شركة بوابات الخير للذكاء الاصطناعي

الطابق الأول، المبنى 7، المنطقة أ طريق المطار، البوابة الاقتصادية ص.ب 93597 الرياض 11683، المملكة العربية السعودية

0112611571

+966570709955

02 - ما هو الذكاء الاصطناعي حقاً

حين تسأل هاتفك عن الطقس فيجيبك بصوتٍ هادئ، هل خطر لك يوماً أنّ تلك الآلة لا تفهم كلمة «مطر» كما تفهمها أنت، ولا تعرف معنى أن تبتلّ، بل تكتفي بحساب أرقامٍ صرفةٍ احتمالاً تلوَ احتمال؟ المفارقة أنّنا أحطنا الذكاء الاصطناعي بهالةٍ من الغموض تكاد تبلغ حدّ السحر، حتى صرنا نتعامل معه كصندوقٍ أسود مغلق، بينما هو في جوهره أبسط مما نظنّ وأعقد مما نتصوّر في آنٍ واحد. وبين هذين الطرفين تضيع الحقيقة، فلا نحن أدركنا قدرته على وجهها الصحيح، ولا نحن خفّفنا من رهبتنا منه على أساسٍ متين.

ولعلّ أوّل ما ينبغي تفكيكه هو الاسم ذاته. فكلمة «ذكاء» محمّلةٌ في أذهاننا بكلّ ما نعرفه عن الذكاء البشري: الوعي، والفهم، والقصد، والإدراك. غير أنّ ما نسمّيه اليوم ذكاءً اصطناعياً لا يملك من ذلك شيئاً البتّة؛ فهو ليس عقلاً مصغّراً يسكن المعالج، وإنما منظومةٌ رياضيةٌ بالغة الإتقان تتعرّف على الأنماط وتتنبّأ بما يليها. وقد نبّه جون مكارثي، الذي نحت المصطلح أصلاً عام 1956، إلى أنّ التسمية كانت اختياراً تسويقياً بقدر ما كانت علمياً، بل اعترف لاحقاً بأنّ كلمة «اصطناعي» أوحت للناس بأكثر مما تحتمل. ومن هنا يرى الكاتب أنّ نصف الخوف الذي يساور الناس من هذه التقنية إنما هو خوفٌ من كلمةٍ لا من حقيقة؛ فلو سمّيناها منذ البداية «إحصاءً متقدماً» أو «تعرّفاً على الأنماط» لتبدّد كثيرٌ من الرهبة، ولفهمها العامّة على وجهها الصحيح.

والحقيقة التي يغفل عنها كثيرون أنّ معظم ما يبهرنا اليوم يقوم على فكرةٍ واحدةٍ بسيطة: التنبّؤ بالعنصر التالي. فالنموذج اللغوي حين يكتب لك جملةً متماسكة لا يفعل في العمق سوى أنه يحسب، كلمةً بعد كلمة، أيّ الكلمات أرجح أن تأتي تالياً بناءً على ملايين النصوص التي «قرأها» أثناء تدريبه. إنه أشبه بمن أتقنَ لعبة التخمين إلى حدّ الإعجاز، دون أن يفهم شيئاً مما يخمّنه. وقد عبّرت عن هذا باحثاتٌ بارزات من بينهنّ إميلي بندر بوصفٍ صار شهيراً حين سمّين هذه النماذج «ببغاوات عشوائية» تعيد تركيب اللغة بمهارةٍ مذهلة دون أن تعي مدلولها. وهذا ليس انتقاصاً من قدرتها، بل توصيفٌ دقيقٌ لطبيعتها؛ فالطائر الذي يردّد كلماتٍ بليغة لا يفهمها يبقى مع ذلك قادراً على أن يثير دهشتنا.

