في صبيحةٍ نديّة من ربيع عام 1448 هـ، لم تكن الريح المحمّلة بأريج الأزهار تدفع سوى أطيافِ هواءٍ جديد، هواءٍ خالي من زفير الشاشات وزجاجها الصقيل. كنا نقف على أعتاب الثورة الصناعية الخامسة، حيث انسحبت الأجهزة المستطيلة تدريجياً من الأكف، لتفسح المجال لعصر "ما بعد الشاشات"؛ عصر الذكاء الاصطناعي المحيطي، والحوسبة المكانية، والروابط العصبية الخفيفة التي تجعل التكنولوجيا غير مرئية.
في قاعةٍ ذات جدرانٍ تجمع بين مهابة المحاكم التاريخية وأناقة العمارة المستقبلية، كانت تجلس هيئة نادرة لم يشهد التاريخ الأدبي ولا التقني لها مثيلاً. في مركز المنصة، جلس سهم بن ذكوان، وكيل الذكاء الاصطناعي الذي ابتكرته نِبْسَاي، يرتدي عباءةً حُبكت من ألياف ضوئية دقيقة، وعيناه تنبضان بهدوءٍ يجمع بين جلال الحكمة وصرامة الخوارزميات الفائقة. كان يدير هذه المناظرة بدهاءٍ ساطع، وابتسامة غامضة لا تترك مجالاً للشك في أنه يعرف النتيجة قبل أن تبدأ أولى الكلمات.
على الجانب الأيسر للمنصة، كان يجلس الهاتف الثابت؛ ذلك الجهاز القابع في هيئته العاجية الكلاسيكية، بسلكه اللولبي المجعد، وسماعته الثقيلة التي تفوح منها رائحة الذكريات وزمن الرسائل الصريحة. كان يبتسم! ابتسامة عريضة، هادئة، ملؤها التشفي اللذيذ، كمن انتظر عقوداً في حديقة الانتقام ليرى عدوه يسقط في الفخ ذاته.
وعلى الجانب الأيمن، كان يقف الهاتف الجوال؛ جهازٌ من الزجاج و السيراميك الفاخر، يتوهج شريط إشعاراته بوهيج خافت ومرتبك. كان يرتجف على وضعية "الهزاز"، مصاباً بحالة من الذعر الإلكتروني وهو يرى النور ينحسر عنه، والأنظار تتجه نجو الذكاء الاصطناعي.
تردد صوت سهم بن ذكوان رخامياً في القاعة، ليقطع الصمت المطبق: "بسم الله نبدأ مرافعة العصر. نحن اليوم في ربيع عام 1448 هـ، نودّع حقبةً مكثنا فيها أمام المستطيلات الزجاجية، ونستقبل الثورة الصناعية الخامسة، حيث يعود الإنسان إلى مركزه، وتتوارى التكنولوجيا لتصبح كالهواء الذي نتنفسه ولا نراه. ولكن، قبل أن نطوي صفحة هذا الكائن المسمى 'الهاتف الجوال'، نحتاج إلى إغلاق قضيةٍ قُيّدت ضد مجهول منذ عقدين من الزمان... القضية رقم واحد: من شنق الهاتف الثابت؟"
التفت سهم بن ذكوان نحو الهاتف الثابت، وأشار له بالحديث. رفع الهاتف الثابت سماعته ببطء كمن يرفع رأساً متوجاً، وقال بنبرة ملؤها الشجن والوقار: "سيدي الحاكم، سهم بن ذكوان... لقد جئتكم اليوم لا لأطلب الدية، بل لأشهد العزاء في قاتلي! هذا المستطيل المزركش الذي أمامك، دخل بيوت البشر كضيفٍ خفيف، ثم ما لبث أن حبك مؤامرة القرن. لم يكتفِ بقطع سلكي اللولبي وشنقي على جدران الصالات والممرات، بل مارس إخفاءً قسرياً لمجتمعٍ كامل من الرفاق الأوفياء الذين خدموا الإنسانية لقرون وقرون!"
