حين تتصفّح هاتفك مساءً بلا غايةٍ واضحة، تظنّ أنك تستهلك وقتاً فارغاً؛ لكنّ الحقيقة أنّك في تلك اللحظة بالذات تنتج المادّة الخام لأثمن سلعةٍ في الاقتصاد المعاصر، وتسلّمها مجّاناً لمن سيبيعها ويربح منها مرّاتٍ ومرّات. كلُّ نقرةٍ ومسارٍ تتّبعه عينك على الشاشة، وكلُّ ثانيةٍ تتردّد فيها قبل أن تتجاوز منشوراً، وكلُّ عملية بحثٍ أو شراءٍ أو تردّدٍ بين خيارين، تُسجَّل وتُقاس وتُحوَّل إلى رقمٍ في معادلةٍ تجاريةٍ لا تراها ولا يُسمَح لك برؤيتها. السؤال الذي ينبغي أن يقضّ مضجعنا ليس «هل تُجمَع بياناتي؟»، فهذا صار بدهيّاً مملّاً لا يستحقّ الدهشة، بل: لماذا تُعامَل أكثر تفاصيل حياتي خصوصيةً بوصفها بضاعةً تُعرَض في مزادٍ لا أحضره، ولا أعرف من يرسو عليه، ولا أتقاضى من ثمنه شيئاً، بينما أنا المصدر الوحيد لها؟
لنبدأ من تشريح المفارقة لا من التنديد بها، فالتنديد سهلٌ والفهم أصعب. البيانات الشخصية ليست شيئاً واحداً متجانساً، بل طبقاتٌ متفاوتة القيمة والخطورة: فهناك ما تصرّح به طوعاً حين تملأ نموذجاً أو تنشر صورةً أو تكتب رأياً، وهناك ما يُلتقَط من سلوكك دون أن تنطق به، من موقعك الجغرافي إلى سرعة كتابتك إلى ساعات يقظتك ونومك، وهناك الطبقة الأخطر والأثمن على الإطلاق: البيانات المستنتَجة، أي ما يُستخلَص عنك بالاستدلال الإحصائي مما لم تُفصح عنه قطّ ولم تكن تنوي البوح به. هذه الطبقة الأخيرة هي قلب الاقتصاد الجديد ومحرّكه الخفيّ، إذ تستطيع الخوارزميات أن تتنبّأ بميولك السياسية وحالتك الصحية واستعدادك للشراء، بل بهشاشتك النفسية في لحظةٍ بعينها، قبل أن تعيها أنت بنفسك. ولهذا فإنّ ما يُباع في الأسواق الرقمية ليس معلوماتك الماضية فحسب، بل احتمالات سلوكك المقبل، أي مستقبلك المتوقَّع معروضاً للبيع؛ وهنا تكمن جدّة هذا النمط الاقتصادي وخطورته معاً، إذ لم يسبق في تاريخ التجارة أن بِيع المستقبل قبل أن يقع.
يرى الكاتب أنّ التسمية الشائعة «النفط الجديد» للبيانات تسميةٌ مُضلِّلة تستحقّ أن نتخلّى عنها بلا أسف. فالنفط موردٌ ناضب يُستهلَك حين يُحرَق فيختفي، أما البيانات فموردٌ يتكاثر بالاستعمال ولا يَنفَد، ويزداد قيمةً كلّما رُبط بغيره؛ فبياناتك وحدها قد تكون بلا قيمة تُذكَر، لكنها حين تُدمَج في فسيفساء ملايين البشر تصير منجماً لا يُقدَّر بثمن. هذا الفارق الجوهري يفسّر لماذا اتّجهت السوق نحو تركّزٍ شديد في أيدي قلّةٍ تملك القدرة على الجمع والربط والتحليل على نطاقٍ هائل، فيما تظلّ القاعدة العريضة من المستخدمين مزوِّدةً للمادّة الخام بلا حصّةٍ في العائد ولا علمٍ بحجمه. لقد أشار باحثون في جامعة أوكسفورد إلى أنّ ما يُسمّى «رأسمالية المراقبة» يقوم على هذه الآلية بالذات: تحويل الخبرة الإنسانية إلى مادّةٍ خامٍ مجّانية، يُعاد تصنيعها ثم بيعها لنا منتَجاً باهظاً، بينما لا يُحتسَب لصاحبها الأصلي نصيبٌ ولا اعتراف. المستخدم في هذه المعادلة ليس عميلاً يدفع فحسب، بل موْرِدٌ يُحلَب دون أن يُحتسَب نصيبه، ودون أن يُسأل أصلاً عن رضاه الحقيقي.