ولعلّ أوضح مثالٍ على هذا التخمين المتقَن أن تطلب من النموذج إكمال عبارةٍ مألوفة مثل «العقل السليم في الجسم...»، فيكمّلها على الفور بكلمة «السليم» لا لأنه يعي معنى الصحّة أو علاقة الجسد بالعقل، بل لأنّ هذا الاقتران تكرّر أمامه آلاف المرّات في نصوص تدريبه حتى صار الأرجح إحصائياً. وحين تطلب منه المسألة ذاتها بصياغةٍ نادرةٍ لم يصادفها كثيراً، تتعثّر دقّته ويتبدّى ضعفه. وهنا تنكشف القاعدة الخفيّة: الآلة بارعةٌ فيما تكرّر، عاجزةٌ غالباً عمّا ندَر. ولهذا تخطئ في مسألةٍ حسابيةٍ بسيطةٍ قد يحلّها طفلٌ في العاشرة، بينما تصوغ مقالاً بليغاً في ثوانٍ؛ فالأولى تتطلّب فهماً للمنطق، والثاني يتطلّب محاكاةً للأنماط، وهي لا تتقن إلا الثانية.

شاطئ الجبيل ولتقريب الصورة أكثر، تخيّل أنّ كلّ ما تراه الآلة من العالم ليس صوراً ولا كلماتٍ ولا أصواتاً، بل أرقاماً فحسب. فحين «تنظر» المنظومة إلى صورة قطّ، فإنها لا ترى قطّاً بل شبكةً من النقاط الضوئية حُوّل كلٌّ منها إلى رقمٍ يمثّل شدّة اللون. ثم تمرّ هذه الأرقام عبر طبقاتٍ متتالية من المعالجة، تكتشف الطبقة الأولى الحوافّ البسيطة، وتركّب الطبقة التالية منها أشكالاً، حتى تصل الطبقات العليا إلى تجميعٍ تقول عنه باحتمالٍ مرتفع: هذا قطّ. هذه هي الفكرة الجوهرية وراء ما يُسمّى «الشبكات العصبية»، وهي تسميةٌ أخرى مضلّلة؛ فهي ليست عصبيةً بالمعنى البيولوجي إلا في استعارةٍ بعيدة، وإنما جداولُ أرقامٍ تُضرب وتُجمع وفق معادلاتٍ تُعدَّل آلاف المرّات حتى تقلّ نسبة الخطأ. وما من سحرٍ في الأمر، بل رياضياتٌ متراكمةٌ تجري على سرعةٍ مذهلة، حتى إنّ ما يبدو لنا «حدساً» من الآلة ليس إلا حساباً جرى أسرع من أن نلحظه.

شاطئ الجبيل ولكي نفهم كيف تتعلّم هذه المنظومة أصلاً، يحسن أن نتأمّل الفرق الجوهري بينها وبين البرمجة التقليدية. ففي الحاسوب القديم كان المبرمج يُملي على الآلة قواعد صريحة: إن كان كذا فافعل كذا. أما في التعلّم الآلي، وهو القلب النابض للذكاء الاصطناعي المعاصر، فالأمر معكوس تماماً؛ إذ نُغرق الآلة بأمثلةٍ لا حصر لها ونتركها تستخلص القواعد بنفسها. وهذا التحوّل، كما توضّح أدبيات مختبر علوم الحاسب والذكاء الاصطناعي في معهد ماساتشوستس للتقنية، هو الذي أطلق الثورة الحالية؛ فبدل أن نعلّم الآلة كيف تميّز القطّ من الكلب بقواعد نصوغها نحن، نريها ملايين الصور حتى تستنبط هي الفارق. والنتيجة منظومةٌ تبرع في مهامّ كان يُظنّ أنها حِكرٌ على الإنسان، لكنها تظلّ عاجزةً عن تفسير «لماذا» قرّرت ما قرّرت، وهي إشكاليةٌ يسمّيها الباحثون «الصندوق الأسود». ولتقريب هذا التحوّل بمثالٍ مألوف، تأمّل كيف يتعلّم برنامجٌ تمييز رسائل البريد المزعجة: فهو لا يُلقَّن قائمةً بالكلمات الممنوعة، بل يُعرض عليه ملايين الرسائل المصنّفة سلفاً بين «مزعج» و«سليم»، فيستنبط بنفسه القرائن الدقيقة التي تميّز بينهما، حتى تلك التي قد يصعب على الإنسان أن يصوغها في قاعدة صريحة. وهذا بالضبط مكمن قوّته ومكمن خطره معاً؛ فهو يكتشف أنماطاً قد تكون أدقّ من إدراكنا، لكنه قد يلتقط أيضاً أنماطاً زائفةً أو متحيّزة كامنةً في البيانات دون أن نشعر.

