عقدٍ اجتماعي؛ فالعقد الذي ربط الناس بدولهم منذ قرنين قائم على مبادلةٍ ضمنية: تعمل فتُنتج فتدفع الضريبة فتنال الحماية. وحين تنكسر الحلقة الأولى من هذه السلسلة، يتداعى العقد كلّه، ويصبح إعادة تأسيسه على قاعدةٍ جديدة هو التحدي السياسي الأعظم في القرن الحادي والعشرين. وثمة بُعدٌ يغفله كثير من المحللين، وهو أن الأتمتة لا توزّع أثرها بالتساوي بين الفئات والمناطق؛ فهي تضرب أولاً المهن المتوسطة الدخل التي شكّلت تاريخياً عمود الطبقة الوسطى، ذلك العمود الذي قام عليه الاستقرار السياسي للديمقراطيات الحديثة. وحين تتآكل الطبقة الوسطى من وسطها، ينقسم المجتمع إلى قمّةٍ ضيقة تستحوذ على عوائد رأس المال الخوارزمي وقاعدةٍ عريضة تتنافس على ما تبقّى من أعمالٍ يصعب أتمتتها، فتنشأ هشاشةٌ اجتماعية وسياسية لا تقلّ خطورةً عن الهشاشة الاقتصادية. ويرى الكاتب أن هذا الاستقطاب، إن تُرك بلا معالجة، قد يولّد ارتداداتٍ شعبوية ورفضاً للتقنية نفسها، فيخسر المجتمع مكاسب الأتمتة ويتحمّل تبعاتها في آنٍ معاً.

شاطئ الجبيل غير أن الرؤية التشاؤمية التي تختزل المستقبل في بطالةٍ شاملة وبؤسٍ عميم تخطئ، في تقدير الكاتب، حين تفترض أن الإنسان كائنٌ اقتصادي محض تنتهي قيمته بانتهاء وظيفته. فالأتمتة، إذ تحرّر الإنسان من المهام التي يمكن للآلة أداؤها، قد تفتح أفقاً لإعادة تعريف العمل ذاته بما يتجاوز الوظيفة المأجورة. وقد طُرحت في الأوساط الأكاديمية، ومنها أبحاث في جامعة أوكسفورد عن الأثر الاقتصادي للأتمتة، تصوراتٌ عديدة لإعادة توزيع الثروة، من الدخل الأساسي الشامل الذي يضمن لكل مواطن حداً أدنى من العيش بصرف النظر عن عمله، إلى صناديق الثروة السيادية التي توزّع عوائد رأس المال الوطني على المواطنين بوصفهم شركاء لا متلقّين، إلى ضريبةٍ على الأتمتة تعيد جزءاً من المكاسب الإنتاجية إلى الصالح العام. ويرى الكاتب أن أياً من هذه الحلول لن يكفي منفرداً، وأن المخرج لا يكمن في وصفةٍ واحدة بل في إعادة هندسةٍ شاملة للعلاقة بين الفرد والثروة والدولة، تعترف بأن مصدر القيمة في الاقتصاد قد تحوّل، فتتحوّل معه آليات توزيعها.

