شركة بوابات الخير للذكاء الاصطناعي

الطابق الأول، المبنى 7، المنطقة أ طريق المطار، البوابة الاقتصادية ص.ب 93597 الرياض 11683، المملكة العربية السعودية

0112611571

+966570709955

هل نحن في سباق مع الذكاء الاصطناعي

تخيّل عدّاءَين على مضمارٍ واحد: أحدهما يضاعف سرعته كلّ بضعة أشهر، والآخر يحتاج إلى سنواتٍ كي يتقن خطوةً جديدة. ثم قِيل لنا إنّ هذا سباق، وإنّ علينا أن نلهث خلف الأسرع أو نُمحى. لكنّ السؤال الذي يكاد لا يطرحه أحد هو الأخطر: من قال أصلاً إنّ الأرنب والسلحفاة يركضان في الاتجاه نفسه نحو الخطّ نفسه؟ فحين نقارن وتيرة تطوّر الآلة بقدرة الإنسان على التكيّف، نقع في فخٍّ خفيٍّ مفاده أنّ الطرفين يتنافسان على المضمار ذاته، بينما الحقيقة أنّهما يجريان في حلبتين مختلفتين تماماً، ولكلٍّ منهما قانونُ سرعةٍ لا يشبه الآخر، وغايةٌ لا تلتقي بغاية الطرف المقابل إلا في أوهامنا نحن.

لنبدأ من حيث ينبغي أن نبدأ: من طبيعة السرعة ذاتها. تطوّر الآلة أُسّيٌّ في جوهره؛ إذ ظلّت القدرة الحسابية المستخدمة في تدريب أكبر النماذج تتضاعف بوتيرةٍ مذهلة، حتى رصد باحثو منظمة OpenAI أنّ هذه القدرة تضاعفت بين عامي 2012 و2018 بمعدّلٍ يفوق بمراتٍ ما عرفه قانون مور التقليدي. أمّا الإنسان فيتعلّم بمنحنىً مختلفٍ كلّ الاختلاف؛ منحنىً بطيءٍ في بدايته، يحتاج فيه إلى التكرار والنوم والخطأ والتأمّل، كما تكشف أبحاث علم الأعصاب عن دور النوم في ترسيخ ما نتعلّمه. وهنا تتّضح المفارقة الأولى: نحن نقيس الأرنب بمسطرة المسافة، ونقيس السلحفاة بمسطرة العمق، ثم نتعجّب أنّ النتيجتين لا تتطابقان. فالآلة تتقدّم في عرض المعرفة، بينما يتقدّم الإنسان في عمق الفهم؛ وشتّان بين من يحفظ ملايين الكتب ومن يفهم سطراً واحداً فهماً يغيّر سلوكه. ولهذا يخطئ من يقيس الطرفين بمقياسٍ واحد؛ فالأرنب يقطع المسافات، أمّا السلحفاة فتحفر الآبار، وما من ميزانٍ عادلٍ يزن السرعة بالعمق.

غير أنّ القراءة الأعمق تكشف أنّ سرديّة «السباق» نفسها مغلوطةٌ في أساسها. فالسباق يفترض هدفاً مشتركاً وخطّ نهايةٍ واحداً، والحال أنّ الآلة لا تسعى إلى أيّ شيء؛ إنّها أداةٌ بلا غايةٍ ذاتية، تتسارع لأنّنا نسرّعها، وتتوقّف حين نتوقّف عن دفعها. يرى الكاتب أنّ تأطير العلاقة بصيغة «الإنسان ضدّ الآلة» هو في حقيقته خطأٌ تصنيفيٌّ قبل أن يكون خطأً أخلاقياً؛ فنحن لا نتسابق مع المطرقة حين نبني بيتاً، ولا نخشى أن تسبقنا الرافعة في رفع الأثقال. والذكاء الاصطناعي، مهما بلغ من تعقيد، يظلّ في صفّ الأدوات لا في صفّ المنافسين، ما لم نمنحه نحن صفة المنافس بقرارٍ منّا. وقد أكّدت دراسةٌ ميدانيةٌ أجراها باحثون من جامعة هارفارد بالتعاون مع مجموعة بوسطن الاستشارية على أكثر من سبعمئة استشاري أنّ من استعانوا بالنماذج اللغوية أنجزوا مهامّهم بجودةٍ أعلى وسرعةٍ أكبر، لكنّ النتيجة الأخطر أنّ التفوّق تحقّق حين عمل الإنسان والآلة معاً، لا حين تنافسا. بل بيّنت الدراسة ذاتها أنّ من أفرط في الاتّكال على الآلة في المهامّ التي تقع خارج طاقتها انزلق إلى أخطاءٍ فادحة، وكأنّ الأداة تكافئ من يعرف حدودها وتعاقب من يجهلها.