وهنا تتّضح صورةٌ أوسع تكشفها أبحاث الاقتصاد الرقمي في معاهد مثل ماساتشوستس للتقنية وكلية هارفارد للأعمال: أنّ القيمة في هذا الاقتصاد لا تتولّد من البيانات وحدها، بل من البنية التحتية القادرة على معالجتها وتكريرها. فالبيانات الخام أشبه بالخامة المعدنية المدفونة في باطن الأرض؛ قيمتها كامنةٌ لا تتحقّق إلا بمن يملك المصنع والطاقة والخوارزمية والخبرة لتحويلها سبيكةً نقيّة. ولأنّ هذه البنية باهظةٌ ومركَّزة في أيدٍ معدودة، فإنّ منطق «الفائز يأخذ كلّ شيء» يحكم السوق بقسوةٍ لا هوادة فيها: تأثيرات الشبكة والعوائد المتزايدة تدفع نحو احتكارٍ طبيعيٍّ يصعب اختراقه، إذ يجتذب الكبيرُ بياناتٍ أكثر فيتحسّن نموذجه فيجتذب مستخدمين أكثر فبياناتٍ أكثر، في حلقةٍ مفرغةٍ تُعيد إنتاج هيمنته وتُحكِم قبضته. ولهذا يرى الكاتب أنّ الحديث عن «منافسةٍ حرّة» في سوق البيانات حديثٌ ساذجٌ ما لم يُسبَق بإعادة توزيعٍ للقوة عبر التشريع الصارم، لا بالتمنّي الأخلاقي ولا بمواثيق الشرف الطوعية التي لا تُلزِم أحداً.
والمفارقة الأعمق التي يتهرّب منها الخطاب التسويقي المتفائل هي أنّ هذا الاقتصاد بأكمله بُني على وهمٍ قانونيٍّ هشٍّ اسمه «الموافقة». فحين تضغط زرّ «أوافق» على صفحاتٍ من الشروط لا يقرؤها أحد، تُمنَح المنصّة غطاءً شرعياً لاستخراج ما تشاء وقتما تشاء. لقد بيّنت دراساتٌ في جامعة ستانفورد وغيرها أنّ شروط الخدمة صُمِّمت عملياً لتكون غير مقروءة، وأنّ قراءة المستخدم العادي لكلّ ما يوافق عليه سنوياً تستغرق أسابيع كاملةً من عمره لو شاء أن يفعل. الموافقة هنا ليست عقداً بين طرفين متكافئين، بل طقسٌ شكليٌّ يقنّن اختلالاً فادحاً في القوة؛ إذ لا خيار حقيقياً أمام من يريد أن يشارك في الحياة الرقمية المعاصرة إلا أن يقبل صاغراً. يرى الكاتب أنّ أخطر ما في الأمر ليس جمع البيانات بحدّ ذاته، بل تزييف الرضا عنه وتغليفه بلغة الحرية والاختيار، حتى يظنّ المسلوب أنه مانحٌ متبرّع، وأنّ ما يُؤخَذ منه قسراً إنما يهبه طوعاً.
غير أنّ المشهد ليس قَدَراً محتوماً نستسلم له، فقد بدأت أوروبا تتحرّك حين أقرّت اللائحة العامة لحماية البيانات المعروفة بـ«GDPR»، التي أعادت تعريف البيانات الشخصية بوصفها حقّاً أصيلاً للفرد لا غنيمةً مباحةً للمنصّة، وفرضت غراماتٍ ضخمةً غيّرت حسابات الشركات الكبرى وأرغمتها على إعادة النظر. وعلى المنوال ذاته جاء نظام حماية البيانات الشخصية في المملكة العربية السعودية ليؤسّس إطاراً يحفظ للفرد سيادته على معلوماته، ويقيّد نقلها واستعمالها خارج الغرض المصرّح به، ويُلزِم الجهات بالشفافية والمساءلة. هذه التشريعات، على أهميّتها وضرورتها، تظلّ في رأي الكاتب علاجاً للأعراض لا للجذر؛ فهي تنظّم الاستخراج ولا تُعيد توزيع العائد، وتحمي الخصوصية ولا تمنح المستخدم حصّةً في الثروة التي صنعها سلوكه.
والركيزة الثالثة، وهي الأكثر إغفالاً، تنمية الحسّ النقدي والوعي الأخلاقي بالتوازي مع المهارة التقنية. فمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية حذّرت مراراً، فيوالمنتدى الاقتصادي العالمي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لطالما نبّها إلى أنّ حوكمة البيانات هي معركة القرن الاقتصادية الكبرى، التي ستُحدِّد من يملك المستقبل ومن يُملَك فيه، ومن يجلس إلى مائدة الثروة الرقمية ومن يُكتفى بفُتاتها.
