شركة بوابات الخير للذكاء الاصطناعي

الطابق الأول، المبنى 7، المنطقة أ طريق المطار، البوابة الاقتصادية ص.ب 93597 الرياض 11683، المملكة العربية السعودية

0112611571

+966570709955

اقتصاديات الذكاء الاصطناعي

كم تساوي فكرةٌ ذكيةٌ لا تزن غراماً ولا تشغل حيّزاً في المستودعات؟ سؤالٌ كان قبل عقدٍ من قبيل المزاح الفلسفي، أمّا اليوم فقد صار جوهرَ المعادلة التي تتنازعها بورصاتُ العالم وموازناتُ الدول، إذ غدت الخوارزميةُ التي تُحسِن التنبؤ بطلبٍ، أو تختصر دورةَ اكتشاف دواءٍ من سنواتٍ إلى أشهر، أثمنَ من مناجمَ كاملةٍ من النحاس، وأكثرَ إدراراً للعائد من حقول النفط التي بنينا عليها يقينَنا الاقتصادي طوال القرن الماضي. والمفارقة أنّ هذه الفكرة الذكية، على نفاستها، تستعصي على أدوات التقييم التقليدية التي ورثناها عن اقتصادٍ كان يقيس الثروة بما يُلمَس ويُخزَّن ويُشحَن، فبتنا أمام أصلٍ يتمدّد كلما استُهلِك، ويزداد قيمةً كلما شاركناه، ولا تُستنزَف خزائنُه بالاستعمال بل بالإهمال. ومن هنا يبدأ السؤال الذي يشغل أسواق عام ألفين وسبعةٍ وعشرين: لا «هل سيغيّر الذكاء الاصطناعي الاقتصاد؟»، فهذا قد حُسِم، بل «كيف نُسعّر ما لم يُخلَق له ميزانٌ بعد؟».

في خلفية المشهد تقف حقيقةٌ يكاد يُجمِع عليها الباحثون في كلية هارفارد للأعمال، مفادُها أنّ ثورة الذكاء الاصطناعي ليست ثورةَ منتجاتٍ بقدر ما هي ثورةُ تكاليفَ حدّيةٍ آيلةٍ إلى الصفر؛ فحين تصير كلفةُ إنتاج الوحدة الإضافية من التحليل أو التصميم أو الاستشارة قريبةً من العدم، تنهار المنطقة المريحة التي احتمت بها الشركاتُ والمهنُ والاقتصاداتُ عقوداً طويلة. وقد بيّنت دراساتٌ متعاقبةٌ صادرةٌ عن معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا أنّ القيمة في هذا الاقتصاد الجديد لم تعد تكمن في امتلاك القدرة الحوسبية وحدها، إذ صارت متاحةً للجميع عبر السحابة، بل في الطبقة الأرفع منها: في جودة البيانات التي تُغذّى بها النماذج، وفي دقّة المسألة التي يُوجَّه إليها الذكاء، وفي القدرة على دمج المخرَجات في سياق عملٍ حقيقيٍّ يُنتج أثراً قابلاً للقياس. بعبارةٍ أخرى، انتقلت النُّدرة من الأداة إلى الحكمة في استخدامها، ومن ثَمَّ انتقلت القيمةُ معها.

