شركة بوابات الخير للذكاء الاصطناعي

الطابق الأول، المبنى 7، المنطقة أ طريق المطار، البوابة الاقتصادية ص.ب 93597 الرياض 11683، المملكة العربية السعودية

0112611571

+966570709955

أساطير الذكاء الاصطناعي العشر

هل صحيحٌ أنّ الآلة التي تكتب لك رسالةً مهذّبة، وتلخّص لك تقريراً عسيراً، وتجيبك بثقةٍ لا تتزعزع، تفهم حقاً كلمةً واحدةً مما تقول؟ ها هنا تكمن المفارقة التي تتغذّى عليها أكثر الأساطير رواجاً في عصر الذكاء الاصطناعي: كلّما ازداد النموذج طلاقةً في محاكاة الكلام، ازداد الإنسان قناعةً بأنّ خلف الكلام عقلاً يفهم، بينما الحقيقة أنّ ما نسمّيه «فهماً» قد لا يعدو أن يكون حساباً احتمالياً بارعاً للكلمة التالية الأرجح. وحين تتراكم المفاهيم المغلوطة في الإعلام والثقافة العامة، لا يعود الخطر في جهلنا بالتقنية، بل في يقيننا الزائف بأنّنا نعرفها. ولهذا، فإنّ تفنيد أساطير الذكاء الاصطناعي العشر ليس ترفاً معرفياً، بل شرطٌ لاستخدامٍ رشيد لأداةٍ صارت تتسلّل إلى قراراتنا من حيث لا نشعر، وتعيد تشكيل ما نقرأ وما نشتري وما نصدّق دون أن نُدرك يدها الخفيّة في الأمر.

الأسطورة الأولى، وأمّ الأساطير جميعاً، أنّ هذه النماذج «تفكّر». الواقع أنّ النموذج اللغوي الكبير، في جوهره، آلةٌ إحصائيةٌ تتنبّأ بالرمز التالي بناءً على أنماطٍ استخلصتها من كمياتٍ هائلة من النصوص. وقد وصفت الباحثة إميلي بندر وزملاؤها هذه النماذج، في ورقةٍ بحثيةٍ صارت مرجعاً، بأنها «ببغاوات عشوائية» تعيد تركيب اللغة دون أن تربطها بمعنى. ويرى الكاتب أنّ خطورة هذه الأسطورة لا تكمن في تقليل شأن الآلة، بل في تضخيمه؛ فنحن حين نمنحها فهماً لا تملكه، نسلّمها ثقةً لا تستحقّها في مسائل المال والصحة والقانون. والمفارقة أنّ هذا «أثر إليزا» نفسه الذي رصده جوزيف وايزنباوم في معهد ماساتشوستس للتقنية منذ ستينيات القرن الماضي، حين ظنّ الناس أنّ برنامجاً بدائياً يحاكي طبيباً نفسياً ببضع قواعدَ بسيطة يفهم أحزانهم ويبثّونه أسرارهم. لقد كان الإنسان على الدوام مستعدّاً لمنح الآلة فهماً لا تملكه، والفارق اليوم أنّ الآلة صارت أبرع في انتزاع هذا الوهم منّا.

الأسطورة الثانية أنّ الذكاء الاصطناعي «موضوعيٌّ» ومحايد، خِلاف الإنسان المتحيّز. والصواب نقيض ذلك تماماً؛ فالنموذج لا يتعلّم إلا مما نطعمه، ومن ثمّ يرث تحيّزاتنا ويضخّمها. وقد كشفت دراسةٌ شهيرة من معهد ماساتشوستس للتقنية أجرتها الباحثة جوي بولامويني أنّ أنظمة التعرّف على الوجوه التجارية أخطأت في تصنيف النساء ذوات البشرة الداكنة بنسبةٍ تجاوزت الثلث، مقابل خطأٍ يكاد ينعدم مع الرجال ذوي البشرة الفاتحة. التحيّز هنا ليس عطلاً عارضاً، بل انعكاسٌ أمينٌ لخللٍ في البيانات التي رأتها الآلة؛ فهي لم تخترع التحيّز من فراغ، وإنما صقلت ما وجدته في تاريخنا المكتوب وكرّسته بصرامةٍ خوارزميةٍ تخلو من الضمير.

