حين تقرأ أنّ الذكاء الاصطناعي سيضيف عشرات التريليونات إلى الاقتصاد العالمي، هل سألت نفسك يوماً من الذي حسب هذا الرقم، وعلى أيّ فرضيةٍ بناه، ولماذا تتقارب أرقام الشركات الاستشارية الكبرى كأنها نُسخت عن أصلٍ واحد؟
ثمة مسافةٌ شاسعة بين ما يُقال عن الذكاء الاصطناعي وما يحدث فعلاً في غرف الاجتماعات وأرضيات المصانع وشاشات الموظفين. فالخطاب الترويجي يرسم منحنىً صاعداً لا ينكسر: تبنٍّ كاسح، وإنتاجيةٌ تتضاعف، وعائدٌ مضمون لمن يلحق بالركب. أما الواقع المرصود في الدراسات الميدانية فأكثر تعقيداً وأقلّ بريقاً، لكنه أصدق وأنفع لمن يريد أن يبني قراراً لا أن يطارد موجة. والمفارقة أنّ الأرقام التي تُتلى علينا صباح مساء ليست كلها كاذبة، بل أخطر ما فيها أنها انتقائية؛ تُبرز ما يلمع وتُخفي ما يُربك،
فتترك في الذهن صورةً صحيحةً في تفاصيلها مضلِّلةً في مجملها. وهنا يكمن جوهر ما نريد تفكيكه: لا أن نكذّب الرقم، بل أن نسأله من أين أتى، وماذا يُخفي خلفه، وأيّ سؤالٍ أُريد له أن يجيب عنه قبل أن يُولد. فالرقم لا يُولد محايداً قطّ، بل يُولد جواباً على سؤالٍ اختاره صاحبه بعناية، وقد يكون السؤال نفسه منحازاً قبل أن تُجمع أوّل بياناته.
لنبدأ من حيث يبدأ الوهم: الفرق بين الاهتمام والتبنّي، وبين التبنّي والعائد. فحين يُقال إنّ نسبةً عالية من المؤسسات «تستخدم» الذكاء الاصطناعي، يلتبس على القارئ معنى الاستخدام؛ إذ تُحصى ضمنه التجربةُ العابرة في قسمٍ واحد، والمشروعُ التجريبي الذي لم يغادر المختبر، إلى جانب الدمج العميق في صلب العمليات. وقد بيّن مؤشر ستانفورد للذكاء الاصطناعي أنّ نسبة المؤسسات التي تُفيد باستخدامه قفزت إلى ما يقارب ثمانية وسبعين في المئة، وهو رقمٌ مذهلٌ ظاهرياً، لكنه يقيس الانتشار لا العمق، والحضور لا الأثر.
يرى الكاتب أنّ الخلط بين هذه الطبقات الثلاث هو الخطيئة الإحصائية الأولى في خطاب الذكاء الاصطناعي؛ فبين أن «تجرّب» مؤسسةٌ أداةً توليدية في إدارة التسويق، وأن تعيد هندسة سلسلة قيمتها حولها، مسافةٌ تُقاس بالسنوات والميزانيات لا بخانةٍ واحدة في استبيان. والأخطر أنّ كثيراً من هذه الاستبيانات يُجاب عنه بدافع الرغبة في الظهور بمظهر المواكب، فتُسجَّل النيّةُ والطموح بوصفهما واقعاً قائماً، ويتضخّم الرقم بفعل ضغطٍ اجتماعيٍّ صامت لا بفعل تحوّلٍ حقيقي.
والدليل على هذه الهوّة يأتي من حيث لا يتوقّع المتحمّسون. فقد نشر باحثون مرتبطون بمختبر ميديا لاب في معهد ماساتشوستس للتقنية تقريراً ميدانياً مطلع العقد الحالي خلص إلى أنّ السواد الأعظم من مشروعات الذكاء الاصطناعي التوليدي في المؤسسات لم يُحقّق عائداً ماليّاً ملموساً يُذكر في قوائمها، رغم ضخامة الإنفاق عليها. ليست هذه دعوةً إلى التشاؤم، بل تذكيرٌ بأنّ الفجوة بين الحماسة والنتيجة هي القاعدة لا الاستثناء في المراحل المبكّرة من كلّ تقنيةٍ تحويلية. وتتقاطع هذه القراءة مع ما رصدته دراساتٌ منشورة من أنّ نسبة المشروعات التي تنتقل من الطور التجريبي إلى التشغيل الفعلي على نطاقٍ واسع تظلّ متواضعة، وأنّ كثيراً منها يتعثّر عند جدارٍ غير تقني بالمرّة: بياناتٌ رديئة، وحوكمةٌ غائبة، ومهاراتٌ ناقصة، ومقاومةُ تغييرٍ بشريةٌ عتيقة. فالمشكلة نادراً ما تكون في النموذج، وغالباً ما تكون في المؤسسة التي تستضيفه. ولعلّ في هذا درساً لمن يظنّ أنّ شراء التقنية يكفي؛ فالأداة مهما بلغت براعتها تبقى عاجزةً ما لم تُسنَد ببنيةٍ تنظيميةٍ تعرف كيف تطرح السؤال الصحيح وتقيس الجواب.
