ماذا لو أنّ السؤال الذي يقضّ مضاجعنا منذ سنوات — متى يبلغ الذكاء الاصطناعي مستوى الإنسان — هو نفسه سؤالٌ مغلوط الصياغة، يخفي وراءه خوفاً أقدمَ من التقنية ذاتها: خوفنا من أن نكتشف أنّنا لسنا فريدين كما ظننّا؟
ليست المسألة أن نطمئن القارئ بكلامٍ معسول عن «حدود الآلة»، ولا أن نُرعبه بنبوءاتٍ عن آلةٍ تستعبد صانعها، بل أن نفصل بحزمٍ بين ما تفعله التقنية فعلاً وما نُسقطه نحن عليها من رغباتٍ ومخاوف. فمنذ أن اقترح آلان تورينج في مجلة Mind عام 1950 أن نستبدل سؤال «هل تفكّر الآلة؟» بسؤالٍ عمليٍّ عن قدرتها على محاكاة الإنسان حتى نعجز عن تمييزها منه، وقد علّمنا أن نقيس الذكاء بأثره الظاهر لا بجوهره الخفي. غير أنّ هذا التحوّل نفسه زرع فينا فخّاً لم ننتبه له: صرنا نخلط بين الأداء والوعي، وبين القدرة على إنتاج جملةٍ بليغة والقدرة على فهمها. واليوم، بعد أن صار بمقدور النماذج اللغوية أن تكتب وتترجم وتبرمج وتجتاز امتحاناتٍ كانت حكراً على النخبة، عاد السؤال القديم بثوبٍ جديد، أكثر إلحاحاً وأقلّ وضوحاً. ولعلّ أوّل ما ينبغي قوله إنّ الإبهار ليس دليلاً على الفهم؛ فالبهجة التي نشعر بها حين تجيبنا الآلة بطلاقةٍ تشبه دهشة من رأى مرآةً ناطقة، ينسى أنّ الصوت صوته هو، مردوداً إليه بصياغةٍ أبهى.
ولكي نفهم أين نقف، لا بدّ من خلفيةٍ معرفية دقيقة. حين نتحدّث عن «بلوغ مستوى الإنسان» فنحن في الحقيقة نتحدّث عن مفهومٍ مطّاطٍ يسمّيه الباحثون «الذكاء الاصطناعي العام»، أي قدرة نظامٍ واحد على أداء أيّ مهمةٍ معرفيةٍ يقدر عليها الإنسان، لا مهمةً بعينها. وهنا تكمن المفارقة الأولى: فالأنظمة التي نملكها اليوم، على بهرها، أنظمة ضيّقة بامتياز؛ بارعة في نطاقٍ محدّد، عاجزة عن نقل خبرتها إلى نطاقٍ مجاور دون إعادة تدريبٍ مكلف. لقد لخّص ستيوارت راسل، أستاذ علوم الحاسب في جامعة كاليفورنيا بيركلي، هذه الحال حين نبّه إلى أنّ براعة الآلة في لعبةٍ كالشطرنج أو «غو» لا تعني أنها تفهم أنها تلعب أصلاً، فالنظام الذي يهزم بطل العالم لا يدرك أنه ربح، ولا يعرف ما اللعبة. وفي التقرير الدوري الصادر عن مبادرة «الذكاء الاصطناعي ومئة عام» التي تستضيفها جامعة ستانفورد، يتكرّر التحذير ذاته من أنّ المبالغة في توقّعات القفزة الوشيكة نحو ذكاءٍ شاملٍ تضرّ بالحقل أكثر مما تنفعه، لأنها تستبدل بالتقدّم الحقيقي البطيء وعوداً برّاقة سرعان ما تنكشف. وقد جرى الأمر هكذا مراراً في تاريخ الحقل، حتى عرف المختصّون ما سمّوه «شتاء الذكاء الاصطناعي»: موجات حماسةٍ تتبعها موجات خيبةٍ كلّما تعثّر الوعد عند حدود الواقع.