وحتى يستقيم الفهم لا بدّ من لمحةٍ تاريخية موجزة تكشف أنّ هذا الجوهر لم يتبدّل كثيراً منذ النشأة. فحين انطلق الحقل في منتصف القرن الماضي، انقسم الباحثون بين فريقٍ ظنّ أنّ الذكاء يُصنع بتلقين الآلة قواعد المنطق الصريحة سطراً سطراً، وفريقٍ راهن على أن تتعلّم الآلة من الأمثلة كما يتعلّم الطفل. وقد ساد الفريق الأول عقوداً، فبُنيت «النُّظُم الخبيرة» التي حشدت معرفة المتخصصين في قواعد جامدة، لكنها انهارت بمجرّد أن تخطّت أسئلتها حدودها الضيقة. ولم تنتصر مدرسة التعلّم من الأمثلة إلا متأخّراً، حين توافرت البيانات الضخمة والقدرة الحسابية. والمغزى أنّ ما نسمّيه اليوم ذكاءً متقدّماً ليس قفزةً مفهوميةً جديدة، بل انتصارٌ متأخّر لفكرةٍ قديمة وجدت أخيراً وقودها. ومن أدرك هذا أدرك أنّ التقنية الحالية امتدادٌ لا انقطاع، وأنّ حدودها اليوم هي امتدادٌ لحدودها بالأمس.

وهنا تبرز رؤيةٌ مخالفةٌ للسائد: إنّ الذكاء الاصطناعي ليس ذكياً لأنه يفكّر، بل لأنه يتذكّر ويقارن بسرعةٍ وسعةٍ يعجز عنهما أيّ عقلٍ بشري. فالعقل الإنساني يتعب وينسى وينحاز، أما المنظومة فتمسح ملايين الاحتمالات في أجزاءٍ من الثانية دون ملل. ومن ثمّ فإنّ تفوّقها ليس تفوّقاً في الجوهر بل في النطاق والسرعة. وقد أشارت مراجعاتٌ منهجيةٌ صادرة عن باحثين في جامعة ستانفورد إلى أنّ هذه النماذج تبرع برَوعةٍ في المهامّ المحدّدة جيداً، لكنها تتعثّر بمجرّد أن تواجه موقفاً يتطلّب حسّاً عاماً أو فهماً للسياق العميق، وهو ما يكشف الهوّة بين المحاكاة والفهم. ويرى الكاتب أنّ الخلط بين هذين الأمرين هو مصدر معظم المبالغات الرائجة؛ فحين نرى الآلة تكتب قصيدة نظنّها تشعر، بينما هي إنما أعادت تركيب أنماطٍ شعريةٍ التقطتها من نصوص البشر.

ولا يكتمل التفكيك دون الإشارة إلى الوقود الذي يغذّي هذه المنظومة، وهو البيانات. فالذكاء الاصطناعي بلا بيانات كالمحرّك بلا بنزين؛ بنيةٌ معطّلةٌ لا تتحرّك. ولهذا فإنّ جودة المخرجات رهينةٌ بجودة المدخلات، فإن أطعمناها بياناتٍ منحازة أنتجت قراراتٍ منحازة، وإن غذّيناها بمعلوماتٍ ناقصة أنتجت استنتاجاتٍ ناقصة. وقد رصدت أبحاثٌ من كلية هارفارد للأعمال أنّ كثيراً من إخفاقات هذه الأنظمة في التطبيقات الواقعية لا يعود إلى ضعف الخوارزمية بل إلى رداءة البيانات التي دُرِّبت عليها أو تحيّزها. ومن هنا يتّضح أنّ المعركة الحقيقية ليست في بناء خوارزمياتٍ أذكى فحسب، بل في تنقية البيانات وإثرائها وتمثيلها العادل لمختلف الفئات واللغات والثقافات. ولا يخفى أنّ هذا التحيّز ليس فرضيةً نظرية، بل واقعٌ موثّق؛ فقد كشفت حالاتٌ مشهورة عن أنظمةٍ لفرز السير الذاتية تعلّمت من بياناتٍ تاريخيةٍ منحازة فأقصت المتقدّمات من النساء لمجرّد أنّ الماضي الذي دُرِّبت عليه كان منحازاً أصلاً. والآلة هنا لم تقرّر التمييز، بل عكست تحيّزاً بشرياً مدفوناً في الأرقام، فضخّمته بصمتٍ وكفاءة. وهذا هو الوجه المقلق للحياد المزعوم؛ إذ تبدو المنظومة موضوعيةً لأنها رياضية، بينما هي في الحقيقة مرآةٌ أمينةٌ لكلّ ما في بياناتنا من عوجٍ وانحياز.

