ماذا لو قيل لك إنّ أبعد كوكبٍ اكتُشف في العقد الأخير لم تره عينٌ بشرية قطّ، ولم يلمحه عالمٌ يحدّق في مرقابه ليلاً، بل التقطته خوارزميةٌ تمشّط مليارات نقاط الضوء بحثاً عن خفوتٍ طفيفٍ لا يكاد يُرى؟ إنّ المشهد الراسخ في مخيّلتنا عن الفلكيّ الساهر خلف عدسته، يرصد النجوم بصبرٍ ودأب، صار اليوم أقرب إلى صورةٍ رومانسيةٍ من الماضي منه إلى واقع العلم. فالكون الذي ظنّنا يوماً أنّنا نبصره بأعيننا، صرنا نبصره بأعينٍ من رياضياتٍ صرفة، عيونٍ لا ترى الضوء بل تقرأ أرقامه، ولا تتأمّل الجمال بل تحسب الاحتمالات. وهنا تكمن المفارقة التي تستحقّ الوقوف: أنّ توسّعنا في معرفة الفضاء لم يعد مرهوناً بقوّة بصرنا، بل بحدّة الخوارزميات التي نسلّطها على فيضان البيانات الذي لم يعد عقلٌ بشريٌّ واحدٌ قادراً على مجاراته.
ولكي نتبيّن جذور هذا التحوّل، يجدر بنا أن نستحضر المأزق الذي وُلد منه. فالفلك، من بين العلوم كلّها، صار أوّل من يغرق في بياناته. إذ إنّ مرصداً واحداً حديثاً، مثل مرصد «فيرا روبين» الذي بدأ مسحه الكبير للسماء، يُتوقّع أن ينتج عشرات تيرابايتات من الصور في كلّ ليلةٍ واحدة، ويرصد على مدى عقدٍ مليارات الأجرام، في كمٍّ من المعلومات يستحيل على فرقٍ بشريةٍ أن تفحصه يدوياً ولو أفنت فيه أعمارها. ومن هنا لم يكن لجوء الفلكيّين إلى التعلّم الآليّ ترفاً تقنياً، بل ضرورةً وجودية. وقد وصف باحثون في معهد ماساتشوستس للتقنية هذا المنعطف بأنّه انتقالٌ من علمٍ تحدّه قدرتنا على جمع البيانات إلى علمٍ تحدّه قدرتنا على تحليلها؛ فالعقبة لم تعد في أن نرى، بل في أن نفهم ما رأيناه. ويرى الكاتب أنّ هذا التحوّل أعمق ممّا يبدو، إذ إنّه يعيد رسم العلاقة بين العالِم وأداته: لم تعد الأداة امتداداً لحاسّة البصر كما كان المرقاب، بل صارت امتداداً للعقل نفسه، تقترح الفرضيات وتفرز الإشارات قبل أن يصل إليها وعي الإنسان.
