كانت شواطئ الجبيل تغفو على همس الموج وتستيقظ على أهازيج "النهّام" التي تبث الشجاعة في قلوب الغواصين. هنا، في الجبيل هذه الأرض التي عانقت الخليج العربي، لم تكن الحياة تُقاس بالأيام، بل بمواسم الغوص، ولم يكن الذهب أثمن ما في الخزائن، بل كانت "الدانة"، اللؤلؤة الكاملة الاستدارة، التي تلمع كالقمر في ليلة ظلماء. كانت الجبيل، بقيادة وسادة تجارها مثل عائلة "الخاطر"، منارةً في عالم تجارة اللؤلؤ الذي شكّل عصب حياة الخليج العربي لقرون.
لم تكن رحلة البحث عن اللؤلؤ نزهة بحرية. كانت ملحمة من الشجاعة والصبر والمخاطرة. كانت سفن "اللانج" الخشبية الكبيرة تمخر عباب الخليج لأشهر متواصلة، تحمل على متنها "النوخذة" (قبطان السفينة والمسؤول الأول)، و"الغواصين" (الذين يغوصون إلى الأعماق)، و"السيب" (الذين يسحبون الغواصين بالحبال)، وطباخاً، و"نهّاماً" يصدح بصوته ليبعث الهمة.
كانت الحياة على ظهر اللانج قاسية وبسيطة. وجبتهم الرئيسية كانت السمك الطازج الذي يصطادونه، ويطبخونه بطريقة أهل الجبيل الأصيلة. كانوا يضعون السمك في قدر كبير مع الأرز والبهارات الخفيفة واللومي الأسود، ويطهونه على نار هادئة ليصبح "مجبوساً" وقيل "مكبوساً" دسماً يعينهم على مشقة العمل. أو قد يصنعون "صيادية" أو "صَالُونَة" سمك، وهي مرق ثخين يُغمس فيه الخبز.
كان تقسيم الأرباح نظاماً دقيقاً يُعرف بـ"القلاطة". بعد بيع محصول اللؤلؤ "للطواش" (تاجر اللؤلؤ المتجول)، يأخذ النوخذة حصته، وكذلك صاحب السفينة، وتُسدد تكاليف الرحلة من زاد وغيره. أما الباقي، فيُوزع على البحارة. كان الغواص يحصل على الحصة الأكبر، يليه السيب، ثم بقية البحارة. لكن الثمن الحقيقي كان يُدفع من أنفاسهم وأرواحهم.
يُروى في مجالس أهل البحر في الجبيل قصة غواص اسمه "سالم"، لم يكن كغيره. كان يمتلك قدرة عجيبة على حبس أنفاسه لوقت طويل، أو كما يقول أهل البحر "نفسه طويل". كان يربط في قدمه حجراً ثقيلاً يسمى "الحصاة" لينزل إلى القاع بسرعة، وفي يده "الديّين"، وهو كيس من الشبك يجمع فيه المحار. لم يكن سالم يهاب الأعماق المظلمة، بل كان يراها موطن كنوزه. عندما يمتلئ الديّين ويضيق به النفس، لا يضيع طاقته في الصعود، بل يهز الحبل المربوط بخصره، فيفهم "السيب" على سطح السفينة الإشارة، ويسحبه بكل قوته إلى الأعلى. يخرج سالم إلى السطح لاهثاً، وزرقة الموت تكاد تكسو شفتيه، لكنه يعود إلى الحياة مع أول نفس، وفي يده محصول ثمين قد يحمل "الدانة" التي ستغير حياته بإذن الله. كانت قصص مثل قصة سالم تُمثل أقصى درجات التضحية البشرية من أجل حياة كريمة.
كانت قيمة اللؤلؤ تُحدد بناءً على الحجم واللون واللمعان والاستدارة والكمال. لؤلؤة صغيرة قد تساوي بضعة ريالات، بينما "الدانة" الفريدة يمكن أن يصل سعرها في ذلك الزمان إلى آلاف الريالات، وهو مبلغ يكفي لشراء عدة منازل.
