مَن يملكُ المصنعَ في عصرٍ صارَ فيه المصنعُ سطراً من الشِّفرة؟ كانت الثروةُ، في كلِّ تاريخها الطويل، شيئاً يُمكنُ لمسُه ووزنُه وحراستُه خلفَ الأبواب: حقلاً يُزرع، أو منجماً يُحفر، أو خطَّ إنتاجٍ يدور، أو سفينةً تُبحرُ محمَّلةً بما يُباعُ ويُشترى. أمّا اليومَ، فإنّ أثمنَ ما تملكُه أكبرُ الشركاتِ في العالم لا يُرى ولا يُلمس، إنّه نموذجٌ خوارزميٌّ يتعلّمُ من بياناتِ مئاتِ الملايينِ من البشر، يُعيدُ تشكيلَ نفسِه كلَّ ليلة، ولا يحتاجُ إلى أرضٍ يقفُ عليها سوى خوادمَ تبردُها مراوحُ صامتة في صحراءٍ رقمية. هنا تنقلبُ مقولاتُ الاقتصادِ الكلاسيكيِّ رأساً على عقب، ويصبحُ السؤالُ الذي يطاردُنا ليس كم نملكُ من المالِ والآلات، بل من يملكُ القدرةَ على أن يجعلَ الآلةَ تعرف. وليس هذا السؤالُ ترفاً فلسفياً يُطرحُ في قاعاتِ الدرس، بل هو سؤالُ السيادةِ والثروةِ والمصيرِ في آنٍ معاً، لأنّ من يجيبُ عنه أوّلاً هو من سيرسمُ موازينَ القوّةِ في العقودِ القادمة.
لقد عرّفَ آدم سميث، في فجرِ الاقتصادِ الحديث، الثروةَ بوصفها نتاجَ العملِ المنقسمِ والأرضِ المستثمَرة، وبنى كارل ماركس تحليلَه كلَّه على التوترِ بين من يملكُ وسائلَ الإنتاجِ ومن يملكُ عملَه فحسب. غير أنّ هذين الإطارَين، على عظمتهما، يفترضان أنّ رأسَ المالِ شيءٌ يُستهلكُ بالاستعمالِ ويَندرُ بالطبيعة. والمعرفةُ، كما لاحظَ الاقتصاديُّ بول رومر في نظريّتِه عن النموِّ الداخليِّ التي نالَ عنها جائزةَ نوبل، تنتهكُ هذا القانونَ انتهاكاً صارخاً: فهي لا تَنفدُ حين تُشارَك، بل تتضاعف؛ ولا تخضعُ لقانونِ تناقصِ الغلّة، بل لقانونٍ معكوسٍ تتزايدُ فيه العوائدُ كلّما اتّسعَ نطاقُ التطبيق. والخوارزميةُ هي التجسيدُ الأنقى لهذه المعرفةِ غيرِ القابلةِ للنفاد: تُكتبُ مرّةً، وتُنسخُ بكلفةٍ تقاربُ الصفر، وتعملُ في مليارِ جهازٍ في آنٍ واحد. يرى الكاتبُ أنّ هذه الخاصيةَ بالذات، أي انعدامَ كلفةِ النسخِ مع تزايدِ العائدِ على النطاق، هي ما يجعلُ اقتصادَ المعرفةِ للذكاءِ الاصطناعيِّ ظاهرةً مختلفةً نوعياً لا كمّياً عمّا سبقه؛ فنحنُ لا نتحدّثُ عن صناعةٍ أكثرَ كفاءة، بل عن منطقٍ جديدٍ كلّياً لتراكمِ الثروة، منطقٍ لا تحدّه ندرةُ المادّةِ ولا حدودُ الجغرافيا، بل تحدّه فقط القدرةُ على التعلّمِ وامتلاكُ ما يُتعلَّمُ منه؛ فالأرضُ كانت تُقسَّمُ فلا تكفي الجميع، والخوارزميةُ تُقسَّمُ فتزدادُ وفرةً عند كلِّ قسمة.