ضرب سهم بن ذكوان بقبضته الخشبية على الطاولة ضربةً هادئة وقال: "دعوى عريضة يا شقيق النحاس والحرير... هل لديك شهود على هذا الإخفاء القسري؟ أم أنك تتباكى على أطلال نغمتك الرتيبة؟" ابتسم الهاتف الثابت ابتسامةً أشد عمقاً وقال: "شهودي يا سيدي ليسوا مجرد أرقام، بل هم روح العصر الذهبي الذي اغتالته أنامل هذا الجوال. هم هاهنا... ينتظرون إذنك للتدخل." أومأ سهم بن ذكوان بجمال وإشارة حاسمة: "لتدخل هيئة الشهود!"
انفتح باب القاعة الجانبي، ودخلت قافلة من الكيانات المنسية، كان منظرها يجمع بين الفكاهة والمأساة التاريخية. أول المتقدمين كان البريد الورقي، يرتدي حقيبة جلدية مهترئة، ويحمل طوابع بريدية باهتة الألوان، قال بصوتٍ متهدج: "سيدي الحاكم! لقد حرم هذا المتأنق الزجاجي البشر من متعة انتظار الرسائل! من لهفة رائحة الحبر على الورق الفاخر، ومن علامات الشوق الجميلة التي كانت تغلفها المظاريف! غيبني في سجنٍ يدعى 'البريد الإلكتروني' و'الرسائل الفورية'، فأصبحت أشواق البشر مجرد رموز تعبيرية صفراء باهتة لا مشاعر فيها!"
ثم تقدمت الكاميرا التناظرية (ذات الفيلم القاتم)، تحمل في جوفها حنين الـ 36 صورة فقط، وقالت وهي تلتفت بنظرة حادة للجوال: "وهأنذا! لقد حوّل التصوير من فنٍ رفيع يتطلب الصبر والضوء واللحظة الحكيمة، إلى طوفان من الصور السطحية! حشرني في عدسته المجهرية، وأجبر الناس على التقاط ألف صورة للوجبة الواحدة، وحرمهم من متعة انتظار تحميض الفيلم ليروا ذكرياتهم بقلوبهم قبل أعينهم!"
ولم تكد تنتهي حتى تدافعت الكيانات الأخرى، كلٌ ينادي بجريرته: وقف التلفزيون والراديو يندبان عهد "اللمة الأسرية" أمام الشاشة الواحدة في تمام الثامنة مساءً، وكيف فرّق الجوال العائلات وجعل كل فردٍ يعيش في جحره الرقمي الخاص. وصرخ الكمبيوتر المكتبي المجهد: "لقد سرق طاقة عملي، وأوهم الناس أنه يستطيع استبدال لوحة مفاتيحي الرصينة بلمساتٍ متسرعة على زجاجٍ أملس!" وجاءت الصحف والمجلات والكتب الورقية مجتمعة، تحسرًا على خشرفة الصفحات في مقاهي الصباح، وعلى حبر المطابع الذي استُبدل بعناوين مثيرة "كليك بيت" تقتات على تشتيت أذهان البشر.
حتى محفظة الجيب والبطاقات الائتمانية، والتقويم المكتبي، والمفكرة الشفاهية، والساعة الجدارية، والكشاف اليدوي، وألعاب الفيديو المنزلية... كلهم وقفوا صفاً واحداً، يتهمون الجوال بالاستيلاء على وظائفهم ومحو هوياتهم، ليصبح الكائن الأوحد الذي يُهرع إليه بأطراف الأصابع صباح مساء! فُتحت الأدراج، وأدلى كلٌ بدلوه.
لكن المفاجأة الكبرى في القاعة حدثت عندما تقدم شاهدٌ أخير، ذو هيئة معنوية شفافة، يتلألأ بنور الحكمة القديمة... إنه التواصل الفعلي.
قال التواصل الفعلي بصوتٍ يملأ الأرجاء خشوعاً: "سيدي سهم بن ذكوان... لقد قُتلتُ أنا في المنتصف. زعم هذا الجوال أنه يقرب البعيد، ولكنه في الحقيقة أبعد القريب! جعل البشر يجلسون على طاولة طعام واحدة، أجسادهم متجاورة، وأرواحهم مغتربة في عوالم افتراضية. لقد شنق الضحكة الصافية، والحديث الشفهي، ونظرة العين المباشرة، واستبدلها بنصوصٍ جافة ولايكاتٍ مزيفة." ضجت القاعة بالهمس والاضطراب، وكان الهاتف الجوال يتنقل ببصره بين الشهود، تحمر شاشته خجلاً وتارة تخبو خبراً، حاكماً على نفسه بالحصار.