وعلى صعيدٍ أوسع، يخطئ من يحصر أثر هذه التقنية في حدود المختبر أو الشركة، فهي تعيد تشكيل سوق العمل والاقتصاد برمّته. وقد قدّر المنتدى الاقتصادي العالمي في تقاريره عن مستقبل الوظائف أنّ موجة الأتمتة والذكاء الاصطناعي ستلغي أصنافاً من المهن وتستحدث أصنافاً أخرى في آنٍ واحد، بحيث لا يكون التحدّي في زوال العمل بل في إعادة تأهيل القوى العاملة لمهاراتٍ جديدة. وفي السياق ذاته نبّهت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أنّ المهن التي تعتمد على المهارات الروتينية القابلة للتنبّؤ هي الأكثر عرضةً للأتمتة، بينما تبقى المهامّ التي تتطلّب حكماً إنسانياً وإبداعاً وتعاطفاً عصيّةً على الآلة. والمغزى أنّ فهم طبيعة هذه التقنية ليس ترفاً فكرياً، بل بوصلةٌ عمليةٌ تعين الفرد والمجتمع على معرفة أين يقف الإنسان وأين تقف الآلة، وكيف يوزّعان الأدوار بحكمةٍ بدل أن يتنازعا موقعاً واحداً.

وثمّة مغالطةٌ شائعة ينبغي تفكيكها قبل المضي، وهي الظنّ بأنّ هذه المنظومة، إن أخطأت، فإنها تكذب أو تتوهّم كما يفعل الإنسان. والحقيقة أنّها لا تكذب لأنها لا تعرف الصدق أصلاً، ولا تتوهّم لأنها لا تملك وعياً يتوهّم؛ وإنما تولّد جملةً ترجّحها الأرقام وإن كانت زائفةً تماماً، فتسوقها بثقةٍ لفظيةٍ كاذبة لأنها لا تميّز بين ما هو صحيحٌ وما هو محض احتمالٍ لغويّ بليغ. ولهذا حذّر باحثون من أنّ أخطر ما في هذه النماذج ليس جهلها، بل بلاغة جهلها؛ فهي تصوغ الخطأ بأناقةٍ تخدع غير المتيقّظ، وتمنح الباطل رونق الحقيقة. ومن أدرك أنّ ثقة الآلة في لغتها لا علاقة لها بصحّة مضمونها، عصم نفسه من فخٍّ يقع فيه كثيرون حين يحسبون فصاحة العبارة دليلاً على صدق الخبر.

والخلاصة التي ينبغي أن نخرج بها لا أن نخشى هذه الآلة خشية الجاهل، ولا أن نقدّسها تقديس المبهور، بل أن نفهمها على ما هي عليه: أداةٌ رياضيةٌ هائلة القدرة، محدودة الأفق، تمتدّ بقدر ما نطعمها من بيانات، وتنحرف بقدر ما في تلك البيانات من عوج. وإنّ المستقبل الذي يلوح في الأفق لن يحسمه من يملك أقوى الخوارزميات، بل من يفهم حدودها فيوظّفها حيث تبرع ويكبح جماحها حيث تتعثّر. فالسؤال الأجدر بنا اليوم ليس «هل ستتفوّق الآلة على الإنسان؟»، بل «كيف نصوغ شراكةً يبقى فيها الحكم النهائي للوعي البشري، وتبقى الآلة خادماً بارعاً لا سيّداً أعمى؟» ومن يجيب عن هذا السؤال بحكمةٍ اليوم، يملك مفتاح غدٍ يكون فيه الذكاء الاصطناعي امتداداً لقدرة الإنسان لا بديلاً مقلقاً عنها.