تكشفُ الأبحاثُ الصادرةُ عن جامعة هارفارد، ولا سيّما أعمالُ المؤرّخِ الاقتصاديِّ والمحلّلين في مدرستِها للأعمال، أنّ ما يُعرفُ بـ«الأصولِ غيرِ الملموسة» صارَ يُشكّلُ القسمَ الأعظمَ من قيمةِ الشركاتِ المدرَجةِ في الأسواقِ الكبرى، بعد أن كانت الأصولُ المادّيةُ هي الغالبةَ قبل عقودٍ قليلة. والخوارزميةُ، ومعها البياناتُ التي تتغذّى عليها، تقعُ في قلبِ هذا التحوّل. غير أنّ المفارقةَ العميقةَ التي يلتفتُ إليها الباحثون في مختبرِ معهدِ ماساتشوستس للتقنية، حيث قادَ إريك برينولفسون وزملاؤه دراساتٍ مؤثّرةً عن «المفارقةِ الإنتاجية»، هي أنّ هذه الثروةَ الهائلةَ المتراكمةَ في الأصولِ الرقميةِ لا تنعكسُ بالضرورةِ على إنتاجيةِ الاقتصادِ ككل، ولا على دخلِ العاملِ العاديّ. بمعنى أنّ الخوارزميةَ، حين تصبحُ رأسَ المالِ الحقيقيّ، لا توزّعُ ثمارَها كما كانت المصانعُ توزّعُ الأجورَ على آلافِ العمّال؛ بل تميلُ إلى تركيزِ القيمةِ في أيدي من يملكون النموذجَ والبنيةَ التحتيةَ الحاسوبيةَ والبياناتِ الضخمةَ معاً. وهكذا يتّسعُ الشَّرخُ بين قيمةٍ سوقيةٍ منتفخةٍ ورفاهٍ اجتماعيٍّ متعثّر، فتغدو الثروةُ الورقيةُ أشبهَ بسرابٍ يلمعُ في الأرقامِ ولا يُروي ظمأَ الواقع.
وهنا تبرزُ، في رأيِ الكاتب، أخطرُ سماتِ هذا الاقتصادِ الجديد: ميلُه البنيويُّ نحو الاحتكار. ففي اقتصادِ المعرفةِ الخوارزميّ، تتحقّقُ ثلاثةُ أنواعٍ من العوائدِ المتزايدةِ في آنٍ معاً؛ عوائدُ النطاقِ في الإنتاج، إذ تنخفضُ الكلفةُ الحديّةُ للخدمةِ الإضافيةِ نحو الصفر؛ وعوائدُ الشبكةِ في الطلب، إذ تزدادُ قيمةُ المنصّةِ بازديادِ مستخدميها؛ وعوائدُ البيانات، إذ يصيرُ النموذجُ أذكى كلّما استخدمَه الناسُ أكثر، فيجتذبُ مزيداً من المستخدمين الذين يولّدون مزيداً من البيانات في حلقةٍ مغلقةٍ تُحكمُ قبضتَها مع الوقت. هذه «الحلقةُ الفاضلةُ» لصاحبِ الخوارزمية هي بعينها «الحلقةُ المُفرغةُ» للوافدِ الجديدِ والمنافسِ الصغير. وقد نبّهَت تقاريرُ منظّمةِ التعاونِ الاقتصاديِّ والتنميةِ مراراً إلى أنّ تركّزَ القوّةِ السوقيةِ في الاقتصادِ الرقميِّ يطرحُ تحدّياتٍ غيرَ مسبوقةٍ على سياساتِ المنافسة، لأنّ أدواتِ مكافحةِ الاحتكارِ التي صُمّمت لعالمِ المصانعِ والنفطِ تبدو عاجزةً أمامَ كياناتٍ تحتكرُ المعرفةَ نفسَها لا السلعةَ. فالمحتكرُ القديمُ كان يحتجزُ سلعةً يستطيعُ غيرُه أن يصنعَ مثلَها، أمّا محتكرُ المعرفةِ فيحتجزُ القدرةَ على المعرفةِ ذاتِها، وهذا فارقٌ يقلبُ موازينَ الاقتصادِ السياسيِّ من جذورها.