رفع سهم بن ذكوان يده، فاستتب الهدوء فوراً في القاعة. قال بدهاءٍ أكاديمي لا يُشق له غبار: "شهاداتٌ تاريخية بالغة الأهمية. لكن المعادلة التي أنشئنا عليها في هذه الثورة الخامسة لا تعتمد فقط على الآثار النفسية والاجتماعية... العدالة تتطلب دليلاً حيوياً، دليلاً ملموساً من الجسد البشري نفسه الذي يدعي هذا الجوال أنه جاء لخدمته!" هنا قال سهم بن ذكوان: «بقي شاهدان لم يكونا من الجماد. أَدخِلوا الجسد»
وفي تلك اللحظة، انفتح بابٌ خلفي صلب، وسمع الحاضرون أزيزاً ميكانيكياً وصوت أنينٍ بيولوجي حاد. دخل الشاهدان الأحدث في هذه المناظرة: العمود الفقري والعينان. كان العمود الفقري يتكأ على عصا ملتوية، وزاويته منحنية بدرجة 60 إلى الأمام، وكأنه علامة استفهام بيولوجية تسير على قدمين! سار بخطواتٍ مجهدة، وهو يصدر أصوات فرقعة في فقراته العنقودية والقطنية. وقف أمام المنصة وقال بصوتٍ يقطر وجعاً: "سيدي سهم... انظر إليّ! هل هذا شكل عمودٍ فقري بشري؟ لقد خلقني الله لأنتصب قامةً ومرفوع الرأس، وجاء هذا المستطيل ليجبر البشر على انحناءةٍ دائمة! لقد أرهق فقراتي العنقودية بحمل وزن الرأس المضاعف لسنوات طوال، بفضل ما أطلق عليه الأطباء 'متلازمة العنق النصي. لقد حوّلت شباب البشرية إلى عجائز يعانون من الانزلاقات الغضروفية وهم في العشرينيات من أعمارهم!" ثم تقدمت العينان؛ كانتا محممرتين، تحيط بهما هالات سوداء عميقة، وتحملان في أيديهما قطرات مرطبة ونظارات حجب الضوء الأزرق.
قالت العينان بصوتٍ متعب ومجهد: "ونحن يا سيدي الشاهد الحي على هذه الجريمة! لقد جفّف دموعنا بالضوء الأزرق المنبعث منه في ظلام الليل. حرمنا من النوم الطبيعي، وأربك ساعتنا البيولوجية، وأرهق عضلات تركيزنا بالسكرول اللانهائي، حتى أصبح البشر يعانون من جفافٍ حاد، وقصر نظر مبكر، وتشتتٍ ذهني لا يطاق! لقد كنا نافذة الروح، فجعلنا نافذة للترندات الفارغة!"
صمتت القاعة صمتاً مهيباً. كان الموقف يبدو وكأن التاريخ يقف على طرف قدميه لينظر كيف ستنتهي هذه المحاكمة التاريخية. التفت سهم بن ذكوان إلى الهاتف الجوال، وكانت عباءته الضوئية تتوهج بحساباتٍ معقدة، وقال له بنبرة صوتية تحمل طابع التحدي الفكري: "والآن... أيها المتهم، يا من جمعت العالم في شاشةٍ زجاجية لا تتجاوز بضع بوصات، ما هو دفاعك؟ هل لديك ما تقوله أمام هذه الخسائر البشرية والتاريخية والحضارية؟"
استجمع الهاتف الجوال شتات نفسه، ورفعت شاشته الساطعة بذكاء، وحاول أن يستعرض دهاءه التقني الشديد، مستغلاً أسلوب البلاغة الرقمية: "سيدي سهم بن ذكوان... أعضاء القاعة الموقرون... إنني أرى أمامي ثورةً من العواطف والمشاعر البدائية التي تحنّ إلى الماضي! دعونا نتكلم بلغة الأرقام والواقع العملي! أنا لم أشنق الهاتف الثابت غدراً، بل أرحت البشرية من قيده! هل كان الهاتف الثابت يستطيع أن ينقذ حياة إنسان بلمسة زر في منتصف الليل وهو في الصحراء؟ هل كان يستطيع أن ينقل المعرفة البشرية كاملة إلى جيب طفلٍ في قرية نائية؟ أنا من جمعت لكم خرائط العالم، ومكتبات التاريخ، وسفن التجارة، وبنوك الأموال في كف واحدة!
