ما الذي يجعل شخصين يطرحان السؤال ذاته على الآلة نفسها، فيخرج أحدهما بجوابٍ باهتٍ مكرور، بينما يخرج الآخر بتحليلٍ يكاد ينافس خبيراً متمرّساً؟ ليست الآلة من تغيّرت بينهما، بل الطريقة التي خاطباها بها. وهنا تكمن مفارقةٌ صار العالم يكتشفها متأخّراً: أنّ أعتى النماذج اللغوية لا تُقاس قيمتها بما تعرفه، بل بقدرة من يحاورها على انتزاع ما تعرفه منها. فقد تكون أمام عقلٍ اصطناعيٍّ يحوي خلاصة ما كُتب على الأرض، ومع ذلك تعود منه بفتاتٍ لا يسمن، لا لأنه عجز، بل لأنك لم تُحسن أن تسأل. وهكذا وُلدت مهارةٌ لم تكن في الحسبان قبل سنواتٍ قليلة، اصطُلح على تسميتها «هندسة المطالبات»، وصارت تُدرّس وتُمارس ويُتنافس فيها وكأنها لغةٌ جديدة تُتقَن، حتى رأينا شركاتٍ كبرى تستحدث وظائف بعينها لا عمل لأصحابها إلا إتقان محادثة الآلة وانتزاع أحسن ما عندها.
والمفارقة الأعمق أنّ هذه المهارة وُلدت من قصورٍ لا من اكتمال. فالنماذج اللغوية الكبرى، على ما بلغته من اتّساع، لا تقرأ نيّاتنا ولا تستشفّ مقاصدنا الكامنة؛ إنها تستجيب لما نقوله حرفياً لا لما نعنيه ضمناً. ولهذا، حين نوجّه إليها أمراً مبهماً عاماً، تردّ علينا بجوابٍ مبهمٍ عام، يحاكي وسطية المليارات من النصوص التي تدرّبت عليها. غير أنّ هذه الوسطية نفسها يمكن أن تُكسر؛ فبمجرّد أن نمنح النموذج سياقاً دقيقاً، ودوراً محدداً، وهدفاً واضحاً، تنزاح استجابته من العموم المتوسّط إلى التخصيص الرفيع. وقد لاحظت دراساتٌ من جامعة ستانفورد ضمن تقريرها السنوي عن الذكاء الاصطناعي أنّ الفجوة بين أداء النموذج الواحد قد تتّسع اتّساعاً مذهلاً تبعاً لطريقة صياغة الطلب وحدها، حتى إنّ الصياغة الماهرة قد تضاهي في أثرها ترقيةً كاملةً للنموذج ذاته، فكأنّ صاحب الطلب الرديء يحاور نموذجاً أضعف بأجيالٍ ممّا بين يديه.
ولفهم جذر هذه الظاهرة، لا بدّ من العودة إلى طبيعة هذه النماذج. فهي في جوهرها آلاتٌ احتمالية تتنبّأ بالكلمة التالية بناءً على ما سبقها، وكلّ كلمةٍ نضعها في الطلب تُضيّق فضاء الاحتمالات أو توسّعه. ومن هنا يرى الكاتب أنّ المطالبة ليست أمراً نلقيه فحسب، بل هي هندسةُ سياقٍ نبنيه؛ إذ كلّ جملةٍ تمهيدية، وكلّ مثالٍ نسوقه، وكلّ قيدٍ نفرضه، إنما يُعيد توجيه دفّة التنبّؤ نحو المنطقة التي نريدها من بحر المعرفة الكامن. وقد بيّنت أبحاثٌ من معهد ماساتشوستس للتقنية أنّ تزويد النموذج بأمثلةٍ قليلةٍ محلولة، فيما يُعرف بالتعلّم من أمثلةٍ معدودة، قد يرفع دقّة المخرجات رفعاً ملموساً دون أيّ تعديلٍ في بنية النموذج نفسه؛ أي أنّ المعرفة كانت حاضرة، لكنها كانت تنتظر المفتاح الصحيح ليفتح بابها. وفي هذا درسٌ بليغ: أنّ الطاقة الكامنة في الآلة لا تنطلق إلا بقدر مهارة من يستثيرها، تماماً كما لا ينطق المعدن الثمين بقيمته إلا في يد صائغٍ ماهر.