غير أنّ الخلفية وحدها لا تكفي؛ فالتحليل العميق يقتضي أن نفكّك ثلاثة أبعادٍ تختلط عادةً في الخطاب العام. البعد الأول تقنيٌّ بحت: هل ثمّة مسارٌ هندسيٌّ معروفٌ يقودنا من النماذج الحالية إلى ذكاءٍ بمستوى الإنسان؟ الإجابة الصادقة أنّ لا أحد يعرف. فالتوسّع الهائل في حجم النماذج وبياناتها أعطانا قدراتٍ مذهلة لم تكن متوقّعة، لكنّ هذا التوسّع نفسه بدأ يصطدم بعوائد متناقصة وبكلفة طاقةٍ وبياناتٍ باهظة، حتى صار بعض الباحثين في أعرق المختبرات يتساءلون إن كنّا نتسلّق سلّماً يوصل إلى القمر؛ فالصعود حقيقيٌّ والارتفاع متزايد، لكنّ الوجهة قد لا تكون هي المقصودة أصلاً. والبعد الثاني معرفيٌّ فلسفي: حتى لو حاكت الآلة كلّ سلوكٍ بشري، هل يعني ذلك أنها صارت واعية أو أنها تفهم؟ هنا يستعيد كثيرون حجّة الفيلسوف جون سيرل الشهيرة عن «الغرفة الصينية»، التي تبيّن أنّ معالجة الرموز بإتقانٍ تامّ لا تساوي فهم معناها، وأنّ بين الصياغة والدلالة هوّةً قد لا يردمها مجرّد التوسّع الحسابي. أما البعد الثالث فاجتماعيٌّ سياسي، وهو الأخطر والأقلّ نقاشاً: من يملك هذه القدرة، ولمصلحة من توظَّف، وكيف يُعاد توزيع ثمارها؟ إنّ السؤال عن «مستوى الآلة» يكاد يكون ترفاً نظرياً أمام سؤالٍ أكثر إلحاحاً عن «مستوى العدالة» في توزيع منافعها ومضارّها. ولنتأمّل أنّ القدرة الحاسوبية اللازمة لتدريب النماذج الكبرى تتركّز في حفنةٍ من الشركات والدول، فمن يملك هذه البنية يملك مفاتيح المستقبل، ومن يفتقر إليها يجد نفسه على هامش ثورةٍ تُصاغ بعيداً عنه؛ وهكذا يصير الذكاء الاصطناعي، قبل أن يكون مسألة وعيٍ آليّ، مسألة سيادةٍ وطنيةٍ واستقلال قرار.
وهنا يرى الكاتب أنّ جوهر القلق العالمي ليس في علّامةٍ تقنيةٍ غامضة اسمها «بلوغ مستوى الإنسان»، بل في اختلال موازين القوة الذي يصاحب التقنية بصرف النظر عن بلوغها ذلك المستوى من عدمه. فالأنظمة لا تحتاج أن تكون واعيةً لكي تعيد تشكيل أسواق العمل، ولا أن تتجاوز الإنسان لكي تركّز الثروة والنفوذ في أيدي قلّةٍ تملك القدرة الحاسوبية والبيانات. ويرى الكاتب كذلك أنّ خطاب الخوف من «الآلة الخارقة» التي تنقلب على البشرية، على ما فيه من جاذبيةٍ درامية، يؤدّي وظيفةً مضلّلة: فهو يصرف الأنظار عن المخاطر الواقعية الآنية — التحيّز في الخوارزميات، وانتهاك الخصوصية، وتضليل الرأي العام، واتّساع الفجوة الرقمية بين الأمم — إلى مخاطر افتراضيةٍ بعيدة، فيتحوّل النقاش من مساءلةٍ لمن يصنع التقنية اليوم إلى تأمّلٍ في كائنٍ خياليٍّ قد يولد غداً. والمفارقة أنّ أصحاب رؤوس الأموال الكبرى أنفسهم كثيراً ما يغذّون هذا الخوف، لأنّ تضخيم قدرات منتجاتهم — ولو بصورة الخطر — يخدم سرديّتهم التسويقية ويرسّخ تفوّقهم المتخيَّل. فحين يقال إنّ المنتَج خطيرٌ إلى حدّ تهديد البشرية، يُفهَم ضمناً أنه قويٌّ إلى حدّ يستحقّ كلّ هذا الاستثمار، وهكذا يتحوّل التخويف نفسه إلى أداة تسويق.
على أنّ الرفض المطلق للقلق ليس موقفاً نقدياً، بل سذاجةٌ من نوعٍ آخر. فالنقطة الأصيلة التي يدعو إليها الكاتب هي أن نُحوّل بوصلتنا من سؤال «هل تصل الآلة إلينا؟» إلى سؤالٍ أنفع: «أين نضع نحن الحدّ الذي لا نتنازل فيه عن إرادتنا؟». إنّ الإرادة الحرّة للإنسان لا تُهدَّد حين تصير الآلة أذكى، بل حين نختار نحن — طوعاً وكسلاً — أن نُحيل قراراتنا إليها دون مساءلة: حين يقرّر النظام مَن يُوظَّف ومَن يُرفَض، ومَن يستحقّ القرض ومَن يُحرَم، ومَن تُراقَب تحرّكاته ومَن يُترَك، فإنّ الخطر لا يكمن في وعي الآلة بل في غياب وعينا. وقد نبّه تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) في مبادئها للذكاء الاصطناعي إلى مركزية إبقاء الإنسان في حلقة القرار وضمان قابلية المساءلة، كما حذّر المنتدى الاقتصادي العالمي في تقاريره عن مستقبل الوظائف من أنّ التحوّل الكبير لن يكون في زوال العمل بل في إعادة توزيع المهارات المطلوبة، بما يجعل التعلّم المستمرّ شرط بقاءٍ لا ترفاً. والأخطر من فقدان الوظيفة هو فقدان العادة الذهنية ذاتها: حين يضمر فينا التفكير لأنّ آلةً تفكّر بدلاً عنّا، فنغدو كمن امتلك مكتبةً ضخمة ونسي كيف يقرأ.