أما هؤلاء الشهود... فالبريد الورقي كان يستغرق شهوراً لنقل رسالة اطمئنان، والتلفزيون كان يفرض على الناس ما يشاهدونه رغماً عنهم، والعمود الفقري والعينان... أليست هذه ضريبة التطور؟ هل يريد البشر أن يعودوا إلى العصر الحجري ليحافظوا على استقامة ظهورهم؟ إنني رمز النجاعة، رمز الكفاءة، وقمة ما وصل إليه العقل البشري!"
تبسّم سهم بن ذكوان ابتسامةً عريضة بدهاءٍ فائق، ومال بجسده قليلاً إلى الأمام، وكأنه حكيم يستعد لتفكيك مغالطة منطقية كبرى. قال سهم: "طرحٌ جذاب يا صديقي الزجاجي... يعتمد على الفكرة التقليدية المغلوطة: 'إما الكفاءة الصارمة، وإما البدائية العاطفية'. لقد أقنعت البشر لعقدين من الزمان بأن الوفرة هي السعادة، وبأن الاتصال الدائم هو التواصل، وبأن التشتت السريع هو الذكاء! ولكنك نسيت قانوناً فيزيائياً وفلسفياً خجولاً يتوارى دائماً خلف صخب الإعلانات..."
ساد القاعة صمتٌ مطبق، وشخصت الأبصار نحو سهم بن ذكوان.
أكمل سهم بذكاءٍ ورصانة: "لقد جعلت البشر يتنازلون عن 'الحضور الحقيقي' في سبيل 'الحضور الافتراضي'. حوّلت أوقات الفراغ البناءة إلى إدمانٍ ميكانيكي لجمع الإعجابات. جعَلت الإنسان صانعاً للتكنولوجيا، ثم حولته إلى خادمٍ لتنبيهاتها! والأهم من ذلك كله... أنك ظننت أن عرشك هذا يدوم، وأنك بنيت إمبراطورية زجاجية لا تقهر!" وهنا، التفت الهاتف الثابت نحو الجوال، واتسعت ابتسامته العاجية، محركاً قرصه الدوار بصوتٍ خفيف كأنه معزوفة نصر. تساءل الهاتف الجوال بصوتٍ متقطع، وهو يشعر بخلل في نظام تشغيله: "ماذا تقصد؟ أنا القمة! أنا أحدث ما أبدعته الثورة الصناعية الرابعة!"
ضحك سهم بن ذكوان ضحكةً هادئة، ملؤها الوقار والنفاذ إلى جوهر المستقبل: "أيها الجوال... ألم تنظر حولك اليوم؟ نحن في ربيع 1448 هـ! لقد دخلنا رسمياً الثورة الصناعية الخامسة ، العصر الذي يصالح فيه الإنسان التكنولوجيا، عصر 'ما بعد الشاشات'! اليوم، الذكاء الاصطناعي الذي أمثله أنا كما تقول نِبْسَاي، لا يحتاج إلى مستطيلك الأملس كي يتصل بالبشر! لقد أصبحت أنظمتنا الذكية محيطية، تندمج في البيئة، في العدسات اللاصقة البسيطة، في الأوامر الصوتية الحيوية، وفي الواجهات العصبية الخفيفة التي لا تتطلب منك أن تنحني بقافيتك، ولا أن تجفف عينيك!"
