ماذا لو كان الخوف من أن تبتلع الآلة وظائفنا مجرد نصف الحقيقة، بينما النصف الآخر، الأكثر إثارة، هو أن هذه الآلة ذاتها تنحت في الصخر أبواباً مهنية لم يكن لها اسم قبل سنوات قليلة؟ في كل مرة يهبّ فيها إعصار تقني على سوق العمل، ينقسم الناس فريقين: فريق يعدّ القتلى من المهن المندثرة ويرثيها، وفريق نادر يتسلق إلى نقطة عالية ليرى الأرض البكر التي كشف عنها الإعصار. والمفارقة أن التاريخ، حين نقلبه، يكاد يكون كله في صف الفريق الثاني، غير أن الذاكرة الجمعية مولعة بتذكر الخسارة أكثر من ولعها بتسجيل الميلاد. ولعل أخطر ما يفعله الخوف أنه يحجب عنا رؤية الفرص في اللحظة التي تكون فيها أكثر طراوة وأسهل اقتناصاً.
ليست هذه دعوة إلى تفاؤل ساذج، بل قراءة في طبيعة التحول ذاته. فحين نشر الباحثان كارل فراي ومايكل أوزبورن من جامعة أكسفورد دراستهما الشهيرة عام ألفين وثلاثة عشر عن قابلية الوظائف للأتمتة، التقطت الصحافة الرقم المرعب وحده، ونسيت ما قاله الباحثان لاحقاً مراراً: إن الأتمتة تعيد تشكيل المهام داخل الوظيفة الواحدة أكثر مما تمحو الوظيفة بأسرها. ومنذ ذلك الحين، صار تقرير مستقبل الوظائف الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي وثيقة شبه سنوية تُذكّرنا بالحقيقة المزدوجة: نعم، ستتبخّر ملايين الأدوار، لكن أدواراً أكثر منها ستولد، وصافي المعادلة قد يكون موجباً إن أحسنّا التهيئة. غير أن الكاتب يرى أن المشكلة ليست في الرقم الصافي، بل في الفجوة الزمنية والمهارية بين من يُسرَّح ومن يُستدعى، وهذه الفجوة هي المعركة الحقيقية لعام ألفين وثمانية وعشرين وما بعده.
لنفهم لماذا تلد التقنية وظائف بقدر ما تقتل، علينا أن نستعيد بصيرة الاقتصادي ديفيد أوتور من معهد ماساتشوستس للتقنية، الذي طالما نبّه إلى ما سمّاه مفارقة بولاني: نحن نعرف أكثر مما نستطيع أن نصف، ولذلك تبقى مساحات واسعة من العمل عصيّة على البرمجة الكاملة. ويذهب أوتور إلى أن الأتمتة لا تلغي القيمة الإنسانية بل تزيحها نحو المهام التكميلية التي تصبح أندر وأثمن. وهنا يكمن المفتاح: كل أداة قوية تخلق حولها طبقة من الأدوار الإنسانية التي تغذّيها، وتوجّهها، وتراقبها، وتترجم مخرجاتها إلى قيمة. السيارة لم تقتل وظيفة الحوذي وحدها، بل ولدت صناعة كاملة من الميكانيكيين والمهندسين وسائقي الأجرة ومخططي الطرق، وكان من المستحيل على معاصري الحوذي أن يتخيلوا هذه الأسماء. والآلة الكاتبة حين ماتت لم تأخذ معها الكتابة، بل أطلقت عوالم من البرمجة والتصميم وإدارة المحتوى لم تكن في الحسبان.
وإذا أردنا أن نرسم ملامح الفئات الوظيفية الصاعدة، فإنها تتجمع، في تقدير الكاتب، حول أربعة ينابيع كبرى. الينبوع الأول هو طبقة الوساطة بين الإنسان والنموذج الذكي: أدوار تُعنى بصياغة التعليمات، وتدقيق المخرجات، ومعايرة سلوك النماذج، وتنسيق عمل أنظمة الوكلاء الرقمية التي صارت تنفّذ مهامها بشبه استقلال. لقد رأينا بوادر ذلك في ما يوصف بمهندس التوجيه، لكن الكاتب يرى أن هذه التسمية مرحلية، وأن ما يولد فعلاً هو مهنة أعمق يمكن تسميتها هندسة التعاون بين الإنسان والآلة، حيث لا يكفي أن تخاطب النموذج، بل أن تصمم سير العمل كله حوله. وقد أشار تقرير العمل الناشئ الصادر عن منصة لينكدإن إلى أن العناوين الوظيفية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي تتكاثر بوتيرة تفوق قدرة المؤسسات على توصيفها، وهي علامة كلاسيكية على ميلاد قطاع لا على احتضاره. وفي هذا الينبوع تنبت أيضاً أدوار منسق أساطيل الوكلاء، ومدقق سلاسل الاستدلال، ومصمم الذاكرة المؤسسية للأنظمة الذكية، وهي مسميات قد تبدو غريبة اليوم كما بدا اسم مبرمج غريباً قبل قرن.