في عام 1893، نجح الياباني "كوكيتشي ميكيموتو" في إنتاج أول لؤلؤة صناعية (مستزرعة) في العالم. في البداية، لم يأخذ تجار الخليج الأمر على محمل الجد. كانوا يطلقون عليه "لؤلؤ الشين" (كلمة مشتقة من اليابانيين الذين كانوا يُعرفون في المنطقة بـ "الشين") ويعتبرونه نسخة مزيفة لا قيمة لها. لكن ميكيموتو لم يتوقف، بل طور تقنياته، وبحلول أواخر عشرينيات القرن الماضي، أغرق الأسواق العالمية بلآلئ صناعية متقنة وجميلة، وبسعر لا يتجاوز 10% من سعر اللؤلؤ الطبيعي.
كانت الضربة قاصمة. تزامنت هذه الصدمة مع الكساد الكبير الذي ضرب الاقتصاد العالمي في عام 1929، فانهارت أسعار اللؤلؤ الطبيعي بشكل كبير. لم يعد هناك من يشتري. عادت سفن الغوص إلى موانئ الجبيل والدمام ودارين، وبقيت راسية، شاهدة على نهاية حقبة. النواخذة الذين استدانوا لتجهيز سفنهم أفلسوا، والغواصون الذين راهنوا بأرواحهم وجدوا أنفسهم بلا عمل. ساد الصمت المؤلم في "الخَشْلَة" (الاسم القديم الذي كان يطلق على مركز البلدة أو القلعة في الجبيل)، وانطفأ بريق الدانة.
عائلة الخاطر، التي كانت من أكبر سادات وتجار اللؤلؤ في الجبيل، وجدت نفسها، كغيرها من العائلات العريقة، في قلب العاصفة. كانت تجارة أجدادهم تنهار أمام أعينهم. لكن ابن الصحراء والبحار لا يعرف الاستسلام.
هنا تظهر عبقرية أهل الخليج وقدرتهم على التكيف. لم تكن نهاية اللؤلؤ الطبيعي نهاية العالم. صحيح أنها كانت فترة شدة وتحديات، لكنها أجبرتهم على البحث عن بدائل. تحول الكثيرون من غوص اللؤلؤ إلى صيد السمك الذي كان يعتبر في السابق مهنة أقل شأناً، لكنه الآن أصبح طوق النجاة. عادت القوارب إلى البحر، ولكن بهدف مختلف: لتوفير الطعام والرزق اليومي.
واتجه آخرون إلى البر. ازدهرت مهنة العمل في "المقاطع"، وهي المحاجر التي كانوا يستخرجون منها الصخور للبناء. وبدأت العائلات الكبيرة، مثل الخاطر، في استثمار ما تبقى لديها من مدخرات في الأراضي، مدركين أنَّ المستقبل يكمن في التوسع العمراني. كانت هذه هي النهضة الأولى، نهضة قادتها الضرورة، وأثبتت أنَّ ثروة المنطقة الحقيقية ليست في قاع البحر، بل في سواعد أهلها وعقولهم.
ثم جاء اكتشاف النفط، ليكمل مسيرة النهضة ويفتح أبواباً من الرخاء لم تكن في الحسبان، لكن الدرس الأول، درس انهيار اللؤلؤ الطبيعي، بقي محفوراً في الذاكرة الجماعية.
اليوم، وبعد قرن من الزمان، يقف العالم، والخليج في قلبه، أمام موجة تسونامي تكنولوجية لا تقل تأثيراً عن صدمة
اللؤلؤ الصناعي: الذكاء الاصطناعي التوليدي.
تماماً كما فعل لؤلؤ ميكيموتو، يأتي الذكاء الاصطناعي ليقدم لنا "منتجاً" كان في السابق حكراً على القدرة البشرية
الخالصة (الكتابة، التصميم، البرمجة، التحليل) بتكلفة أقل وسرعة فائقة. وكما ساد الخوف والتشكيك في أسواق اللؤلؤ
قديماً، يسود اليوم قلق مشروع في العديد من القطاعات. المحلل المالي يرى الخوارزميات تقوم بعمله، والمصمم يرى الذكاء
الاصطناعي يبدع صوراً في ثوانٍ، والكاتب يجد نماذج لغوية قادرة على تأليف نصوص متكاملة.