غير أنّ التحليل العميق لا يكتمل بالاكتفاء بهذا التفاؤل المنهجي، فثمّة وجهٌ آخرُ للعملة كثيراً ما تتغافل عنه الخطاباتُ الترويجية. يرى الكاتب أنّ أكبر أوهام السوق الراهنة هو الخلط بين ضخامة الاستثمار وضخامة القيمة المتحقّقة؛ فالأرقام التي تتداولها تقاريرُ ماكنزي العالمي عن تريليونات الدولارات الموعودة سنوياً من إنتاجية الذكاء الاصطناعي التوليدي إنّما هي تقديراتٌ لسقفٍ نظريٍّ أعلى، لا لأرضيةٍ مضمونة، والفجوة بين السقف والأرض هي بالضبط حيث يُربَح المالُ ويُخسَر. ولقد لاحظ مرصد ستانفورد للذكاء الاصطناعي في تقاريره السنوية أنّ نسبةً معتبرةً من المؤسسات التي ضخّت أموالاً طائلةً في مشروعات الذكاء الاصطناعي لم تُسجّل عائداً يُذكَر على استثمارها، لا لأنّ التقنية قاصرة، بل لأنّها عُومِلت كأنّها سلعةٌ تُشترى وتُركَّب، لا كقدرةٍ تنظيميةٍ تُبنى وتُستنبت. وهنا يرى الكاتب أنّ القيمة الاقتصادية الحقيقية للحل الذكي لا تُقاس بكلفة بنائه ولا بفخامة عرضه، بل بمقدار ما يُعيد تشكيل سلسلة القيمة من حوله؛ فالخوارزمية التي تُسرّع عملاً قائماً تُضيف هامشاً، أمّا تلك التي تُلغي الحاجة إلى العمل من أصله فتُعيد كتابة قواعد السوق بأسرها، والفرق بينهما هو الفرق بين تحسينٍ يُكافَأ بمكاسبَ تدريجية وبين تحوّلٍ يُكافَأ بريعٍ احتكاريٍّ مؤقت يتسابق الجميع لانتزاعه.

ومن أدقّ ما يكشفه المتأمّل في أسواق ما قبل ألفين وسبعةٍ وعشرين أنّ تسعير الفكرة الذكية يجري وفق منطقٍ مغايرٍ لمنطق الأصول المادية، إذ ترتبط قيمتُها بسرعة التقادم لا بطول العمر. فالنموذج الذي يتفوّق اليوم قد يصير عاديّاً بعد فصولٍ قليلة حين يلحق به منافسوه، ومن ثَمَّ فإنّ ما يُسعَّر فعلاً ليس النموذجَ بل التدفّق المتجدّد للابتكار من حوله، أي القدرة المؤسسية على البقاء في مقدّمة المنحنى. وقد أشارت تحليلاتٌ صادرةٌ عن جامعة أوكسفورد إلى أنّ الميزة التنافسية في هذا الاقتصاد لا تُكتسَب بالسبق اللحظي بل بـ«حلقات التغذية الراجعة»، حيث يجلب المنتجُ الأفضلُ مستخدمين أكثر، فبياناتٍ أغزر، فنموذجاً أذكى، فمنتجاً أفضل، في دورةٍ تراكميةٍ يصعب على المتأخّرين كسرُها. وهذا بالذات ما يفسّر لماذا تتركّز القيمة في حفنةٍ من اللاعبين، ولماذا تُبدي أسواقُ رأس المال استعداداً لدفع مضاعفاتٍ تبدو جنونيةً بمقاييس الأمس، فهي لا تشتري ربحَ العام بل احتمالَ السيطرة على بنيةٍ تحتيةٍ معرفيةٍ لعقدٍ آتٍ.

شاطئ الجبيل ولا يكتمل هذا التحليل ما لم نُدرِك أنّ تسعير الذكاء الاصطناعي يخضع كذلك لمفارقةٍ أشار إليها كثيرٌ من خبراء منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وهي أنّ القيمة المضافة تنزلق سريعاً من طبقة النماذج العامة إلى طبقة التطبيقات المتخصّصة. فالنموذج الأساسي، على عظمته، يصير بمرور الوقت بنيةً تحتيةً أقربَ إلى الكهرباء منها إلى المنتج، يدفع الجميع ثمنها بأسعارٍ متناقصة، بينما يتراكم الريع الحقيقي عند من يبني فوقها حلولاً تلامس مسائل قطاعٍ بعينه: في الصحة، في الطاقة، في الخدمات المالية، في اللوجستيات. وهنا يرى الكاتب أنّ الخطأ الاستراتيجي الذي تقع فيه اقتصاداتٌ كثيرةٌ هو السباق المحموم لامتلاك النموذج الأضخم، في حين أنّ الثروة الأكثر استدامةً تكمن في إتقان توطين الذكاء في تطبيقاتٍ تحلّ مشكلاتٍ محليّةً لا يفهمها سواها، فالأثر الاقتصادي لا يُولَد في المختبر العام بل عند نقطة التماسّ مع حاجةٍ حقيقيةٍ مُسعَّرة. ولذلك فإنّ من يقيس قيمة الفكرة الذكية بحجم النموذج وحده كمن يقيس قيمة شبكة الكهرباء بعدد محطّاتها، متجاهلاً أنّ الثروة إنّما تُصنع في المصانع التي تُشغّلها، لا في الأسلاك التي تنقلها.