ولنفهم كيف تبصر هذه الخوارزميات ما تبصره، علينا أن ندرك أنّ معظم اكتشافات الكواكب الخارجية لا تأتي من رؤيةٍ مباشرة، بل من قراءةٍ غير مباشرةٍ لآثارٍ خفيّة. فحين يعبر كوكبٌ أمام نجمه، يحجب جزءاً ضئيلاً من ضوئه، فيخفت بريق النجم خفوتاً قد لا يتجاوز واحداً في المئة أو أقلّ بكثير. وقد بنى مسبار «كبلر» التابع لناسا ثمّ خلَفه «تِس» إرثهما كلّه على رصد هذه الانخفاضات الدقيقة في منحنيات الضوء لمئات آلاف النجوم. لكنّ المعضلة أنّ كلّ خفوتٍ ليس كوكباً؛ فقد يكون ضجيجاً في الجهاز، أو نجماً مزدوجاً، أو بقعةً على سطح النجم. وهنا برز دور الشبكات العصبية. فقد نشر باحثان من غوغل وجامعة تكساس عام ألفين وثمانية عشر نتائج نموذجٍ عميقٍ سمّياه «أسترونت»، تمكّن من فرز إشارات «كبلر» الحقيقية عن الزائفة بدقّةٍ بالغة، واكتشف به كوكبان حقيقيّان كانا قد فاتا التحليل التقليدي، أحدهما في نظام «كبلر تسعون» الذي صار بذلك أوّل نظامٍ معروفٍ يضمّ ثمانية كواكب كنظامنا الشمسي. ويرى الكاتب أنّ في هذه الواقعة درساً يتجاوز الإنجاز نفسه: فالخوارزمية لم تكتشف كوكباً جديداً في الفضاء، بل اكتشفت كوكباً كان مدفوناً في بياناتٍ قديمةٍ بين أيدينا، غفلنا عنه لأنّ عيوننا لم تكن قادرةً على تمشيط هذا الكمّ. وهذا في جوهره ضربٌ من «التنقيب في كنزٍ نملكه ولا نراه». ولعلّ أبلغ ما في الأمر أنّ كثيراً من الاكتشافات الحديثة لم تأتِ من رصدٍ جديدٍ للسماء، بل من إعادة فحص أرشيفاتٍ قديمةٍ بأدواتٍ خوارزميةٍ أحدث؛ فكأنّ السماء التي رصدناها بالأمس ما زالت تخبّئ أسرارها في الأرقام، تنتظر عيناً أحدّ من عين الأمس لتقرأها.
ومن هذه الأرضية تنبثق رؤيةٌ تخالف السرديّة الشائعة. فالخطاب الرائج يصوّر الذكاء الاصطناعي في الفلك بوصفه «مكتشفاً» يحلّ محلّ العالِم، كأنّ الآلة صارت تخترع المعرفة. ويرى الكاتب أنّ هذا التصوّر مضلّلٌ في جوهره؛ فالخوارزميات لا تكتشف بالمعنى المعرفي للكلمة، بل تُصفّي وتُرتّب وترشّح. إنّها لا تطرح سؤالاً عن الكون، بل تجيب بكفاءةٍ خارقةٍ عن سؤالٍ صاغه الإنسان مسبقاً. فحين ندرّب نموذجاً على تمييز الكواكب العابرة، فإنّنا نكون قد قرّرنا سلفاً ما هو الكوكب وما هي ملامحه؛ والنموذج لا يفعل سوى أن يطبّق هذا التعريف على نطاقٍ يستعصي على البشر. ومن هنا فإنّ خطر هذه الأدوات لا يكمن في «ذكائها» المزعوم، بل في أنّها بارعةٌ في إيجاد ما علّمناها أن تجده، عاجزةٌ بطبيعتها عن مفاجأتنا بما لم يخطر لنا أن نبحث عنه. وهذه مفارقةٌ تستحقّ التأمّل: فالاكتشافات الكبرى في تاريخ الفلك، من إشعاع الخلفية الكونية إلى النجوم النابضة، وُلدت في الغالب من شذوذٍ غير متوقّعٍ التفت إليه عقلٌ فضوليّ؛ في حين أنّ الخوارزمية، بحكم تصميمها، تميل إلى تجاهل الشاذّ بوصفه ضجيجاً يجب التخلّص منه.