الإجابة تكمن في الدرس الذي تعلمه أجدادنا في الجبيل. التكنولوجيا الجديدة ليست النهاية، بل هي أداة تحول. الذكاء الاصطناعي التوليدي ليس "لؤلؤاً مزيفاً"، بل هو "لؤلؤ صناعي" يمكننا التحكم في إنتاجه وتطويعه لخدمة أهدافنا. الخطر ليس في الأداة، بل في الجمود وعدم التكيف معها.
وكما تحول الغواص إلى صياد وعامل بناء وتاجر أراضٍ، سيتحول الموظف التقليدي اليوم إلى "مدرب ذكاء اصطناعي"، و"مهندس أسئلة"، ومحلل بيانات يستعين بالذكاء الاصطناعي للوصول إلى استنتاجات أعمق، ومبدع يستخدم هذه الأدوات لتوسيع آفاق خياله بدلاً من أن تحل محله.
إن النهضة التي قامت في الجبيل والخليج بعد اندثار قيمة اللؤلؤ الطبيعي لم تكن مجرد إيجاد بدائل، بل كانت تحولاً في العقلية: من الاعتماد على مصدر رزق واحد محفوف بالمخاطر، إلى تنويع المصادر والاستثمار في الإنسان والأرض. واليوم، نحن مدعوون لنفس التحول: من الاعتماد على مهارات تقليدية قد تصبح متقادمة، إلى احتضان الذكاء الاصطناعي وتطوير مهاراتنا عبر الانضمام لبرامج تدريبية مثل برامج نبساي والتعلم المستمر من مقالات مدونة نانو للذكاء الاصطناعي ومختبر الذكاء الاصطناعي ومختبر الذكاء الاصطناعي ونادي كتاب الذكاء الاصطناعي بإدارة نبساي، لنتمكن من "ترويض" هذا البحر الرقمي الجديد واستخراج "لآلئ" من نوع آخر: ابتكارات، حلول لمشاكل مستعصية، وكفاءة غير مسبوقة ، وقد أهداني المهندس عبدالرحمن بن مبارك الخاطر مقطعاً جميلاً لمدينة الجبيل صنعه بالذكاء الاصطناعي، وهو أحد المبتكرين الأوائل فقد ابتكر بطاقة الجبيل للتعريب سنة 1408 هجرياً ، وهو أحد خبراء الذكاء الاصطناعي اليوم، لقد التقط عبدالرحمن اللحظة الفارقة وأيقن أنَّ الذكاء الاصطناعي بوابة المستقبل، وسيشارك المهندس عبدالرحمن في جلسات استشارية لبرامج نبساي.
إنَّ قصة الجبيل ملهمة. إنها تؤكد أنَّ التحديات الكبرى، مهما كانت قوية، هي التي تصنع النهضات. وكما استبدل أهل الخليج مخاطر الغوص في الأعماق المظلمة بأمان ووفرة اقتصاد ما بعد اللؤلؤ الطبيعي، يمكننا اليوم أن نستبدل روتين الوظائف المهددة بالانقراض؛ بفرص الإبداع والابتكار التي يتيحها الذكاء الاصطناعي، وللاطلاع على كثير من هذه الفرص يمكننا زيارة مدونة نانو. المستقبل ليس في الخوف من "اللؤلؤ الصناعي" الجديد، بل في تعلم كيفية "زراعته" وتشكيله ليصنع لنا عالماً أفضل وأكثر ازدهاراً.
إنَّ قصة الجبيل ملهمة... يمكننا اليوم أن نستبدل روتين الوظائف المهددة بالانقراض بفرص الإبداع والابتكار التي يتيحها الذكاء الاصطناعي.