الينبوع الثاني هو طبقة الحوكمة والثقة. فكلما تعاظمت قدرة الأنظمة، تعاظمت الحاجة إلى من يضبط حدودها الأخلاقية والقانونية والأمنية. هنا تنبت وظائف مدقق الخوارزميات، ومسؤول السلامة، ومحلل الانحياز، ومهندس الخصوصية، وضابط الامتثال للذكاء الاصطناعي. وقد لفتت دراسات من كلية هارفارد للأعمال إلى أن المؤسسات التي تبني وظائف للرقابة الداخلية على نماذجها تحقق ثقة أعلى لدى عملائها وميزة تنافسية حقيقية، لا مجرد امتثال شكلي. والكاتب يرى أن هذه الطبقة بالذات هي التي ستوظّف الكفاءات العربية ذات التكوين المزدوج، القانوني والتقني، لأن العالم العربي يملك إرثاً تشريعياً وأخلاقياً عميقاً يمكن أن يتحول إلى رأس مال مهني إن أُحسن استثماره. ومع تسارع سنّ التشريعات الناظمة للذكاء الاصطناعي حول العالم، يصبح المتمكن من ترجمة النص القانوني إلى قيد هندسي قابل للتنفيذ كائناً مهنياً نادراً وثميناً.
الينبوع الثالث، وهو الأكثر مفاجأة لمن يظن أن الآلة ستجفّف منابع الإنسانية، هو طبقة المهن التي ترتفع قيمتها كلما اتسعت رقعة الأتمتة، أي المهن التي تتغذى على ما لا تتقنه الآلة: التعاطف، والحضور الجسدي، والحكم الأخلاقي المعقد، والإبداع المتجذر في التجربة الحية. ينبّه باحثو معهد ماساتشوستس للتقنية إلى أن المهارات الاجتماعية والعاطفية يتصاعد الطلب عليها بالتوازي مع صعود التقنية لا في تضادّ معها. ومن هنا تولد أدوار مثل مرشد التحول الرقمي للأسر، ومصمم التجارب الإنسانية في المؤسسات، ومنسق رفاهية العاملين في بيئات الأتمتة، وأخصائي إعادة التأهيل المهني لمن أزاحتهم الآلة. الكاتب يرى أن هذه الفئة هي أكثر الفئات تجذيراً في القيم العربية، حيث تشكّل العلاقة الإنسانية والكرم في الاهتمام عملة ثقافية أصيلة قابلة للترجمة إلى مهن المستقبل. فالمجتمع الذي يجيد الضيافة والمجالسة والإصغاء يملك بذرة مهن الرعاية والمرافقة التي لن تستغني عنها أكثر الاقتصادات تقنية.
أما الينبوع الرابع فهو طبقة الدمج القطاعي، أي الأدوار التي تنشأ عند تزاوج الذكاء الاصطناعي بقطاع تقليدي بعينه فيولّد هجيناً جديداً: أخصائي الطب الدقيق المدعوم بالنماذج، ومهندس الزراعة الذكية، ومحلل الطاقة المستدامة بالبيانات الضخمة، ومصمم المدن المتجاوبة، ومطوّر المحتوى التعليمي المخصص لكل متعلم. وهنا تحديداً يلتقي المسار العالمي برؤية المملكة العربية السعودية ألفين وثلاثين، التي جعلت من توطين التقنية في القطاعات الحيوية ركيزة لا ترفاً. فمشروعات مثل نيوم والاقتصاد القائم على المعرفة لا تطلب مبرمجين فحسب، بل تطلب جيلاً من المهنيين الهجينين الذين يجمعون بين فهم القطاع وإتقان الأداة، وهذا بالضبط نوع الوظائف التي تشير إليها تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية حين تتحدث عن الطلب المتنامي على المهارات المركّبة. والكاتب يرى أن المنطقة العربية، بفضل فتوّتها الديموغرافية وطموحها التنموي، مؤهلة لأن تتحول من مستهلكة للوظائف المستوردة إلى مصدّرة لنماذج مهنية جديدة، إن هي تجرأت على ابتكار مساراتها بدل تقليد سواها. ولا ينبغي أن يفوتنا أن صعود هذه الوظائف لن يكون متساوياً بين البلدان ولا بين الأفراد، فالعائد الأكبر سيذهب لمن يستثمر مبكراً في