ولأنّ التنظير لا يُجدي بلا ركائز عملية تُترجِمه إلى فعل، فإنّ الكاتب يقترح أربع دعائم لاستعادة التوازن المفقود. أولاها التحوّل الجذري من منطق «حماية الخصوصية» إلى منطق «ملكية البيانات»، بحيث يُعامَل المستخدم مالكاً لأصلٍ له قيمةٌ سوقية، لا ضحيةً تُحمى من اعتداء؛ فالفرق بين أن تُحمى وأن تَملِك فرقٌ بين التابع والشريك. وثانيتها تطوير نماذج «وكالات البيانات» التعاونية، التي يفوّض فيها الأفراد جماعةً منظَّمةً تتفاوض نيابةً عنهم وتقتسم العائد بينهم، فما يعجز عنه الفرد المنفرد في مواجهة عملاقٍ تقني قد تقدر عليه الجماعة المنظّمة بثقلها التفاوضي. وثالثتها فرض الشفافية الخوارزمية إلزاماً لا تطوّعاً، بحيث يحقّ للمستخدم أن يعرف لا ما يُجمَع عنه فحسب، بل ما يُستنتَج منه وكيف يُستعمَل لتوجيهه أو لاستغلال ضعفه. ورابعتها بناء بنىً تحتية وطنية وعربية للبيانات تكسر التبعية لمنصّاتٍ أجنبية تخزّن وعينا وتبيعه دون رقيب، وهو ما تتقاطع معه رؤية المملكة 2030 في سعيها لاقتصادٍ رقميٍّ سيادي تكون فيه البيانات ثروةً وطنيةً تُدار بحكمة، لا مادّةً تُصدَّر مجّاناً ثم تُعاد إلينا منتَجاً نشتريه بأموالنا.
ولا بدّ من وقفةٍ عند البعد الأخلاقي الذي يتوارى خلف الأرقام والعقود، فالمسألة ليست اقتصاديةً صرفة. حين تُحوَّل الذات الإنسانية إلى ملفٍّ من المتغيّرات يُشترى ويُباع، يحدث انزلاقٌ خطيرٌ في معنى الكرامة ذاته؛ إذ يصبح الإنسان شفّافاً أمام المؤسّسات وعتيماً أمام نفسه، تعرف عنه الخوارزمية ما يجهله عن ذاته، وتقرّر نيابةً عنه ما يراه وما يُحجَب عنه وما يُغرى به. وقد نبّه باحثون في كلية هارفارد للأعمال إلى أنّ هذا الاختلال المعرفي ليس تفصيلاً تقنياً عابراً، بل تهديدٌ بنيويٌّ لاستقلالية الفرد وقدرته على الاختيار الحرّ، حين يُحاصَر برسائل وإغراءاتٍ مصمَّمةٍ خصّيصاً لاستثمار لحظات ضعفه. يرى الكاتب أنّ أخطر ما تبيعه الأسواق الرقمية ليس بياناتنا، بل قدرتها على التأثير علينا دون أن نشعر، أي أنها تبيع نفوذاً على إرادتنا في صورة إعلانٍ أو توصية.
ويزيد المشهد تعقيداً أنّ هذا الاقتصاد عابرٌ للحدود بطبيعته، فالبيانات التي تُجمَع في الرياض أو القاهرة قد تُخزَّن في خوادم بعيدة وتُعالَج في ولاياتٍ أخرى وتُباع في أسواقٍ ثالثة، مما يجعل السيادة الرقمية قضيةً وطنيةً بامتياز لا ترفاً فكرياً. فمن يملك بيانات أمّةٍ يملك خريطة وعيها واستهلاكها وميولها، ويستطيع أن يوجّهها أو يساومها أو يستبق قراراتها. ولهذا فإنّ بناء قدرةٍ عربيةٍ ذاتية على تخزين البيانات ومعالجتها ليس مجرّد طموحٍ اقتصادي، بل شرطٌ من شروط الاستقلال في قرنٍ صارت فيه المعلومة أمضى من السلاح. والكاتب يرى أنّ المعركة الحاسمة لن تُخاض على الندرة كما في اقتصاد النفط، بل على الوفرة وكيفية حوكمتها؛ فمن يضبط تدفّق الوفرة ويوجّهه لمصلحة شعبه هو من سيكتب فصول المستقبل، لا من يكتفي بإنتاج البيانات ليجنيها سواه.
يبقى السؤال الأخير معلّقاً كأفقٍ مفتوحٍ يدعونا للتفكير: ماذا لو لم تكن المعركة على «خصوصية» نحميها بانكماشٍ خائف، بل على «ثروةٍ» نطالب بنصيبنا منها بثقة المالك لا بتوسّل المتطفّل؟ إنّ الجيل القادم لن يُسأل هل تُجمَع بياناته، فذلك محسومٌ منذ الآن، بل هل يملك القدرة والوعي على تحويلها من قيدٍ يُكبّله إلى رأسمالٍ يفاوض به ويبني عليه. ويرى الكاتب أنّ المجتمعات التي ستزدهر في العقد المقبل ليست تلك التي تنتج أكثر البيانات، بل تلك التي تحتفظ بحقّها وقدرتها على تحديد من يملكها وكيف تُستعمَل ولمن تعود ثمارها في نهاية المطاف. فالبيانات لن تتوقّف عن التدفّق يوماً، والسؤال الحقيقي ليس كيف نوقف النهر الجارف، فذلك عبثٌ، بل كيف نبني السدّ الذي يحوّل جريانه العاتي إلى طاقةٍ تنير بيوتنا وتدير مصانعنا، بدلاً من أن يظلّ يجرفنا نحو بحرٍ لا نملك فيه شاطئاً نقف عليه، ولا قارباً ننجو به.