ولأنّ السؤال الأعمق هو سؤال الإنتاجية، يحسن أن نتأنّى عنده. فالوعد المتكرّر أنّ الذكاء الاصطناعي سيضاعف إنتاجية العامل، وهو وعدٌ له سندٌ بحثيٌّ حقيقي لكنه أضيق مما يُشاع. فقد أظهرت تجاربُ مضبوطة أجراها باحثون في جامعة ستانفورد ومعهد ماساتشوستس على مراكز خدمة العملاء أنّ مساعداً ذكيّاً رفع إنتاجية الوكلاء بنسبةٍ ملموسة، لكنّ المكسب تركّز في الفئة الأقلّ خبرةً وكاد يتلاشى عند الخبراء، بل قد يبطئهم أحياناً. وهنا مفارقةٌ يطمسها الخطاب الترويجي: الذكاء الاصطناعي يرفع أرضية الأداء أكثر مما يرفع سقفه. أما الدراسة التي قادتها جامعة هارفارد بالتعاون مع شركة بوسطن الاستشارية على مئات الاستشاريين، فكشفت وجهاً أكثر إرباكاً؛ إذ تحسّن الأداء بوضوحٍ في المهام الواقعة داخل ما سمّاه الباحثون «الحدّ المسنّن» لقدرات النموذج، بينما تراجع الأداء في المهام التي تقع خارج هذا الحدّ، لأنّ المستخدمين وثقوا بمخرجاتٍ خاطئةٍ صادرةٍ بثقةٍ زائفة. يرى الكاتب أنّ هذا «الحدّ المسنّن» هو أصدق وصفٍ لحال التقنية اليوم: أداةٌ بارعة في منطقةٍ ضبابية الحدود، فمن جهلها أساء استخدامها وهو يحسب أنه يُحسن. ومن هنا فإنّ متوسّط المكاسب الذي تتبجّح به العناوين يُخفي تبايناً هائلاً تحته؛ فالرقم الوسطي قد يجمع مكسباً كبيراً لفئةٍ وخسارةً صامتةً لأخرى، فيخرج المتوسّط مطمئناً بينما الواقع تحته منقسمٌ متوتّر.
فلننتقل الآن إلى صناعة الرقم نفسه، إلى المختبر الذي تُسبَك فيه إحصاءات السوق. حين تقرأ أنّ حجم سوقٍ ما سيبلغ كذا مليار دولار بحلول عامٍ بعيد، بمعدّل نموٍّ سنويٍّ مركّبٍ أنيق، فاعلم أنّ خلف هذا الرقم سلسلةً من الفرضيات التقديرية لا قانوناً فيزيائيّاً. فالتقدير يُبنى غالباً بإحدى طريقتين: إمّا من القاعدة إلى القمة بجمع مبيعاتٍ مرصودة ثم استقراء نموّها، وإمّا من القمة إلى القاعدة باقتطاع حصةٍ مفترضة من اقتصادٍ كلّي. وفي الحالتين، يكفي أن تُحرّك فرضيةً واحدةً عن سرعة التبنّي أو متوسط الإنفاق حتى يتضخّم الرقم النهائي أو ينكمش بمليارات. يرى الكاتب أنّ تقارب أرقام الجهات المختلفة لا يدلّ بالضرورة على دقّتها، بل قد يدلّ على أنها تشرب من المنابع ذاتها وتستشهد بعضها ببعض حتى يتحوّل التقدير الأوّلي، بتكرار الاقتباس، إلى ما يشبه الحقيقة الراسخة، وهي ظاهرةٌ يسمّيها بعض الباحثين «الغسيل الإحصائي». والأدهى أنّ كثيراً من هذه التقارير يصدر عن جهاتٍ لها مصلحةٌ مباشرة في تضخيم السوق، فالبائع الذي يقدّر حجم الطلب على بضاعته ليس شاهداً محايداً، والمستشار الذي يبيع خدمة التحوّل الرقمي مستفيدٌ من أن يبدو القطار على وشك المغادرة.