غير أنّ الإنصاف يقتضي أن نرى الوجه الآخر لهذه الصورة. فإذا كانت الخوارزميات لا تطرح الأسئلة، فإنّها توسّع بشكلٍ هائلٍ مساحة ما يمكن أن نسأل عنه أصلاً. وهنا يحضر ما رصده باحثون في جامعة هارفارد ومركزها للفيزياء الفلكية من أنّ التعلّم الآليّ بات أداةً لا غنى عنها في تصنيف المجرّات، ورصد موجات الجاذبية، والتقاط الظواهر العابرة كالمستعرات والانفجارات في زمنها الحقيقي قبل أن تخبو. ففي مرصد «ليغو» لموجات الجاذبية، تُستخدم تقنيات التعلّم الآليّ لفرز الإشارات الكونية الحقيقية من بين فيضٍ من الاهتزازات الأرضية المضلّلة، وهي مهمّةٌ تتطلّب حساسيةً تتجاوز ما يدركه السمع البشري لو تُرجمت إلى صوت. ويرى الكاتب أنّ القيمة الحقيقية لهذه الأدوات لا تُقاس بقدرتها على الاستقلال عن العالِم، بل بقدرتها على تحريره؛ فحين تتولّى الآلة مشقّة الفرز والتصنيف، يتفرّغ العقل البشري لما لا تجيده الآلة: صياغة السؤال، وتأويل النتيجة، وربط المتفرّقات في رؤيةٍ كلّية. فالعلاقة هنا ليست تنافساً على من يكتشف، بل تقسيماً للعمل: الآلة تمسح، والإنسان يفهم. ويضيف الكاتب أنّ هذا التقسيم يُحدث نقلةً في طبيعة البحث ذاته؛ فقد كان الفلكيّ في الماضي يصوغ فرضيةً ثمّ يبحث عن دليلٍ يؤيّدها أو ينقضها، أمّا اليوم فقد صارت الخوارزميات تستخرج من البيانات أنماطاً لم يكن أحدٌ يبحث عنها أصلاً، فتقلب الترتيب وتجعل الملاحظة تسبق الفرضية أحياناً. وهذا تحوّلٌ منهجيٌّ عميقٌ يستحقّ أن يُتأمّل بعنايةٍ بالغة، إذ يعيد تعريف معنى أن يكون المرء عالِماً في عصرٍ صارت فيه الأداة قادرةً على أن تشير إلى موضع السؤال قبل أن يصوغه الإنسان.
ولا يكتمل هذا التحليل دون الالتفات إلى الوجه القاتم لهذا الاعتماد المتزايد. فالنماذج التي ندرّبها ترث تحيّزات بياناتنا؛ فإن دُرّبت على أنماطٍ معروفةٍ من الكواكب، صارت أعمى عن أنماطٍ لم تُمثَّل في تدريبها، فتكرّس ما نعرفه وتُقصي ما نجهله. ثمّ إنّ كثيراً من هذه النماذج العميقة تعمل كصندوقٍ أسود؛ تعطينا نتيجةً دون أن تُفصح عن منطقها، وهو ما يقلق العلماء الذين يقوم علمهم على التفسير لا على مجرّد التنبّؤ. وقد نبّهت أوراقٌ بحثيةٌ في هذا الميدان إلى أنّ الثقة العمياء في مخرجات هذه النماذج قد تقود إلى «اكتشافاتٍ» زائفةٍ تنشأ من خللٍ في البيانات لا من حقيقةٍ في السماء. ويرى الكاتب أنّ أخطر ما في هذه التقنية ليس أن تخطئ، بل أن تخطئ بثقةٍ مقنعةٍ تغري بالتصديق؛ فحين تقدّم الخوارزمية نتيجةً بأرقامٍ دقيقةٍ ورسومٍ أنيقة، يصعب على الباحث أن يقاوم إغراء التسليم بها دون أن يسائل الطريق الذي سلكته إليها.