الأسطورة الثالثة أنّ الذكاء الاصطناعي «على وشك» أن يبلغ وعياً يضاهي الإنسان، فيتمرّد علينا كما في أفلام هوليوود. الحقيقة أنّ ما بين أيدينا اليوم هو «ذكاءٌ ضيّق» يتفوّق في مهمةٍ بعينها ويعجز عجزاً تاماً خارجها، وأنّ «الذكاء الاصطناعي العام» ما زال فرضيةً لا يجمع الخبراء على موعدٍ لها ولا حتى على إمكانها. ويرى الكاتب أنّ هذه الأسطورة بالذات تؤدّي وظيفةً مزدوجة خبيثة: فهي تصرف الانتباه عن المخاطر الحقيقية الماثلة اليوم — كالتحيّز والبطالة والتضليل — لتعلّقه بخطرٍ خياليٍّ بعيد، وتمنح بعض الشركات هالةً تسويقيةً تبالغ في قدرات منتجاتها. فالحديث عن آلةٍ واعيةٍ تهدّد البشرية يبيع الأوهام ويبيع الأسهم معاً، بينما تظلّ الأضرار الواقعية المتواضعة في الظهور بلا من يحاسب عليها.

شاطئ الجبيل الأسطورة الرابعة أنّ الذكاء الاصطناعي سيلتهم الوظائف التهاماً ويترك البشر بلا عمل. والقراءة المتأنّية للبيانات ترسم صورةً أكثر دقّة؛ فقد قدّر المنتدى الاقتصادي العالمي في تقريره عن مستقبل الوظائف أنّ التقنية ستزيح ملايين الوظائف، لكنها في الوقت ذاته ستستحدث ملايين أخرى تفوقها عدداً، فالمحصّلة إعادة تشكيلٍ للعمل لا إفناءٌ له. وقد بيّنت تجربةٌ ميدانية أجرتها جامعة هارفارد على مئاتٍ من المحترفين في إحدى كبرى الشركات أنّ الآلة حين تقترن بالإنسان لا تحلّ محلّه بل تضاعف إنتاجيته وجودة عمله. ويرى الكاتب أنّ المهدَّد الحقيقي ليس الإنسان في مواجهة الآلة، بل الإنسان الذي يرفض استخدام الآلة في مواجهة من يحسن استخدامها؛ فالأرجح أنّ من يخسر وظيفته غداً لن يخسرها لصالح خوارزمية، بل لصالح زميلٍ أتقن تطويع الخوارزمية.

شاطئ الجبيل الأسطورة الخامسة أنّ النموذج «يعرف» ما يقول، وأنّ أخطاءه زلّاتٌ عابرة. والصواب أنّ ما يسمّيه الباحثون «الهلوسة» ليس عطلاً طارئاً يمكن إصلاحه بالكامل، بل خاصيةٌ بنيوية في آلةٍ صُمّمت لتوليد نصٍّ محتمل لا نصٍّ صادق. فالنموذج لا يميّز بين الحقيقة والاختلاق؛ كلاهما عنده مجرّد تتابعٍ لغويٍّ مرجّح. ولهذا يبتكر مراجع لا وجود لها، ويسند إلى الباحثين أقوالاً لم يقولوها، بثقةٍ لفظيةٍ تخدع القارئ غير المتيقّظ. ويرى الكاتب أنّ المستخدم الحصيف هو من يعامل مخرجات الآلة معاملة المسوّدة لا الحكم النهائي، فالطلاقة ليست برهاناً على الصدق، بل قد تكون أمكر أقنعته.