ولا يقف الأمر عند أرقام السوق، بل يمتدّ إلى الأرقام «المرعبة» عن الوظائف. فالعناوين التي تُبشّر بأنّ مئات الملايين من الوظائف ستختفي تستند غالباً إلى دراساتٍ تقيس قابلية المهام للأتمتة، لا الوظائف المُلغاة فعلاً. وهذا تمييزٌ جوهريٌّ يُهمل عمداً؛ فالوظيفة الواحدة حزمةٌ من المهام، وأتمتة بعضها قد تعيد تشكيل الدور لا تمحوه. وقد قدّر المنتدى الاقتصادي العالمي في تقاريره عن مستقبل الوظائف أنّ التقنية ستُزيح ملايين الأدوار وتستحدث في الوقت نفسه ملايين أخرى، فالصافي ليس انهياراً بل إعادة توزيعٍ مؤلمةٍ تتطلّب تأهيلاً واسعاً. كما نبّهت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أنّ نسبة الوظائف المعرّضة للأتمتة الكاملة أقلّ بكثير من النسبة المعرّضة للتحوّل الجزئي. يرى الكاتب أنّ ترجمة «قابلية الأتمتة» إلى «فقدان الوظيفة» مغالطةٌ منهجية تُغذّي القلق العام وتُربك صنّاع السياسات، وأنّ الأصدق أن نتحدّث عن تحوّلٍ في تركيبة المهام لا عن إبادةٍ للمهن. ومن المفارقات أنّ هذه الأرقام المخيفة تُروَّج أحياناً من الجهة ذاتها التي تبيع حلول الأتمتة، فالخوف من فقدان الوظيفة دافعٌ تجاريٌّ ماهر، يُحرّك الإنفاق دفاعاً عن المستقبل قبل أن يثبت أنّ المستقبل هو ما صُوِّر فعلاً.
فما الذي يفعله العاقل أمام هذا الركام من الأرقام المتنازعة؟ يرى الكاتب أنّ الركيزة الأولى هي سؤال المصدر دائماً: من أصدر الرقم، وما مصلحته، وهل يقيس النيّة أم الفعل، والقابلية أم النتيجة؟ والركيزة الثانية هي التمييز الصارم بين مؤشرات الانتشار ومؤشرات الأثر؛ فعدد المؤسسات المستخدِمة لا يعني شيئاً ما لم يقترن بأثرٍ في الربحية أو الإنتاجية أو رضا العميل. والركيزة الثالثة قياس العائد على المؤسسة ذاتها بتجاربَ صغيرةٍ مضبوطة قبل التوسّع، فلا حجّة أبلغ من رقمٍ وُلد في بيتك. والركيزة الرابعة أن نحرّر القرار من «الخوف من التخلّف» الذي يدفع كثيرين إلى الإنفاق المتسرّع كي لا يُقال إنهم تأخّروا، فهذا الخوف ذاته وقودُ الفقاعات. والركيزة الخامسة، في سياقنا العربي، أن نبني قدرتنا على إنتاج الإحصاء لا استهلاكه؛ فأكثر الأرقام المتداولة عندنا مستوردةٌ تقيس أسواقاً أخرى وثقافاتٍ أخرى، وقياس واقعنا بأدواتٍ صُمّمت لغيرنا انتحالٌ معرفيٌّ صامت.
وهنا يتّصل الخيط بمشروعنا الوطني؛ فرؤية السعودية ألفين وثلاثين، حين تجعل من الاقتصاد القائم على البيانات والذكاء الاصطناعي ركيزةً للتحوّل، إنما تراهن على بناء القدرة المحلّية على القياس والإنتاج معاً، لا على استيراد الوعود الجاهزة. والمؤسسات الوطنية التي ستفرز الغثّ من السمين في هذا الطوفان من التقارير هي التي ستحوّل الإنفاق إلى أثرٍ حقيقي، لا التي تطارد أحدث رقمٍ لامع في عنوانٍ صحفي. فالصدق الإحصائي ليس ترفاً أكاديميّاً، بل شرطٌ أوّلٌ لكلّ قرارٍ سياديٍّ رشيد، وحين نملك مراصدنا الخاصة التي تقيس تبنّي مؤسساتنا وعائدها بمعايير سياقنا، نكفّ عن أن نكون صدىً لأرقامٍ صيغت لأسواقٍ بعيدة عنّا في بنيتها وحاجاتها.
والخلاصة التي ينتهي إليها هذا التأمّل أنّ أخطر ما في أرقام الذكاء الاصطناعي ليس زيفها، فأكثرها صادقٌ في حدوده، بل اقتطاعها من سياقها وتقديمها بوصفها نبوءاتٍ حتمية. فالرقم أداةٌ لا حُكم، ومن سلّم عقله للأرقام دون أن يسائلها استبدل وثوقيةً قديمةً بأخرى رقمية، وظنّ أنه تحرّر من الخرافة بينما هو قد أعاد إنتاجها في ثوبٍ كمّيٍّ أشدّ إقناعاً وأخفى التواءً. يرى الكاتب أنّ المرحلة القادمة لن تُكافئ من جمع أكثر الإحصاءات، بل من امتلك أصدق الأدوات لقراءتها؛ فالوفرة في الأرقام صارت تخمةً، والندرة الحقيقية اليوم هي في الحكمة التي تميّز بين ما يُقاس وما يُقاس عبثاً. وربما يكون أنفع ما نتعلّمه من هذه التقنية أنها، إذ تُغرقنا في البيانات، تعيد إلينا قيمة السؤال البشري الأعتق: ليس كم يبلغ الرقم، بل ماذا يعني، ولمن، ولماذا الآن؟ فهل نملك من الجرأة على مساءلة الأرقام بقدر ما نملك من الشغف بجمعها؟