شركة بوابات الخير للذكاء الاصطناعي

الطابق الأول، المبنى 7، المنطقة أ طريق المطار، البوابة الاقتصادية ص.ب 93597 الرياض 11683، المملكة العربية السعودية

0112611571

+966570709955

هل نثق في الذكاء الاصطناعي

حين يضع طبيبٌ حياة مريضه بين يدي خوارزمية تنصحه بإجراء جراحة عاجلة أو الإحجام عنها، ولا يستطيع أحد، لا المهندس الذي بناها ولا الطبيب الذي يستعملها، أن يشرح لماذا قررت ما قررت، فأي نوع من الثقة هذا الذي نمنحه؟ إننا لا نواجه مجرد سؤال تقني عن دقة آلةٍ تتعلم، بل نواجه معضلة وجودية تمس جوهر العلاقة بين الإنسان والمعرفة: هل نثق بما لا نفهم، لمجرد أنه أصاب في المرات السابقة؟ المفارقة أن البشر يثقون كل يوم بأطباء وطيارين وقضاة لا يفهمون تفاصيل عقولهم، غير أن ثقتنا بالإنسان مسنودة بشبكة من المساءلة والضمير والمصير المشترك، أما ثقتنا بالآلة فمعلقة في فراغ، بلا ضمير يردعها ولا مصير يجمعها بنا.

لقد تحوّلت الثقة في الذكاء الاصطناعي من ترفٍ فلسفي إلى ضرورة حضارية، إذ تتسلل هذه الأنظمة إلى مفاصل القرار في الطب والقضاء والتمويل والتعليم. ويذهب باحثون في جامعة ستانفورد ضمن تقريرها السنوي عن مؤشر الذكاء الاصطناعي إلى أن الفجوة باتت واسعة بين القدرات المتسارعة للنماذج وبين أدوات قياس موثوقيتها وأمانها، بحيث صار التقدم في القدرة يسبق التقدم في الحوكمة بمسافة مقلقة. وفي السياق ذاته نبّه باحثون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا إلى أن النماذج اللغوية الكبرى قادرة على توليد إجابات تبدو واثقة ومقنعة حتى حين تكون خاطئة تمامًا، وهي ظاهرة سمّاها بعضهم الهلوسة، وهي في تقدير الكاتب أخطر ما يهدد الثقة، لأنها تخلط الصواب بالخطأ في قالبٍ واحد من الطلاقة والثقة الظاهرة.

ولفهم جذور الأزمة لا بد من العودة إلى طبيعة هذه الأنظمة. فالذكاء الاصطناعي الحديث، وخاصة نماذج التعلم العميق، يقوم على شبكات عصبية تضم مليارات المعاملات التي تتفاعل بطرق يستحيل على العقل البشري تتبعها خطوة بخطوة. وقد أطلق الباحثون على هذه الظاهرة اسم الصندوق الأسود، إذ ندخل البيانات ونتلقى النتائج، لكن ما يجري في الداخل يظل غامضًا. وتشير دراسات في جامعة أكسفورد ومراكز أخرى إلى أن هذا الغموض ليس عيبًا عابرًا يمكن إصلاحه بترقية بسيطة، بل هو سمة بنيوية في طريقة تعلّم هذه الأنظمة. وهنا تنشأ المفارقة الكبرى: فكلما زادت قدرة النموذج وتعقيده، ازداد عجزنا عن تفسير سلوكه، وكأن الذكاء والشفافية يسيران في اتجاهين متعاكسين.

غير أن الكاتب يرى أن اختزال مسألة الثقة في الشفافية وحدها قصورٌ في الفهم. فالثقة في حياتنا اليومية لا تُبنى بالضرورة على الفهم الكامل، بل على شبكة من المؤشرات: السجل الحافل، والمساءلة عند الخطأ، واتساق السلوك، والقدرة على التنبؤ. نحن لا نفهم كيف يطير الطائر، لكننا نثق بأن الطائرة ستحملنا، لأن خلفها منظومة من الاختبار والتنظيم والمسؤولية القانونية. ومن ثم فإن السؤال الصحيح ليس هل نفهم الذكاء الاصطناعي، بل هل أحطناه بمنظومة من الضمانات تجعل الثقة به عقلانية لا عمياء. وهذا تحوّل جوهري في طرح المشكلة، من مطاردة الشفافية المستحيلة إلى بناء المساءلة الممكنة.