رأس المال البشري، وهذا درس تكرره أدبيات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية حين تربط بين جاهزية المهارات وبين قدرة الاقتصاد على التقاط مكاسب التحول التقني. وقد بيّنت تحليلات صادرة عن كلية هارفارد كينيدي أن المناطق التي احتضنت موجات الأتمتة السابقة بمرونة في سياسات سوق العمل خرجت أقوى، بينما تعثّرت المناطق التي اكتفت بالدفاع عن القديم. والكاتب يرى أن العالم العربي يقف اليوم عند مفترق مشابه: إما أن يحوّل هذه اللحظة إلى نهضة مهنية شاملة تستوعب شبابه الطامح، وإما أن يتركها تمر فتتسع لديه فجوة المهارات التي تحذّر منها الدراسات. إن أعقل ما نفعله الآن ليس الانتظار ريثما تتضح الصورة، فالصورة لا تتضح إلا لمن يخطو فيها، بل المبادرة إلى التعلم والتجريب والبناء، لأن وظائف ألفين وثمانية وعشرين تُصنع اليوم في مختبرات الجرأة لا في قاعات الترقب. فالمستقبل لا يُمنح، بل يُنتزع انتزاعاً بالعقل المتعلم والإرادة الصبور، ومن أدرك هذا اليوم سبق غيره إلى الأبواب التي لم تُفتح بعد، وكان من القلّة الذين يصنعون الموجة بدل أن تجرفهم.
لكن أي حديث عن وظائف المستقبل يبقى ناقصاً إن لم يتحول إلى ركائز عملية. والركيزة الأولى، في نظر الكاتب، هي إعادة تعريف التعليم من خزن المعلومة إلى صناعة القدرة على التعلم مدى الحياة، إذ تؤكد أبحاث ستانفورد المتكررة أن نصف عمر المهارة التقنية صار قصيراً إلى حد يجعل الشهادة الجامعية الواحدة وقوداً لا يكفي لرحلة العمر. الركيزة الثانية هي بناء جسور انتقال سريعة بين المهن الآفلة والمهن الصاعدة، عبر برامج إعادة تأهيل ممولة وموجهة، لأن الفجوة الزمنية التي أشرنا إليها هي مصدر الألم الاجتماعي الحقيقي. الركيزة الثالثة هي تحرير الخيال المؤسسي من أسر العناوين الوظيفية القديمة، والاعتراف بأن كثيراً من وظائف ألفين وثمانية وعشرين لا تملك بعد توصيفاً في أدلة الموارد البشرية. والركيزة الرابعة، وهي عربية بامتياز، هي صياغة سرديتنا الخاصة عن العمل في عصر الذكاء الاصطناعي، بدل استيراد القلق جاهزاً من خطاب لا يشبه واقعنا الديموغرافي الشاب ولا طموحنا التنموي. وأضيف ركيزة خامسة لا تقل أهمية: غرس ثقافة المبادرة والريادة، إذ إن كثيراً من وظائف الغد لن يخلقها صاحب عمل بل ستصنعها أيدي أصحابها أنفسهم حين يكتشفون حاجة لم يلتفت إليها أحد.
وهنا أعود إلى المفارقة التي بدأت بها: إن الخائفين لا يرون الفرص لا لأنها غائبة، بل لأن أعينهم مثبتة على الباب المغلق فلا تلتفت إلى عشرة أبواب تُفتح في الجدار نفسه. الذكاء الاصطناعي ليس قدراً يُنتظر، بل مادة خام تُشكَّل، وسوق العمل ليس مسرحاً للفناء بل ورشة لإعادة الخلق. والسؤال الذي ينبغي أن نطرحه ليس كم وظيفة سنفقد، بل أي إنسان نريد أن نكونه حين يتولى الذكاء الاصطناعي ما هو روتيني فينا، ويترك لنا ما هو أعمق وأرفع. ربما تكون أعظم وظائف المستقبل تلك التي لم نخترع لها اسماً بعد، والتي ستحملها أجيال تنظر إلى قلقنا اليوم كما ننظر نحن إلى خوف الحوذي من المحرك، بابتسامة فيها حنوّ وكثير من الدهشة. ولعل أنبل ما نورّثه لهذه الأجيال ليس وظائف جاهزة، بل جسارة الإقدام على المجهول، واليقين بأن الإنسان كان دوماً، وسيظل، أعظم من أعظم آلاته.