ولأنّ المسألة ليست سباقاً بل شراكة، يصبح السؤال الحقيقيّ: ما الذي يجعل أحد الطرفين يتفوّق في ميدانٍ بعينه؟ هنا تبرز مفارقةٌ صاغها العالم هانس مورافيك منذ عقود، ومفادها أنّ ما يسهل على الآلة يصعب على الإنسان، وما يسهل على الإنسان يستعصي على الآلة. فالآلة تتفوّق في الحساب والاسترجاع والتعرّف على الأنماط، بينما يتفوّق الإنسان في الحدس الأخلاقيّ، وقراءة السياق الغامض، والإبداع الذي ينبثق من تجربةٍ حيّةٍ لا من بياناتٍ صمّاء. وقد لاحظ تقرير ستانفورد لمؤشّر الذكاء الاصطناعي أنّ النماذج الحديثة تتفوّق على الإنسان في اختباراتٍ محدّدة، لكنها تتعثّر في المهامّ التي تتطلّب تخطيطاً طويل المدى أو فهماً للعالم المادّيّ. فالسلحفاة هنا لا تخسر لبطئها، بل تربح في ميدانٍ لا يستطيع الأرنب أن يدخله أصلاً. ولعلّ أبلغ ما في الأمر أنّ الآلة كلّما اقتربت من إتقان مهارةٍ إنسانية، اكتشفنا أنّ تلك المهارة لم تكن سوى الطبقة السطحية من ذكاءٍ أعمق يستعصي على التحويل إلى أرقام. وهكذا كلّما ظنّ الأرنب أنه أوشك على اللحاق، تبيّن أنّ السلحفاة كانت تركض في مضمارٍ آخر لا يبلغه الركض وحده.

شاطئ الجبيل ثمّ إنّ ثمّة وهماً ثالثاً ينبغي تفكيكه: وهم أنّ تسارع الآلة سيستمرّ بلا سقف. فالتاريخ يعلّمنا أنّ كلّ منحنىً أُسّيٍّ ينتهي إلى منحنىً لوجستيٍّ يصطدم بحدوده؛ حدودِ البيانات المتاحة، وحدودِ الطاقة، وحدودِ الكلفة. وقد بدأت أصواتٌ بحثيةٌ جادّة تحذّر من أنّ بيانات التدريب عالية الجودة قد تشحّ خلال هذا العقد، وأنّ مكاسب التوسّع تتناقص كلّما كبر النموذج. والإنسان، في المقابل، يملك ميزةً لا تملكها الآلة: قدرته على التعلّم من حادثةٍ واحدة، وعلى نقل خبرةٍ من ميدانٍ إلى ميدانٍ بعيد، وعلى طرح السؤال الذي لم يخطر لأحدٍ من قبل. فبينما تحتاج الآلة إلى آلاف الأمثلة لتتعلّم مفهوماً، يكفي الطفل أن يلمس النار مرّةً واحدة. يرى الكاتب أنّ هذه «الكفاءة في التعلّم» هي الميزة التي يُساء تقديرها على الدوام؛ إذ ننبهر بكمّ ما تعرفه الآلة، ونغفل عن أناقة الطريقة التي يتعلّم بها العقل البشريّ القليلَ فيبني عليه الكثير. فالعقل لا يكدّس المعرفة كدساً، بل ينسجها في معنىً يوجّه الفعل، وذلك ما لم تبلغه آلةٌ بعد.

شاطئ الجبيل على أنّ الاطمئنان الكامل خطأٌ بقدر الذعر الكامل. فالخطر الحقيقيّ ليس أن تسبقنا الآلة، بل أن نتوقّف نحن عن الجري. وهنا يكمن جوهر التحدّي: العالم لم يعد يكافئ من يعرف، بل من يستطيع أن يعيد تعلّم نفسه باستمرار. وقد قدّر تقرير مستقبل الوظائف الصادر عن المنتدى الاقتصاديّ العالميّ أنّ شريحةً واسعة من القوى العاملة ستحتاج إلى إعادة تأهيلٍ جوهريّ خلال سنواتٍ قليلة، وأنّ المهارات التي ستُطلب غداً تختلف عمّا يُطلب اليوم. فالسلحفاة لن تنجو لأنها بطيئة، بل لأنها تعرف وجهتها وتثابر عليها؛ والإنسان لن يُهزم بالآلة، بل سيُهزم بإنسانٍ آخر يُحسن استخدام الآلة. هذا هو التحوّل الذي يغفل عنه كثيرون حين يصوغون المسألة سباقاً بين نوعين، بينما هي في الحقيقة سباقٌ بين من يتكيّف ومن يجمد، وبين من يرى في الأداة امتداداً لقدرته ومن يراها تهديداً لمكانته. ولأنّ هذا التكيّف لا يكون فردياً فحسب، فإنّ المؤسسات التي تُحسن إعادة تأهيل أبنائها ستسبق تلك التي تكتفي باقتناء أحدث الأدوات؛ فالأداة بلا عقلٍ يُحسن توجيهها عبءٌ لا فائدة، والعقل المتجدّد أثمن من كلّ ترقيةٍ تقنية عابرة.