غير أنّ ما يجعلُ الخوارزميةَ رأسَ مالٍ من طرازٍ فريدٍ ليس ندرتَها، بل العكسُ تماماً: وفرتُها المطلقةُ مقرونةً بندرةِ القدرةِ على إنتاجِها وتشغيلِها. فالشِّفرةُ المفتوحةُ متاحةٌ للجميع، لكنّ تدريبَ نموذجٍ متقدّمٍ يتطلّبُ مواردَ حاسوبيةً تُقدَّرُ بمئاتِ الملايين، وبياناتٍ لا يملكُها إلّا قلّةٌ، وكفاءاتٍ بشريةً نادرةً يتنافسُ عليها العالمُ كلُّه. وهكذا فإنّ رأسَ المالِ الحقيقيَّ لم يَعُد الخوارزميةَ المجرّدةَ، بل المنظومةَ المتكاملةَ التي تجعلُها ممكنة: الحوسبةُ، والبيانات، والمواهب. ولهذا يذهبُ بعضُ الباحثين في جامعة ستانفورد، ضمن تقاريرِها السنويةِ الرصينةِ عن مؤشّرِ الذكاءِ الاصطناعيّ، إلى أنّ الفجوةَ بين من يملكون هذه المنظومةَ ومن لا يملكونها قد تتّسعُ بوتيرةٍ أسرعَ من أيِّ فجوةٍ تكنولوجيةٍ شهدها التاريخُ الحديث، لأنّ السبقَ في هذا الميدانِ يتراكمُ على نفسِه بدلَ أن يتآكل. ويرى الكاتبُ أنّ هذه المفارقةَ، أي أن يكونَ المنتجُ مجّانياً في جوهرِه باهظاً في أسبابِه، هي السرُّ الذي يفسّرُ كيف صارت حفنةٌ من الكياناتِ تتحكّمُ في عصبِ المعرفةِ العالمية دون أن تملكَ شيئاً يُلمسُ بالأيدي.
ولعلَّ أعمقَ ما في هذا التحوّلِ أنّه يُعيدُ تعريفَ العملِ الإنسانيِّ ذاتِه ومكانتِه في توزيعِ الثروة. فحين كانت المعرفةُ حبيسةَ العقولِ البشرية، كان العاملُ الماهرُ يملكُ شيئاً لا يُنتزعُ منه: خبرتَه. أمّا حين تُستخرَجُ هذه الخبرةُ وتُكوَّدُ في نموذجٍ يتعلّمُ من ملايينِ القراراتِ البشريةِ السابقة، فإنّ العاملَ قد يجدُ نفسَه قد سلّمَ، دون أن يدري، رأسَ مالِه المعرفيَّ إلى آلةٍ ستنافسُه غداً. وقد ناقشَ باحثون في جامعة أوكسفورد، في دراساتِهم المبكّرةِ عن أتمتةِ الوظائف، احتمالاتِ تعرّضِ شرائحَ واسعةٍ من الأعمالِ المعرفيةِ للاستبدالِ أو التحوّلِ الجذريّ، وهي أعمالٌ كان يُظنُّ أنّها في مأمنٍ لأنّها تعتمدُ على الذكاءِ لا على العضلات. يرى الكاتبُ أنّ المسألةَ الجوهريةَ ليست هل ستختفي الوظائف، بل من سيلتقطُ القيمةَ التي كانت توزَّعُ من قبلُ على أجورِ هؤلاءِ العاملين؛ فإنْ تركّزت كلُّها في يدِ مالكِ الخوارزمية، صرنا أمامَ نمطٍ من إقطاعٍ رقميٍّ يملكُ فيه القليلون أدواتِ المعرفةِ ويستأجرُ الكثيرون أنفسَهم لتغذيتها، مقابلَ فُتاتٍ من القيمةِ التي يصنعونها دون أن يعرفوا أنّهم يصنعونها.
ويُحذّرُ المنتدى الاقتصاديُّ العالميُّ، في تقاريرِه المتتاليةِ عن مستقبلِ الوظائف، من أنّ هذا التحوّلَ سيخلقُ وظائفَ جديدةً بقدرِ ما يُلغي، لكنّه يشترطُ أنّ ثمارَ الانتقالِ لن تُجنى عفواً، بل تتطلّبُ استثماراً ضخماً في إعادةِ تأهيلِ القوى العاملةِ وفي إعادةِ هندسةِ منظوماتِ التعليمِ والحماية الاجتماعية. وهنا بالذاتِ يتقاطعُ التحليلُ النظريُّ مع السياقِ العربيّ تقاطعاً وثيقاً. فالمنطقةُ التي بنت كثيراً من ثروتِها على موردٍ ناضبٍ تحتَ الأرضِ تقفُ اليومَ أمامَ فرصةٍ تاريخيةٍ لإعادةِ تعريفِ رأسِ مالِها على أساسٍ معرفيٍّ لا ينضب. وتُجسّدُ رؤيةُ السعودية 2030 هذا الوعيَ بوضوح، إذ تجعلُ من بناءِ اقتصادِ المعرفةِ والاستثمارِ في الإنسانِ والبنيةِ الرقميةِ ركيزةً مركزيةً للتحوّل، ساعيةً إلى أن تنتقلَ من اقتصادٍ يستخرجُ القيمةَ من باطنِ الأرضِ إلى اقتصادٍ يُولّدُها من عقولِ أبنائه وخوارزمياتِه؛ وهو انتقالٌ يفهمُ أنّ امتلاكَ المنظومةِ الخوارزميةِ صارَ مكافئاً، في القرنِ الحادي والعشرين، لامتلاكِ آبارِ النفطِ في القرنِ العشرين، بل أخطرَ، لأنّ النفطَ يَنفدُ والمعرفةَ تتراكم.