الأسطورة السادسة أنّ المزيد من البيانات والحوسبة سيقودنا حتماً إلى ذكاءٍ بلا حدود. والواقع أنّ «قوانين القياس» التي رصدها الباحثون تظهر تحسّناً مطّرداً مع حجم النموذج، لكنها تظهر أيضاً تناقصاً في العائد، وكلفةً بيئيةً ومادية باهظة. وقد نبّه مؤشر ستانفورد للذكاء الاصطناعي إلى الارتفاع الحادّ في كلفة تدريب النماذج الرائدة، حتى صارت حِكراً على حفنةٍ من الشركات العملاقة القادرة وحدها على تحمّل فاتورتها. ويرى الكاتب أنّ المراهنة على الحجم وحده وهمٌ هندسي؛ فالقفزات الكبرى في تاريخ هذا الحقل جاءت من أفكارٍ معماريةٍ جديدة لا من مجرّد تكديس الأرقام، تماماً كما فعلت معمارية «المحوّلات» التي غيّرت قواعد اللعبة بفكرةٍ ذكية لا بقوّةٍ غاشمة فحسب.

الأسطورة السابعة أنّ الذكاء الاصطناعي اختراعٌ وليد اللحظة، انفجر فجأةً مع «شات جي بي تي». والحقيقة أنّه تتويجٌ لرحلةٍ امتدّت سبعين عاماً منذ مؤتمر دارتموث عام 1956، تخلّلتها «شتاءاتٌ» تجمّد فيها التمويل والآمال. فالتقنية لم تتسارع بقدر ما تراكمت، ونحن نحصد اليوم بذوراً غُرست قبل نصف قرن، حين أرسى آلان تورينج وجون مكارثي ومارفن مينسكي أسس السؤال قبل أن تتوفّر أدوات الإجابة. ومن يجهل هذا التاريخ يساء فهم حاضره، فيحسب المحطّة غايةً والوسيلة منتهى. والأرجح أنّ جيلنا المبهور بالنماذج اللغوية يقع في الوهم الذي وقع فيه روّاد كلّ جيلٍ سبقوه، حين ظنّوا أنّ ما بين أيديهم هو ذروة الممكن لا مجرّد طابقٍ في بناءٍ لم يكتمل.

الأسطورة الثامنة أنّ خصوصية بياناتك في مأمن، وأنّ ما تكتبه للنموذج يبقى بينك وبينه. والصواب أنّ كثيراً من هذه الأنظمة تتعلّم من تفاعلات المستخدمين، وأنّ ما يُكتب قد يُخزَّن ويُعالَج ويُستخدم في تحسين النماذج. وقد دفعت هذه المخاوف منظماتٍ كمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى صياغة مبادئ للذكاء الاصطناعي تجعل الشفافية وحماية الخصوصية ركيزتين أصيلتين. ويرى الكاتب أنّ الوعي بأنّ «الأداة المجانية ثمنها بياناتك» شرطٌ أوّليٌّ لأيّ استخدامٍ مسؤول، خاصةً في السياقات المهنية والطبية الحسّاسة، حيث قد تتحوّل كلمةٌ عابرة في محادثةٍ إلى تسريبٍ يصعب استرداده.

الأسطورة التاسعة أنّ الذكاء الاصطناعي يفهم اللغة العربية كما يفهم الإنجليزية. والواقع أنّ العربية ما تزال ضعيفة التمثيل في بيانات تدريب أغلب النماذج العالمية، مقارنةً بطغيان المحتوى الإنجليزي طغياناً ساحقاً. وهذا يعني أنّ النموذج كثيراً ما يفكّر بثقافةٍ ويتكلّم بلغةٍ أخرى، فيخطئ في الفصاحة، ويجهل السياق الثقافي والديني والاجتماعي للمنطقة، وقد يقحم في نصوصه قيماً وافدةً يحسبها القارئ حياداً. ويرى الكاتب أنّ من لا يغذّي الآلة بلغته وثقافته يسلّمها مرآةً تعكس غيره ولا تعكسه؛ ومن هنا تكتسب مبادرات بناء النماذج العربية، التي تتبنّاها رؤية السعودية 2030 ضمن رهانها على الاقتصاد الرقمي، بُعداً سياديّاً لا تقنيّاً فحسب، فمن يتأخّر عن صناعة هذه التقنية يظلّ مستهلكاً لها لا شريكاً في صياغتها، وتُكتب هويّته الرقمية بلسانٍ ليس لسانه.