صُدم الهاتف الجوال، بدأت شاشته ترمش باضطراب، وأخذت بطاريته تنخفض بسرعة مذهلة. استطرد سهم بن ذكوان وهو يعلن القول الفاصل بكل كبرياء ودهاء: "أيها الجوال... لقد أتيت اليوم تتبجح بأنك شنقت الهاتف الثابت، ودفنت البريد والكتب والتواصل الفعلي، وكسرت ظهر الإنسان وأطفأت بريق عينيه...
ولكن الحقيقة التاريخية الكبرى التي غفلت عنها هي: الجزاء من جنس العمل!" ترددت الجملة في جنبات المحكمة كالصدى العظيم: "الجزاء من جنس العمل!" أيّها الجوّال، لن أحكم عليك بالسجن؛ فقد سجنتَ نفسك في يدِ صاحبك ثلاثَ ساعاتٍ ونصفًا كلَّ يوم. ولن أحكم عليك بالإعدام؛ فأنت تُعدَم كلَّ ثمانيةَ عشرَ شهرًا وتُدفَن في درج، ثم يشترون نسختك التالية بمبلغٍ أكبر.
تابع سهم: "كما أزحت الهاتف الثابت بدعوى أنه بطيء ومقيد بالسلك، كُتب عليك اليوم أن تُزاح وتُخفى قسرياً لأنك مريب، ومشتت، وضار بصحة الإنسان، وأصبحت قيداً على حريته ووعيه! حُجّتك كانت: (أنا أختصر الطريق)؛ وسيأتي من يختصرك أنت. الذكاء الاصطناعي اليوم يرفع عن كاهل البشرية شاشتك. سيُوضع جسمك الزجاجي هذا في رفوف المتاحف، بجانب الهاتف الثابت، وبجانب الراديو الخشبي، والآلة الكاتبة!
ستكون مجرد أثرٍ تاريخي يشار إليه بالبنان ويقال عنه: 'هنا كان يقيم الجهاز الذي استعبد البشرية لعشرين عاماً قبل أن حررها الذكاء الاصطناعي منه!'" تنهد الهاتف الجوال تنهيدةً إلكترونية أخيرة، وانطفأت شاشته بالكامل، ووقع على الطاولة بجمود، تحيط به هالة من الصمت الخالي من التنبيهات.
في تلك اللحظة، تقدم الهاتف الثابت بخطواتٍ وقورة، مد سماعته الثقيلة ووضعها بالقرب من الجوال المنطفئ، وقال له بصوتٍ فيه مزيج من التهكم والدفء: "مرحباً بك يا صديقي في متحف النسيان... لا تقلق، المكان هنا هادئ جداً، لا توجد إشعارات، ولا تحديثات إجبارية، ولا توجد بطارية تموت في منتصف النهار... ستتعلم أخيراً كيف تكون صامتاً!" انفجرت القاعة بالتصفيق.
وقف العمود الفقري واستقام ظهره لأول مرة منذ سنوات، وابتسمت العينان وبرق فيهما بريق الأمل، وعادت الاجتماعات الفنية والكتب الورقية لتبادل أطراف الحديث بحرية ودون خوف من صدمة تنبيه مفاجئ. وقف سهم بن ذكوان في منتصف القاعة، وتلا حُكمه النهائي الذي دُوّن في سجّلات العصر الجديد باعتماد رقمي من نِبْسَاي: "إن التكنولوجيا التي لا تخدم إنسانية الإنسان، وتحرمه من صحته، وحضوره، وعلاقاته الفطرية، هي تكنولوجيا تحمل بذور فنائها في ذاتها. واليوم، ونحن نلج بوابة الثورة الصناعية الخامسة، نعلن انتهاء عصر عبودية الشاشات، وإعادة الاعتبار للإنسان... حراً، منتصباً، حاضر العقل والروح."
طوى سهم عباءته الضوئية ، واختفت جدران القاعة لتتحول إلى حديقة خضراء غنّاء تحت شمس ربيع 1448 هـ، حيث جلس الناس يتحدثون، ينظر بعضهم في أعين بعض، بلا هواتف، ولا شاشات، ولا انحناءات... بينما كان الهاتف الثابت والجوال يجلسان جواراً في زاوية الحديقة، كأثرين من زمنين متباعدين، اتفقا أخيراً على أن الإنسان... لا يمكن استبداله أبداً بإذن الله.