ومن هذا المنطلق تتّضح ركائزُ عمليةٌ لمن أراد أن يثبت في زمن التسارع. أوّلها أن يبنيَ الإنسان «مهارة التعلّم المستمرّ» بوصفها المهارة الأمّ التي تتفرّع منها سائر المهارات؛ فمن يتقن كيف يتعلّم لا يخشى تقادم ما تعلّم. وثانيها أن يستثمر فيما تعجز الآلة عن محاكاته: الحكم الأخلاقيّ، والذكاء العاطفيّ، والقيادة، والقدرة على طرح الأسئلة الصحيحة لا مجرّد إنتاج الأجوبة. وثالثها أن يتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه شريكاً معرفياً يُوسّع طاقته لا منافساً يهدّد وجوده، فيوكل إليه ما هو متكرّرٌ ويتفرّغ هو لما هو إنسانيٌّ خالص. ورابعها، وهو الأعمق، أن يحافظ على «التواضع المعرفيّ» الذي يجعله مستعدّاً لأن يتعلّم ويُخطئ ويصحّح، لأنّ أخطر ما يُصيب العقل في زمن الآلة هو وهم اكتمال المعرفة. وخامسها أن يدرك أنّ العمق لا يُختصر؛ فمهما أسرعت الأداة في تزويدنا بالأجوبة، يظلّ بناء الفهم الراسخ رحلةً بطيئةً لا تقبل الاختزال، وتلك هي السلحفاة في أبهى صورها.

ويكتسب هذا كلّه بُعداً خاصاً في سياقنا العربيّ. فرؤية السعودية 2030 لم تنظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه سباقاً يُخشى منه، بل بوصفه رافعةً للتحوّل، حين جعلت من الاقتصاد المعرفيّ وبناء القدرات البشرية ركيزةً أصيلة. والدرس الذي يُستخلص هنا أنّ الأمم لا تُقاس بمدى امتلاكها للتقنية وحدها، بل بقدرة إنسانها على التكيّف معها وتوظيفها في خدمة قيمه وهويّته. فمن يستورد الأداة دون أن يبني العقل الذي يُحسن استخدامها يظلّ سلحفاةً تجري في غير مضمارها؛ ومن يبني الإنسان المتعلّم القادر على التكيّف يملك ما هو أثمن من أسرع خوارزمية. يرى الكاتب أنّ المعركة الحقيقية ليست على امتلاك النماذج، بل على صناعة العقول التي توجّهها، وأنّ أعظم استثمارٍ في زمن الآلة هو الاستثمار في قابلية الإنسان للتعلّم مدى الحياة، وفي ثقافةٍ تحتفي بالسؤال لا بمجرّد الجواب. ولا يخفى أنّ تمثيل اللغة العربية في بيانات هذه النماذج ما يزال محدوداً، وهو ما يجعل بناء القدرة المحلية على التكيّف والإنتاج لا الاستهلاك فحسب شرطاً لئلّا نظلّ نلهث خلف مضمارٍ رُسم بغير لغتنا ولا ثقافتنا.

ولعلّ في حكاية السلحفاة والأرنب حكمةً تتجاوز ظاهرها؛ فالأرنب لم يخسر لأنه بطيء، بل لأنه ظنّ أنّ السرعة وحدها تكفي فنام. والآلة، مهما تسارعت، لا تملك وجهةً ولا إرادةً ولا معنىً تسعى إليه؛ تلك كلّها حِكرٌ على السلحفاة الواعية بمسارها. فالسؤال إذاً ليس أيّهما أسرع، بل أيّهما يعرف إلى أين يمضي ولماذا. وحين نعيد صياغة العلاقة على هذا النحو، يتلاشى وهم السباق وتحلّ محلّه صورةٌ أصدق: إنسانٌ يمتطي سرعة الآلة بدل أن يتسابق معها، فيجعل من الأرنب مركوباً لا خصماً. وهنا تنقلب المعادلة كلّها رأساً على عقب؛ إذ لم يعد المطلوب أن نجاري الآلة في سرعتها، بل أن نوظّف تلك السرعة لخدمة بطئنا الحكيم، فنترك للأداة ما يُقاس بالثواني، ونحتفظ لأنفسنا بما لا يُقاس إلا بالعمر.

إنّ المستقبل لن يكون لمن يركض أسرع، بل لمن يعرف لماذا يركض. فالتسارع التقنيّ، مهما بلغ، يظلّ أداةً صمّاء ما لم تُوجّهه إرادةٌ إنسانيةٌ بصيرة. والتحدّي الذي يواجهنا ليس أن نلحق بالآلة، بل أن نظلّ بشراً أحراراً في حضرتها؛ نتعلّم منها دون أن نذوب فيها، ونستعين بها دون أن نتنازل عن حكمنا. فالسلحفاة التي تعرف وجهتها ستبلغ دائماً ما لا يبلغه الأرنب الأعمى مهما تسارع. ويبقى السؤال الذي يجدر بنا أن نحمله معنا كلّ صباح، ونحن نفتح أجهزتنا على عالمٍ يتسارع بلا توقّف: هل نحن في سباقٍ مع الآلة حقّاً، أم أنّ السباق الوحيد الذي يستحقّ الخوض هو سباقنا مع ذواتنا كي نظلّ جديرين بما نصنع؟