الأسطورة العاشرة، وهي الأخطر لأنها تتنكّر في ثوب التشاؤم المسؤول، أنّ الذكاء الاصطناعي قوّةٌ قدريةٌ خارجة عن إرادتنا، تتقدّم وحدها فلا نملك إلا التكيّف معها. والحقيقة أنّ هذه التقنية صنيعةُ خياراتٍ بشريةٍ في كلّ منعطف: في البيانات التي نجمعها، والأهداف التي نحدّدها، والحدود التي نرسمها، والتشريعات التي نسنّها. وقد جسّدت جامعتا ستانفورد وأكسفورد هذا الوعي بإطلاق مبادراتٍ تجعل من «الذكاء الاصطناعي المتمحور حول الإنسان» منهجاً لا شعاراً. ويرى الكاتب أنّ تصوير التقنية قدراً محتوماً هو أخطر صور التنصّل من المسؤولية، لأنه يعفينا من واجب التوجيه والضبط والمساءلة، ويحوّل الفاعل المختار إلى ضحيةٍ مستسلمة لما هو في حقيقته من صنع يديه.

وحين نجمع هذه الأساطير العشر في خيطٍ واحد، يتبيّن أنّ جذرها المشترك واحد: نزوع الإنسان إلى أنسنة الآلة تارةً وأسطرتها تارةً أخرى، فإمّا أن يراها عقلاً يفهم ويشعر، وإمّا أن يراها قدراً جبّاراً لا يُردّ. وكلا التصوّرين يصرفنا عن الحقيقة الأكثر تواضعاً وإثارةً في آنٍ: أنّ الذكاء الاصطناعي أداةٌ بالغة القوة، عمياء عن المعنى، أمينةٌ في عكس ما نمنحها إيّاه من بياناتٍ ونوايا. ولأنّ الأمر كذلك، فإنّ الركائز العملية للتعامل معه تكاد تكون بدهية لو صفت أذهاننا من الأساطير: أن نتحقّق من مخرجاته بدل التسليم بها، وأن نحرس بياناتنا الحسّاسة، وأن نوظّفه شريكاً يضاعف قدرتنا لا بديلاً يلغي حضورنا، وأن نطالب بشفافية مصادره وحدود قدراته، وأن نستثمر في تمثيل لغتنا وثقافتنا داخله قبل أن يكتب غيرنا هويتنا الرقمية بالنيابة عنّا.

أمّا الأفق الذي تفتحه هذه القراءة فهو أنّ المعركة القادمة ليست بين الإنسان والآلة، بل بين إنسانٍ يفهم حدود أداته وإنسانٍ تخدعه أسطورتها. فالخطر الأكبر لم يكن يوماً في آلةٍ تتجاوز ذكاءها، بل في إنسانٍ يتنازل عن حكمه لمصلحة آلةٍ لا تحكم أصلاً. وبعد سبعين عاماً من رحلة هذا الحقل، عاد السؤال إلى حيث بدأ: لا «هل تستطيع الآلة أن تفكّر؟»، بل «ماذا نريد نحن من تفكيرها، وأيّ حدودٍ نضع لها قبل أن تضع هي حدوداً لنا؟». فالأساطير العشر، في نهاية المطاف، ليست أخطاءً عن الآلة بقدر ما هي مرايا تكشف ما نجهله عن أنفسنا؛ ولن نحسن تطويع الذكاء الاصطناعي حتى نتحرّر أوّلاً من الوهم بأنّنا قد فهمناه فهماً تامّاً. فهل نملك من اليقظة بقدر ما نملك من الانبهار؟