ولكي لا يبقى هذا الكلامُ في حدودِ التشخيص، يرى الكاتبُ أنّ بناءَ سيادةٍ معرفيةٍ حقيقيةٍ يستندُ إلى ركائزَ عمليةٍ متضافرة. أُولاها السيادةُ على البيانات، بوصفها المادّةَ الخامَ التي تتغذّى عليها الخوارزمية؛ فمن يتنازلُ عن بياناتِه يتنازلُ عن رأسِ مالِ المستقبل. وثانيتُها بناءُ البنيةِ التحتيةِ الحاسوبيةِ الوطنيةِ، إذ لا سيادةَ معرفيةً حقيقيةً دون قدرةٍ سياديةٍ على الحوسبة. وثالثتُها الاستثمارُ المركّزُ في الكفاءاتِ البشريةِ النادرةِ القادرةِ على تصميمِ النماذجِ لا مجرّدِ استخدامِها، مع إدراكِ أنّ هذه الكفاءاتِ هي العنصرُ الأندرُ في المعادلة. ورابعتُها تصميمُ منظوماتٍ لتوزيعِ العائدِ تضمنُ ألّا تتركّزَ ثمارُ الخوارزميةِ في يدٍ واحدة، عبر سياساتٍ ضريبيةٍ ومنافسةٍ تُحدَّثُ لتلائمَ منطقَ الأصولِ غيرِ الملموسة. وخامستُها، وقد تكونُ أعمقَها، ترسيخُ منظومةٍ قيميةٍ وأخلاقيةٍ تجعلُ المعرفةَ في خدمةِ الإنسانِ لا أداةً لإخضاعِه، وهو بُعدٌ يكتسبُ في السياقِ العربيِّ والإسلاميِّ عمقاً خاصاً يربطُ العلمَ بالأمانةِ والمسؤولية، ويجعلُ من العدلِ في توزيعِ ثمارِ المعرفةِ غايةً لا تقلُّ أهميةً عن إنتاجِها.
إنّنا نقفُ، إذن، عند لحظةٍ فارقةٍ يُعادُ فيها رسمُ خريطةِ الثروةِ في العالم. فالخوارزميةُ التي بدأت أداةً صارت رأسَ مالٍ، والمعرفةُ التي كانت تُشارَكُ بسخاءٍ صارت تُحتكرُ بصمت، والعملُ الذي كان مصدرَ القيمةِ صارَ في خطرِ أن يُختزَلَ إلى وقودٍ يُغذّي محرّكاً لا يملكُه. ويرى الكاتبُ أنّ معركةَ القرنِ القادمِ لن تدورَ حول من يصنعُ أذكى الخوارزميات فحسب، بل حول من يملكُ الحكمةَ ليجعلَ هذا الذكاءَ ثروةً مشتركةً لا امتيازاً مغلقاً. فإذا كانت الأممُ القديمةُ قد تنافست على الذهبِ والأرضِ والبحار، وتنافست الأممُ الحديثةُ على المصانعِ والنفطِ والأسواق، فإنّ أممَ الغدِ ستتنافسُ على ما هو أدقُّ وأخطر: على القدرةِ على أن تجعلَ المعرفةَ تتراكمُ في عقولِها وخوارزمياتِها قبل أن تتراكمَ في خزائنِ غيرها. فهل نملكُ من البصيرةِ ما يجعلُنا أصحابَ الخوارزميةِ لا أرقاماً في بياناتِها، وهل ندركُ أنّ السؤالَ لم يَعُد كم نملكُ من الثروة، بل من نملكُ نحنُ أن نكونَه حين تصيرُ المعرفةُ هي العملةَ الوحيدةَ التي لا تُزيَّف؟