شاطئ الجبيل على أنّ ثمّة بُعداً ثالثاً يندر أن يُلتفَت إليه في حُمّى التسعير، وهو البُعد التوزيعي. فالمنتدى الاقتصادي العالمي ما انفكّ يحذّر، في تقاريره عن مستقبل الوظائف، من أنّ المكاسب الإجمالية التي يَعِد بها الذكاء الاصطناعي قد تتركّز في أيدٍ قليلةٍ ما لم تُصمَّم السياساتُ لتوسيع قاعدة المستفيدين، فالقيمة التي تُخلَق على مستوى الاقتصاد الكلي قد تتزامن مع هشاشةٍ متزايدةٍ على مستوى الأفراد والمهن الوسطى. ويرى الكاتب أنّ أيّ تقييمٍ لاقتصاديات الذكاء الاصطناعي لا يُدخِل في حسبانه كلفةَ التكيّف الاجتماعي والإحلال الوظيفي إنّما هو تقييمٌ منقوصٌ يُسعّر الربح ويُسقِط الثمن، تماماً كمن يحتسب عائد مصنعٍ ويتجاهل ما يُلقيه في النهر. ولذلك فإنّ الدول التي ستجني الحصّة الأوفر من ريع ألفين وسبعةٍ وعشرين ليست بالضرورة تلك التي تمتلك أقوى النماذج، بل تلك التي تُحسِن توطين القيمة محليّاً، وتُحوّل التقنية المستورَدة إلى قدرةٍ منتِجةٍ في اقتصادها، وتبني المؤسسات والكفاءات القادرة على التقاط الفائض بدل تسريبه إلى موطن المنشأ.

وهنا يتّصل الخيطُ طبيعيّاً بالسياق العربي، وبرؤية المملكة العربية السعودية ألفين وثلاثين على وجه الخصوص، فالرهان على اقتصاد المعرفة والاستثمار المكثّف في الذكاء الاصطناعي إنّما هو في جوهره رهانٌ على إعادة تعريف مصدر الثروة الوطنية، من ريعٍ يُستخرَج من باطن الأرض إلى قيمةٍ تُولَّد في العقول والمنصّات والبيانات. والذكاء في هذا التوجّه لا يكمن في استيراد النماذج الجاهزة وتشغيلها، فتلك سلعةٌ يملكها الجميع، بل في بناء الطبقة الأثمن: البيانات المحليّة الموثوقة، والمواهب القادرة على صوغ المسائل الصحيحة، والمنظومة التنظيمية التي تُحوّل الفكرة الذكية إلى قطاعٍ اقتصاديٍّ قائمٍ بذاته. ويرى الكاتب أنّ أعظم ما يمكن أن تخسره اقتصاداتُ المنطقة ليس التأخّر في اقتناء التقنية، فالاقتناء مسألةُ مالٍ تُحَلّ بالمال، بل التأخّر في بناء القدرة على تقييم القيمة وانتزاعها؛ إذ لا جدوى من امتلاك المنجم إن كنّا نبيع خامه بسعرٍ يحدّده غيرُنا.