شاطئ الجبيل وفي هذا المقام يبرز تمييز دقيق يغفل عنه كثير من النقاش العام، وهو الفرق بين الثقة والجدارة بالثقة. فالثقة شعور إنساني قد يُمنح في غير محله، وكثيرًا ما يثق الناس بأنظمة لا تستحق، أو يرتابون في أنظمة جديرة. أما الجدارة بالثقة فصفة موضوعية في النظام ذاته، تُقاس بأدائه وأمانه ونزاهته. ويذهب باحثون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا إلى أن الخطر الأكبر ليس قلة الثقة بل فائضها في غير محله، أي أن نثق بالآلة أكثر مما تستحق، فنسلّمها قرارات تفوق كفاءتها الحقيقية. ويرى الكاتب أن ثقافة الانبهار التقني، التي تعامل كل ناتج خوارزمي بوصفه حكمًا موضوعيًا محايدًا، هي أخطر على المجتمعات من ثقافة الارتياب، لأنها تعطّل الحس النقدي وتمنح الآلة هيبة زائفة.

شاطئ الجبيل ومن الزوايا التي تُهمل غالبًا في هذا النقاش زاوية علم النفس المعرفي، فالإنسان ميّال بطبعه إلى ما يسميه الباحثون الانحياز نحو الآلة، أي النزوع إلى تصديق الناتج الرقمي وتقديمه على حكمه الشخصي حتى حين تدل قرائنه على خلاف ذلك. وقد رصدت دراسات سلوكية أن الطيارين والأطباء قد يتجاهلون حدسهم الصائب حين تعارضه توصية النظام الآلي، وهو ما يحوّل الأداة المساعدة إلى سلطة مطلقة دون قصد. ويرى الكاتب أن أخطر ما في هذا الانحياز أنه يعمل بصمت، فلا يشعر صاحبه بأنه تنازل عن مسؤوليته، بل يظن أنه اتخذ القرار الأرشد. ولهذا فإن بناء الثقة الرشيدة يقتضي تربية الإنسان على مساءلة الآلة لا الاستسلام لها، وعلى أن يبقى حكمه النهائي حاضرًا حتى في حضرة أرقام تبدو قاطعة.

ولعل من أعمق إشكالات الثقة مسألة التحيّز. فالنماذج تتعلم من بيانات صنعها بشر يحملون انحيازاتهم، فترث الآلة هذه الانحيازات وتعيد إنتاجها بمظهر الحياد الرياضي. وقد وثّقت دراسة شهيرة أجرتها باحثتان في مختبر الإعلام بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، هما جوي بولامويني وتيمنيت غيبرو، أن أنظمة التعرف على الوجوه ترتفع نسبة أخطائها ارتفاعًا حادًا حين تتعامل مع النساء وذوي البشرة الداكنة مقارنة بالرجال ذوي البشرة الفاتحة. وهذه النتيجة لا تكشف خللًا تقنيًا فحسب، بل تكشف كيف يمكن للآلة أن تُكرّس ظلمًا اجتماعيًا قائمًا وهي تتدثر برداء الموضوعية. ويشدد باحثون في جامعة هارفارد على أن العدالة الخوارزمية ليست مفهومًا واحدًا، بل تعريفات متعددة قد تتعارض فيما بينها، بحيث يستحيل تحقيقها كلها في آنٍ واحد، وهو ما يجعل الثقة في عدالة الآلة مسألة قيمية لا حسابية بحتة.

ثم تأتي معضلة المسؤولية، وهي في نظر الكاتب حجر الزاوية في كل بناء للثقة. فحين تخطئ الآلة، من يتحمل التبعة؟ المطوّر الذي كتب الكود، أم الشركة التي نشرته، أم المستخدم الذي اعتمد عليه، أم البيانات التي دُرّبت عليها؟ هذا الغموض في المساءلة، الذي يسميه بعض الباحثين فجوة المسؤولية، هو في حقيقته فراغ أخلاقي يقوّض الثقة من جذورها. ولهذا أكد الاتحاد الأوروبي في قانون الذكاء الاصطناعي على مبدأ تصنيف الأنظمة بحسب درجة خطورتها، وفرض أشد القيود على التطبيقات عالية المخاطر، وهو نهج تبنّت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية مبادئ مشابهة له تدعو إلى أن تكون الأنظمة شفافة وخاضعة للمساءلة ومحترمة لحقوق الإنسان. والعبرة أن الثقة لا تُمنح للآلة المجردة، بل للمنظومة الإنسانية والقانونية التي تحيط بها وتتحمل عنها التبعة.

وإذا انتقلنا من التشخيص إلى البناء، فإن ثقة مستدامة بالذكاء الاصطناعي تقوم في تقدير الكاتب على ركائز متضافرة. أولاها قابلية التفسير، أي تطوير أدوات تجعل قرارات الآلة قابلة للمراجعة ولو جزئيًا، وهو ميدان بحثي متنامٍ تسهم فيه جامعات كبرى. وثانيتها الحوكمة الرشيدة، عبر أطر تنظيمية تضع حدودًا واضحة وتفرض اختبارات صارمة قبل النشر، على غرار ما يجري في صناعات الدواء والطيران. وثالثتها الرقابة الإنسانية الفاعلة، بحيث يظل الإنسان في حلقة القرار لا متفرجًا عليها، خصوصًا في المجالات الحساسة كالقضاء والطب والدفاع. ورابعتها التربية على الوعي الرقمي، فالمجتمع الذي يفهم حدود الآلة وقدراتها يمنحها ثقة معايرة لا مفرطة ولا منعدمة. ويضيف باحثون في المنتدى الاقتصادي العالمي بعدًا خامسًا، هو الثقة المؤسسية، إذ إن ثقة الجمهور بالذكاء الاصطناعي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بثقته بالمؤسسات التي تطوّره وتنشره.