ولأنّ النقد دون عملٍ ترفٌ فكري، فإنّ ثمّة ركائز عمليةٍ يقترحها الكاتب لمواجهة هذا المنعطف بوعي. الركيزة الأولى أن نُعيد تعريف الكفاءة الإنسانية لا في منافسة الآلة على ما تتفوّق فيه — السرعة والذاكرة والحساب — بل في تعميق ما تعجز عنه: الحكم الأخلاقي في المواقف الملتبسة، والتعاطف الذي يفهم السياق الإنساني، والقدرة على طرح السؤال الصحيح لا مجرّد إيجاد الجواب. والركيزة الثانية أن نبني حوكمةً رشيدة تجعل الشفافية والمساءلة شرطين في كلّ نظامٍ يمسّ حياة الناس، فلا تُترَك القرارات المصيرية لصندوقٍ أسود لا يُفسّر منطقه، ولا تُعفى الجهة التي تنشره من تبعة ما يقرّر. والركيزة الثالثة أن نستثمر في رأس المال البشري بوصفه الأصل الذي لا يُستبدل، إذ تُبيّن الدراسات المتلاحقة في كلية هارفارد للأعمال أنّ المؤسسات التي تجني أكبر العائد من الذكاء الاصطناعي ليست تلك التي تستبدل به موظّفيها، بل تلك التي تعيد تصميم العمل ليكمّل فيه الإنسان الآلة. والركيزة الرابعة أن نُربّي في الناشئة حسّاً نقدياً يميّز الأصيل من المزيّف، إذ يتكرّر في أدبيات معهد ماساتشوستس للتقنية وفي أبحاث جامعة أكسفورد أنّ أخطر ما يهدّد المجتمعات ليس الآلة الكاذبة، بل الإنسان الذي فقد القدرة على كشف الكذب. وهنا يجد السياق العربي فرصته؛ فرؤية المملكة 2030 حين جعلت الإنسان السعودي محور التنمية، ووظّفت التقنية أداةً في خدمة جودة الحياة لا غايةً تبتلع الإنسان، إنما تقدّم نموذجاً يستحقّ التأمّل: أن تُبنى القدرة الوطنية في الذكاء الاصطناعي من القاعدة — عبر التعليم والبحث وريادة الأعمال — لا أن تُستورَد جاهزةً فتُبقي الأمة مستهلكةً تابعة. فالأمة التي تصنع التقنية تكتب شروطها، والأمة التي تستهلكها تخضع لشروط غيرها. ولا يكفي في ذلك أن نقتني الأدوات، بل أن نملك العقول التي تفهمها وتطوّرها وتُخضعها لقيمنا وأولوياتنا، فالاستيراد يمنح المنتَج لا المعرفة، والمعرفة وحدها هي ما يصمد حين تتبدّل الأدوات.
فإلى أين نمضي؟ يرى الكاتب أنّ السؤال الذي افتُتح به هذا المقال سيظلّ بلا جوابٍ حاسم، لا لأنّ العلم عاجز، بل لأنّه سؤالٌ يخصّنا نحن أكثر مما يخصّ الآلة. فالآلة، مهما بلغت، ستظلّ مرآةً تعكس نيّات صانعها وقيم مستخدميها؛ إن ملأناها بجشعنا أعادته إلينا مضاعفاً، وإن أودعناها حكمتنا ضاعفت أثرها. ولعلّ أنبل ما يمكن أن تفعله هذه التقنية بنا ليس أن تتجاوزنا، بل أن تجبرنا — بحدّتها وكفاءتها — على أن نسأل من جديد: ما الذي يجعلنا بشراً حقّاً؟ فإذا كان بمقدور الآلة أن تكتب القصيدة وتحلّ المعادلة، فما الذي يتبقّى لنا سوى أن نعيش المعنى الذي تعجز هي عن عيشه؟ هنا، وفي هذا الفضاء الذي لا تطاله الخوارزمية، تتوهّج الإرادة الحرّة لا بوصفها امتيازاً نُدافع عنه، بل بوصفها مسؤوليةً نمارسها كلّ يوم: أن نختار، وأن نتحمّل تبعة اختيارنا، وأن نبقى — في عصر الآلة — أصحاب السؤال الأخير. وما دام السؤال بأيدينا، فإنّ المستقبل، مهما اشتدّ غموضه، يبقى ملكاً لنا لا لها؛ ولعلّ ذلك وحده هو الجواب الذي لا تستطيع آلةٌ أن تنتزعه منّا.