ولعلّ أشهر ما كشفته الأبحاث في هذا الباب ما يُسمّى «سلسلة التفكير»، وهي تقنيةٌ بسيطةٌ في ظاهرها عميقةٌ في أثرها: أن نطلب من النموذج ألّا يقفز إلى الجواب مباشرة، بل أن يُفصح عن خطوات استدلاله خطوةً خطوة. فقد أظهرت دراساتٌ من فريق بحثٍ في جوجل أنّ هذا التوجيه البسيط يضاعف قدرة النماذج على حلّ المسائل المنطقية والحسابية المعقّدة مضاعفةً لافتة، وكأنّ الآلة، حين نُلزمها بالتأنّي، تكفّ عن التخمين المتسرّع وتشرع في بناءٍ منطقيٍّ متماسك. وهنا تتجلّى حكمةٌ طريفة: أنّ ما يصلح للإنسان يصلح للآلة في هذا الموضع بالذات؛ فكما أنّ التلميذ الذي يُطالَب بإظهار خطوات حلّه يقع في الخطأ أقلّ، كذلك النموذج الذي نمنحه فسحةً «ليفكّر بصوتٍ مسموع» يبلغ الصواب أكثر. والأعجب أنّ كثيراً من قدرات هذه النماذج بقي خافياً سنواتٍ، لا لأنه لم يكن موجوداً، بل لأنّ أحداً لم يكن قد اهتدى بعد إلى الصيغة التي تُوقظه من سُباته.
غير أنّ القراءة المتأنّية تكشف أنّ السردية الرائجة عن هندسة المطالبات تنطوي على مبالغةٍ ومفارقة. فثمّة من يُصوّرها وكأنها طلاسم سحريةٌ وكلماتٌ سرّيةٌ من حفظها ملك ناصية الآلة، وهذا وهمٌ يستحقّ التفكيك. يرى الكاتب أنّ جوهر هذه المهارة ليس حفظ عباراتٍ جاهزةٍ تُلقى كالتعاويذ، بل امتلاك وضوحٍ ذهنيٍّ في التفكير ذاته؛ فمن لا يعرف بدقّةٍ ما يريد، لن تنفعه أبلغ الصياغات. والمطالبة الجيّدة ليست في حقيقتها إلا انعكاساً أميناً لفكرٍ منظّم؛ ولهذا كان أبلغ المتحاورين مع الآلة هم أوضح الناس تفكيراً لا أكثرهم حيلةً لغوية. بل إنّ المفارقة أنّ الإفراط في «التحايل» على النموذج بعباراتٍ ملتوية كثيراً ما يأتي بنتائج أسوأ من البساطة الصريحة المباشرة، إذ تُربك القيود المتناقضة دفّة التنبّؤ بدل أن توجّهها. فالعبرة ليست بكثرة الكلام بل بدقّته، ولا بمكر الصياغة بل بصدق المقصد ووضوحه. فالطفرة الحقيقية لم تكن دائماً في حجم النموذج، بل في فطنة من يخاطبه؛ إذ كم من نموذجٍ متواضع فاق في يدٍ ماهرة نموذجاً عملاقاً في يدٍ غافلة.
ومن هنا تتّضح ركائز عمليةٌ يصلح أن يُبنى عليها. أولاها أن نمنح النموذج دوراً واضحاً قبل أن نطلب منه شيئاً؛ فحين نقول له «أنت مستشارٌ ماليٌّ خبير» أو «أنت محرّرٌ صحفيٌّ متمرّس»، فإننا ننقله من فضاء العموم إلى مدار التخصّص. وثانيتها أن نُحدّد السياق والجمهور والغاية بلا غموض؛ فالنصّ الموجّه لطفلٍ يختلف عن النصّ الموجّه لخبير، والآلة لا تعلم لمن تكتب ما لم نُخبرها. وثالثتها أن نسوق الأمثلة، فالمثال الواحد أبلغ من صفحةٍ من الشرح المجرّد. ورابعتها أن نُجزّئ المهمّة المعقّدة إلى خطواتٍ متسلسلة، بدل إغراق النموذج بطلبٍ متشعّبٍ دفعةً واحدة. وخامستها، وهي الأهمّ، أن نُراجع ونُنقّح؛ فالمطالبة الأولى نادراً ما تكون الأخيرة، والحوار مع الآلة عمليةٌ تكرارية نُهذّب فيها الطلب على ضوء الجواب، حتى تتطابق المخرجات مع ما في الذهن. وسادستها أن نُحدّد ما لا نريد بقدر ما نُحدّد ما نريد؛ فتقييد النموذج بما يتجنّبه لا يقلّ أثراً عن توجيهه إلى ما يقصده، إذ كثيراً ما يكون استبعاد الخطأ أنجع من طلب الصواب مباشرةً.