وإذا أردنا أن نحوّل هذا الفهم إلى موقفٍ عمليّ، فإنّه يستقرّ على ثلاث ركائز. الركيزة الأولى أن نُبقي الإنسان في حلقة القرار لا خارجها؛ فالخوارزمية ترشّح المرشّحين، لكنّ التأكيد النهائي لاكتشافٍ كوكبيٍّ يظلّ مسؤوليةً علميةً تتطلّب رصداً مكمّلاً وحكماً بشرياً. والركيزة الثانية أن نطوّر نماذج قابلةً للتفسير لا صناديق سوداء فحسب؛ فالعلم لا يكتفي بأن «يعرف» أنّ هناك كوكباً، بل يريد أن يفهم لماذا، وهو ما يفرض أن تكون أدواتنا شفّافةً قدر الإمكان. والركيزة الثالثة أن نصون موضع الفضول الإنساني في قلب العملية؛ فبينما تتقن الآلة البحث عن المألوف، يبقى على العالِم أن يحرس الشاذّ والغريب، إذ كثيراً ما كان الشذوذ هو بوّابة الاكتشاف الكبير الذي يقلب الفهم رأساً على عقب.
وحين ننقل هذا الكلام إلى سياقنا العربي، تتّضح أهمّيته مضاعفة. فالعرب الذين أبدعوا في الفلك قروناً، وأورثوا سماء البشرية مئات أسماء النجوم التي ما زالت تُتلى بألفاظها العربية، من «الدبران» إلى «الطائر» إلى «بيت الجوزاء»، مدعوّون اليوم إلى أن يعودوا لهذا الميدان لا بوصفهم متلقّين لنتائج غيرهم، بل صانعين للأدوات والبيانات. فالتراث وحده، مهما عظم، لا يصنع حاضراً ما لم يُستكمل بإسهامٍ في أدوات العصر. ورؤية المملكة ألفين وثلاثين، إذ أطلقت برنامجها الفضائي وأنشأت وكالةً للفضاء وتطلّعت إلى اقتصادٍ قائمٍ على المعرفة، تضع أمامنا فرصةً نادرة: أن نوطّن خوارزميات تحليل البيانات الفلكية، وأن نسهم في المساحات الكبرى للرصد العالمي، وأن نُخرّج جيلاً يجمع بين علم الفلك وعلم البيانات. ويرى الكاتب أنّ الأمّة التي تكتفي باستهلاك صور الكون التي يلتقطها غيرها ويحلّلها غيرها، تظلّ على هامش المعرفة؛ أمّا التي تشارك في صناعة العين الرقمية التي تبصر بها الإنسانية أعماق الكون، فتستردّ موقعها في حضارةٍ علميةٍ كانت لها فيها يدٌ سبّاقة.
ويبقى أنّ هذا التزاوج بين الخوارزمية والمرقاب ليس نهاية رحلة الإنسان مع السماء، بل فصلٌ جديدٌ فيها. فمنذ أن رفع الإنسان رأسه أوّل مرّةٍ إلى النجوم، لم يتغيّر سؤاله الأعمق: ماذا هناك في الظلام البعيد، وهل نحن وحدنا؟ ما تغيّر هو الأداة فحسب؛ فبعد أن كانت العين المجرّدة، ثمّ العدسة، ثمّ المستشعر الرقمي، صارت اليوم خوارزميةً تقرأ ما لا تقوى العين على قراءته. والفرق بين أن تكون هذه الأداة عكّازاً يضمر معه فضولنا، أو جناحاً يرفعنا إلى أسئلةٍ أعمق، لا تحدّده التقنية وحدها، بل يحدّده وعينا بحدودها وإمكاناتها.
فالسؤال الذي ينبغي أن يحمله كلّ من يقف أمام هذا الكون المتّسع ليس «هل ستكتشف الآلة بدلاً منّا؟»، بل «أيّ أسئلةٍ جديدةٍ عن الكون ستتاح لنا أن نطرحها حين تتولّى الآلة ما دونها؟». ولعلّ أعظم ما تمنحنا إيّاه هذه العيون الرقمية ليس ما تكشفه من كواكب ومجرّات، بل أنّها تردّنا، ونحن في ذروة تقنيتنا، إلى دهشة الإنسان الأوّل أمام اتّساعٍ يفوق الإدراك، وتذكّرنا أنّ كلّ ما نراه، مهما عظم، ليس إلّا عتبةً لما لم نره بعد.