وها هنا تبرز ركائز عملية يستطيع صانع القرار أن يبني عليها استعداده لهذا التحول العميق. أولاها إصلاح المنظومة الضريبية لتنتقل من إثقال كاهل العمل إلى استهداف رأس المال والأصول والبيانات، بحيث يساهم القطاع الأكثر استفادةً من الأتمتة في تمويل تبعاتها الاجتماعية. والركيزة الثانية هي الاستثمار الجذري في رأس المال البشري عبر تعليمٍ مرنٍ مدى الحياة، لا يكتفي بتلقين المهارات بل يغرس القدرة على التعلّم المستمر والتكيّف، إذ إن المهارة الوحيدة المحصّنة ضد التقادم هي مهارة اكتساب المهارات. والركيزة الثالثة هي بناء شبكات أمانٍ اجتماعي من طرازٍ جديد، تنفصل عن الوظيفة وترتبط بالمواطنة، فتضمن الكرامة الاقتصادية بوصفها حقاً لا منحةً مشروطة بالعمل. والركيزة الرابعة هي تنويع مصادر الدخل الوطني نفسه، بحيث لا يعتمد الاقتصاد على قطاعٍ واحد قد تجتاحه الأتمتة، بل يوزّع رهاناته على اقتصاد المعرفة والإبداع والخدمات التي يصعب أتمتتها. والركيزة الخامسة، وقد تكون الأعمق، هي إعادة الاعتبار للعمل غير المأجور الذي يحفظ نسيج المجتمع، من رعايةٍ وتربيةٍ وعملٍ أهلي، بوصفه قيمةً اقتصادية حقيقية وإن لم تقسها السوق. وتتقاطع هذه الركائز جميعاً مع ركيزةٍ حاكمة هي بناء أطر حوكمةٍ رشيدة للذكاء الاصطناعي والبيانات، تضمن ألا تتركّز القدرة على الأتمتة في أيدي قلّةٍ تحتكر أدوات الإنتاج الجديدة، بل تُتاح ثمارها على نطاقٍ واسع عبر سياساتٍ تشجّع المنافسة وتحمي البيانات بوصفها ثروةً وطنية. فمن يملك البيانات والخوارزميات في عصر الأتمتة يملك مفاتيح الثروة، وتوزيع هذه الملكية أو احتكارها هو ما سيحدّد، أكثر من أي عاملٍ آخر، شكل العدالة في العقود المقبلة.

ولهذا التحول دلالةٌ خاصة في سياقنا العربي، وفي رؤية السعودية 2030 على وجه التحديد. فالمنطقة التي اعتمدت اقتصاداتها طويلاً على ريع الموارد تمتلك، على نحوٍ مفارق، خبرةً تأسيسية في فصل دخل المواطن عن عمله المباشر عبر منظومات الرفاه السيادية، وهي خبرة قد تتحول من عبءٍ تاريخي إلى ميزةٍ استشرافية إن أُحسن توظيفها. ويرى الكاتب أن الرؤية، حين تسعى إلى بناء اقتصادٍ متنوع قائم على المعرفة والصناعة والسياحة، إنما تعدّ المجتمع لعالمٍ لا يكون فيه النفط ولا الوظيفة الحكومية التقليدية ركيزة العيش الوحيدة، وأن صناديق الثروة السيادية الكبرى التي تديرها المنطقة يمكن أن تكون نواةً لنموذجٍ في توزيع عوائد رأس المال على المواطنين بطريقةٍ تستبق ما ستضطر إليه اقتصادات العالم لاحقاً. فالتحدي الذي يلوح في أفق الدول الصناعية بعد 2028 قد يكون فرصةً سانحة لمن يقرأ المنعطف مبكراً، إذ من يصمم منظومة العدالة الاقتصادية في عصر الأتمتة من موقع المبادرة خيرٌ ممن ينتظر حتى تفرضها عليه الأزمة.

ولعل المستقبل الذي يلوح في الأفق ليس عالماً تنتهي فيه قيمة الإنسان بانتهاء وظيفته، بل عالماً تتحرر فيه فكرة القيمة من أسر السوق، فتسترد معانيها الأوسع التي اختزلتها قرون التصنيع. والمنتدى الاقتصادي العالمي، في تأملاته عن العقد المقبل، يلمّح إلى أن التحولات الكبرى لا تُقاس بما تهدمه بل بما تتيح بناءه على أنقاضه. فما بعد 2028 ليس بالضرورة عتبة انهيار، بل قد يكون عتبة إعادة تأسيس: لحظة نكفّ فيها عن السؤال كيف نُبقي الناس مشغولين، ونبدأ السؤال الأصعب والأجدى كيف نُبقيهم كرماء وأحراراً ومنتجين بالمعنى الإنساني الكامل لا الاقتصادي الضيق. والسؤال الذي يبقى معلّقاً في وجه كل دولةٍ تتأمل هذا الأفق: هل تملك الشجاعة لإعادة كتابة عقدها الاجتماعي قبل أن تكتبه الأزمة بدلاً عنها، وهل تجرؤ على تخيّل عدالةٍ لا تُشترط بالعمل بل تُؤسَّس على الكرامة؟