على أنّ ثمّة بُعداً أخلاقياً ومعرفياً لا ينبغي أن يغيب. فكلّما ازددنا براعةً في توجيه الآلة، ازدادت مسؤوليتنا عمّا تنتجه؛ إذ صار بوسع المطالبة الماهرة أن تستخرج محتوىً مقنعاً مضلِّلاً بالسهولة ذاتها التي تستخرج بها تحليلاً رصيناً. وقد نبّهت تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية مراراً إلى أنّ القدرة التقنية حين تُفصل عن الوعي الأخلاقي تتحوّل إلى خطرٍ بقدر ما هي وعد. ويرى الكاتب أنّ هندسة المطالبات، في عمقها، ليست مهارةً تقنيةً محضة، بل هي تدريبٌ على التفكير النقدي ذاته؛ فمن يتعلّم كيف يسأل الآلة سؤالاً دقيقاً، يتعلّم ضمناً كيف يُفكّر تفكيراً دقيقاً، وكيف يُميّز الجواب الرصين من الجواب الزائف وإن تزيّن بثوب الفصاحة. وهنا تكمن قيمةٌ تتجاوز الآلة إلى صاحبها؛ فالمهارة التي تبدو موجّهةً إلى محاورة برنامج، إنما تُهذّب في حقيقتها عقل من يمارسها وتشحذ بصيرته.
وفي السياق العربي تتّضح أهمّية هذه المهارة على نحوٍ خاص. فاللغة العربية ما تزال أقلّ تمثيلاً من الإنجليزية في بيانات تدريب هذه النماذج، ما يعني أنّ المتحدّث بالعربية يحتاج إلى عنايةٍ أكبر في صياغة طلبه ليبلغ الدقّة ذاتها التي يبلغها نظيره بالإنجليزية. وهنا يتحوّل إتقان المطالبة من رفاهيةٍ إلى ضرورة. ولأنّ رؤية السعودية ثلاثين بعد ألفين جعلت من بناء الكفاءات الرقمية ركيزةً للتحوّل، فإنّ تعليم هذه المهارة على نطاقٍ واسع يصبح استثماراً سيادياً لا مجرّد تطويرٍ فردي؛ إذ إنّ أمّةً تُحسن مخاطبة الآلة تستخرج منها قيمةً تعجز عنها أمّةٌ تكتفي باستهلاكها استهلاكاً سلبياً. فالفارق بين من يملك الأداة ومن يملك مهارة استعمالها هو ذاته الفارق بين من يملك الكتاب ومن يُحسن القراءة. وقد أشارت تقارير المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أنّ مهارات التعامل مع الذكاء الاصطناعي باتت في صدارة الكفاءات المطلوبة في سوق العمل القادم، بل ربما لم يبق قطاعٌ إلا وسيطلب من العاملين فيه قدراً من إتقان محاورة الآلة.
ولعلّ أبلغ ما يُقال في هذا الباب أنّ هندسة المطالبات قد تكون مهارة عصرها الانتقاليّ لا مهارة الأبد. فمع تطوّر النماذج وتعاظم قدرتها على فهم النيّة الضمنية، قد تتراجع الحاجة إلى الصياغة الدقيقة المتكلّفة، وتصبح الآلة أقدر على استشفاف ما نريد من إشاراتٍ أقلّ. غير أنّ هذا التراجع المحتمل لا يُلغي جوهر المهارة، بل ينقله إلى مستوىً أرفع؛ إذ سيظلّ وضوح الفكر، ودقّة السؤال، وحسن تحديد الغاية، فضائلَ لا تشيخ مهما تطوّرت الأدوات. ويرى الكاتب أنّ من يتقن اليوم محاورة الآلة إنما يتدرّب في حقيقته على فضيلةٍ أقدم من الآلة وأبقى منها: فضيلة التفكير الواضح المنظّم الذي يعرف ما يريد قبل أن يطلبه. فالأدوات تتبدّل وتزول، أمّا حُسن السؤال فمهارةٌ إنسانيةٌ خالدة، رافقت العقل منذ أوّل سؤالٍ طرحه على نفسه، وستبقى ما بقي يطلب الفهم.
وهكذا، حين نتأمّل المشهد بعمق، ندرك أنّ السؤال لم يعد عمّا إذا كانت الآلة قادرةً على مساعدتنا، بل عمّا إذا كنّا نحن قادرين على حسن سؤالها. فالأداة، مهما بلغت من القوّة، تظلّ صامتةً حتى نُحسن تحريكها، والذكاء الاصطناعي في هذا أشبه بآلةٍ موسيقيةٍ نادرة: لا تُصدر لحناً بذاتها، وإنما تنتظر اليد التي تعرف كيف تعزف عليها. فهذه الآلة مرآةٌ أمينة لعقل من يخاطبها؛ تردّ على الغامض غموضاً، وعلى الواضح وضوحاً، وعلى السطحيّ سطحاً، وعلى العميق عمقاً، فلا تكاد تُعطي صاحبها إلا على قدر ما يُحسن أن يسألها. والتحدّي القادم ليس في أن نصنع نموذجاً أذكى، بل في أن نُربّي إنساناً أحذق سؤالاً، أعمق وعياً بما يريد، وأرسخ قدرةً على تحويل غموض رغبته إلى وضوح طلبه. فهل نتعلّم أن نسأل الآلة بقدر ما تعلّمنا أن نبنيها؟