وفي السياق العربي تكتسب هذه النقاشات إلحاحًا خاصًا، إذ تمضي دول المنطقة نحو تبنٍّ متسارع لهذه التقنيات. وتُبرز رؤية المملكة العربية السعودية 2030 طموحًا واضحًا في جعل الذكاء الاصطناعي رافعة للتنويع الاقتصادي وتحسين الخدمات، وقد أنشأت المملكة هيئة وطنية مختصة بالبيانات والذكاء الاصطناعي لتنظيم هذا الميدان وحوكمته. ويرى الكاتب أن الفرصة العربية الحقيقية لا تكمن في استهلاك هذه التقنيات فحسب، بل في الإسهام بصياغة منظومة قيمية وحوكمية تنبع من سياقنا الثقافي والأخلاقي، فلا تكون الثقة مستوردة بمعاييرها كاملة من خارج، بل مبنية على وعي بخصوصية المجتمعات العربية ومرجعيتها. فالثقة التي تُفرض من فوق هشة، أما التي تُبنى من داخل النسيج الثقافي فراسخة.

ولا تكتمل الصورة دون الإقرار بأن الثقة علاقة ذات اتجاهين، تتطلب صراحة من مطوّري هذه الأنظمة بقدر ما تتطلب وعيًا من مستخدميها. فحين تُخفي الشركات حدود نماذجها، أو تبالغ في الترويج لقدراتها، فإنها تستنزف رصيد الثقة الذي يصعب استرداده بعد أول إخفاق فادح. وقد بيّنت تجارب عدة أن انهيار الثقة يحدث سريعًا بعد حادثة مدوّية، بينما بناؤها يستغرق سنوات من الأداء المتسق والشفافية الصادقة. ولذا فإن الجدارة بالثقة ليست شعارًا تسويقيًا، بل ممارسة يومية تتجلى في الاعتراف بالخطأ، وفي وضوح الحدود، وفي إخضاع الأنظمة لتدقيق مستقل لا تجامل فيه الشركة نفسها.

ويغفل كثير من المتحمسين عن بُعد آخر لا يقل خطورة، وهو تأثير الثقة المفرطة في تآكل المهارات الإنسانية ذاتها. فحين يعتاد الطبيب أو القاضي أو المعلم الاتكاء على توصية الآلة في كل صغيرة، تضمر ملكاته بالتقادم، ويفقد القدرة على المراجعة والاعتراض حين تخطئ. وقد حذّر باحثون من أن الاعتماد المتزايد على أنظمة التوصية قد يُنشئ أجيالًا تجيد طاعة الخوارزمية أكثر مما تجيد التفكير المستقل. ويرى الكاتب أن الثقة الرشيدة ينبغي أن تُصاغ بحيث تعزز الكفاءة الإنسانية لا أن تستبدلها، فتكون الآلة مُعينًا يرفع سقف القرار البشري، لا بديلًا يجرّده من معناه. وهذا التوازن الدقيق بين التفويض والاحتفاظ بالملكة هو اختبار النضج الحقيقي في عصر الأتمتة.

والذي يراه الكاتب في خلاصة هذا التأمل أن السؤال عن الثقة في الذكاء الاصطناعي ليس في جوهره سؤالًا عن الآلة، بل سؤال عنّا نحن: عن قدرتنا على بناء مؤسسات نزيهة، وأطر عادلة، ووعيٍ نقدي يقظ. فالآلة مرآة تعكس قيمنا وبياناتنا واختياراتنا، والثقة بها في النهاية ثقة بأنفسنا وبمنظوماتنا. ولعل المستقبل لا يحمل إجابة قاطعة بنعم أو لا، بل يحمل دعوة إلى ثقة معايرة ناضجة، لا تقدّس الآلة ولا تشيطنها، بل تنزلها منزلتها الصحيحة بوصفها أداة بالغة القوة تحتاج إلى يدٍ حكيمة توجّهها وعينٍ ساهرة تراقبها. وحين نتعلم أن نثق دون أن نستسلم، وأن نرتاب دون أن نتجمد، نكون قد بلغنا النضج الذي يليق بحضارة تصنع آلاتها على صورة عقلها، وتأبى أن تتنازل عن إنسانيتها في معبد التقنية. فالثقة الحقة لا تُمنح ولا تُسلب دفعة واحدة، بل تُكتسب يومًا بيوم، وتُصان لحظة بلحظة، وتبقى رهنًا بأن يظل الإنسان سيد قراره لا أسير خوارزميته.