فإذا انتقلنا من التشخيص إلى الركائز العملية، أمكن القول إنّ تقييم الفكرة الذكية في سوق ألفين وسبعةٍ وعشرين يتّكئ على أعمدةٍ أربعة. أولُها أنّ القيمة تُقاس بالأثر لا بالقدرة، فلا اعتبارَ لنموذجٍ بارعٍ ما لم يتّصل بمسألةٍ ذات وزنٍ اقتصاديٍّ حقيقي. وثانيها أنّ النُّدرة هاجرت من الحوسبة إلى البيانات الخاصّة والخبرة السياقية، فمن يملكهما يملك مفتاح التسعير. وثالثها أنّ الميزة لا تدوم إلا بحلقة تغذيةٍ راجعةٍ تُجدّد التفوّق ذاتيّاً، فالسبق اللحظي زائلٌ ما لم يتحوّل إلى نظامٍ يتعلّم. ورابعها، وهو الأخطر، أنّ القيمة الصافية لا تُحتسَب إلا بعد خصم كلفة الأثر الاجتماعي، فالربح الذي يُنتِج هشاشةً واسعةً ربحٌ مؤجَّل الخسارة لا أكثر. ومن يستوعب هذه الأعمدة الأربعة يكفّ عن السؤال السطحي «كم تكلّف الفكرة؟» إلى السؤال الأعمق «كم تُعيد الفكرةُ تشكيلَ ما حولها؟».

وثمّة ركيزةٌ خامسةٌ تتجاوز الأعمدة الأربعة وتعلوها، وهي الحوكمة بوصفها مصدراً للقيمة لا قيداً عليها. فالأسواق الناضجة في أفق ألفين وسبعةٍ وعشرين ستُسعّر الثقة تسعيراً صريحاً، إذ ستدفع المؤسساتُ والأفرادُ علاوةً مقابل أنظمةٍ ذكيةٍ قابلةٍ للتفسير، ومحميّةٍ من التحيّز، ومسؤولةٍ أمام من تتّخذ نياباتٍ عنه قراراتٍ مصيرية. ويرى الكاتب أنّ الحوكمة الرشيدة لم تَعُد كلفةً امتثاليةً تُحتسَب في خانة الخسائر، بل أصبحت أصلاً تنافسيّاً يفصل بين حلٍّ ذكيٍّ يثق به السوق فيدفع ثمنه عالياً، وحلٍّ مماثلٍ تقنيّاً يُعامَل بريبةٍ فينحدر سعره. وهكذا تنقلب المعادلة التي اعتدناها: فالذكاء الاصطناعي الأكثر ربحيةً على المدى البعيد ليس بالضرورة الأقدر، بل الأجدر بالثقة، والأقدر على إثبات أنّه يخلق قيمةً دون أن يُراكم مخاطر خفيّةً تنفجر فتبتلع ما تحقّق من مكاسب.

ولعلّ ما يميّز اللحظة الراهنة عن سائر موجات الابتكار التي سبقتها أنّ المسافة بين الفكرة الذكية وتحوّلها إلى قيمةٍ نقديةٍ لم تَعُد تُقاس بالسنوات بل بالأسابيع أحياناً، وأنّ من يتأخّر في فهم قواعد التسعير الجديدة لا يخسر فرصةً عابرةً بل موقعَه في سلسلة القيمة برمّتها. فالاقتصاد الذي يلوح في أفق ألفين وسبعةٍ وعشرين ليس اقتصاداً تُباع فيه الآلاتُ الذكية كما تُباع المعدّات، بل اقتصادٌ تُسعَّر فيه القدرةُ على التفكير ذاتُها، وتُتداوَل فيه الأفكارُ كما تُتداوَل العملات. وإذا كانت الحضاراتُ تُقاس بما تُحسِن إنتاجَه، فإنّ السؤال الذي يُفترَض أن يقلق صانعي القرار في عالمنا العربي ليس كم نملك من الثروة القديمة، بل كم نُحسِن من صياغة الأفكار الذكية وتقييمها قبل أن يصوغها عنّا غيرُنا. فهل نملك من بُعد النظر بقدر ما نملك من رأس المال، ونحن نقف على أعتاب سوقٍ تُسعَّر فيه العقولُ بأكثر ممّا تُسعَّر فيه الكنوز؟