شركة بوابات الخير للذكاء الاصطناعي

الطابق الأول، المبنى 7، المنطقة أ طريق المطار، البوابة الاقتصادية ص.ب 93597 الرياض 11683، المملكة العربية السعودية

0112611571

+966570709955

نماذج المصدر المفتوح في الذكاء الاصطناعي

مَن يملكُ مفاتيحَ الذكاء الاصطناعي، يملكُ مفاتيحَ القرن؛ فهل نتركها في خزائن حفنةٍ من الشركات، أم نُلقي بنُسخةٍ منها في الساحة العامة ليصوغ بها العالمُ مصيره؟ هذا السؤال ليس ترفاً فلسفياً، بل هو خطُّ التماسّ الذي يتنازعه اليوم تياران: تيارٌ يرى في الذكاء الاصطناعي سلاحاً أخطر من أن يُترك في متناول الجميع، وتيارٌ يرى في احتكاره خطراً يفوق خطرَ إطلاقه. وبين هذين القطبين تتشكّل واحدةٌ من أعمق معارك توزيع القوة في تاريخ التقنية الحديثة.

لنفهم جذور هذه المعركة، علينا أن نعود إلى مفارقةٍ تأسيسية. فالبرمجيات الحرّة والمفتوحة المصدر ليست وليدة لحظة الذكاء الاصطناعي؛ إذ انطلقت حركتها قبل عقود حين أطلق ريتشارد ستالمن مشروع «جنو» مطلع الثمانينيات، ثم توّجها لينوس تورفالدس بنواة «لينُكس» عام 1991، فأثبتت أنّ التعاون اللامركزي قادرٌ على إنتاج بنيةٍ تحتيةٍ تُدير اليوم معظم خوادم العالم وهواتفه. غير أنّ نقل هذا النموذج إلى الذكاء الاصطناعي اصطدم بعقبةٍ جوهرية: فالنموذج اللغوي ليس شيفرةً مكتوبةً فحسب، بل ثمرةُ بياناتٍ هائلةٍ وقدرةٍ حسابيةٍ تُقدَّر بملايين الدولارات. ومن هنا وُلد خلافٌ ما يزال محتدماً حول معنى «الانفتاح» ذاته؛ فهل يكفي أن تُنشر أوزان النموذج للتنزيل، أم لا بدّ من كشف بيانات التدريب وشيفرته كاملةً حتى يستحقّ الوصف؟ وقد حسمت مبادرة المصدر المفتوح هذا الجدل جزئياً حين أصدرت أواخر عام 2024 أوّل تعريفٍ رسميٍّ للذكاء الاصطناعي المفتوح، مشترطةً حرّيات الاستخدام والدراسة والتعديل والمشاركة، فكشفت بذلك أنّ كثيراً مما يُسوَّق على أنه «مفتوح» ليس كذلك في حقيقته.

يرى الكاتب أنّ جوهر الثورة هنا ليس تقنياً بقدر ما هو سياسيٌّ بامتياز؛ فحين أطلقت شركة «ميتا» سلسلة نماذج «لاما» للتنزيل المجاني، لم تكن تمارس كرماً تقنياً مجرّداً، بل كانت تعيد رسم خريطة القوة في صناعةٍ كادت تتمركز في قبضة ثلاث أو أربع شركات أمريكية. وقد التقطت الأوساط الأكاديمية هذه الإشارة سريعاً؛ فبيّن مؤشر ستانفورد للذكاء الاصطناعي لعام 2024 أنّ الفجوة في الأداء بين النماذج المغلقة والمفتوحة آخذةٌ في الانكماش عاماً بعد عام، بعد أن كانت هوّةً يُظنّ أنها لا تُردم. والأخطر من ذلك أنّ نموذجاً صينياً مفتوحاً مثل «ديب سيك» أحدث زلزالاً في أسواق المال مطلع عام 2025 حين أثبت أنّ أداءً منافساً للنماذج الأمريكية الكبرى يمكن بلوغه بكسرٍ يسيرٍ من كلفتها، فتهاوت قيمة شركاتٍ عملاقة في يومٍ واحد، وانكشف هشاشةُ فرضيةِ أنّ التفوّق حِكرٌ على من يملك أعمق الجيوب. ولعلّ أبلغ ما في هذا المشهد أنّ السلاح الذي قصدت به بعض الشركات حصارَ منافسيها بالانفتاح ارتدّ ليصبح أداةً في يد الجميع، فما من قوّةٍ تُطلق في العلن تبقى ملكاً لمن أطلقها. ولم تكن تلك الصدمة مالية الطابع وحسب، بل كانت رسالةً مفادها أنّ الكفاءة الهندسية قد تُنافس وفرة الموارد، وأنّ الاحتكار الذي بدا حصيناً يتآكل من حيث لا يحتسب أصحابه.

وهنا تبرز رؤيةٌ تخالف السائد. فالخطاب الرائج يصوّر الانفتاح بوصفه انتصاراً أخلاقياً صافياً للعدالة الرقمية، بينما القراءة المتأنّية تكشف أنّه أداةٌ استراتيجيةٌ في صراع نفوذٍ بارد. يرى الكاتب أنّ كبرى الشركات حين تفتح نماذجها لا تتخلّى عن سلطتها، بل تنقلها من طبقة النموذج إلى طبقة البنية التحتية والمنصّات والخدمات السحابية التي تُشغّل تلك النماذج؛ فمن يهب الناس النموذج مجاناً قد يبيعهم الأرض التي يقف عليها. ولهذا فإنّ «ديمقراطية الوصول» التي يُبشَّر بها ليست مطلقةً كما تبدو؛ إذ يظلّ تشغيل النماذج الضخمة وتدريبها أسيرَ بنيةٍ حاسوبيةٍ باهظة لا يملكها إلا قلّة، فيتحوّل الانفتاح من تحريرٍ كاملٍ إلى تحريرٍ منقوص؛ تحريرٌ في الاستخدام يرافقه أسرٌ في البنية. وقد نبّهت دراساتٌ صادرة عن جامعة ستانفورد ضمن مبادرة الذكاء الاصطناعي المتمحور حول الإنسان إلى أنّ شفافية النماذج، حتى المفتوحة منها، ما تزال دون المستوى المأمول، وأنّ كشف الأوزان شيءٌ وكشف منظومة التدريب كاملةً شيءٌ آخر.

شاطئ الجبيل ومع ذلك، فإنّ الإنكار التامّ لقيمة الانفتاح خطأٌ لا يقلّ فداحةً عن المبالغة فيه. فالأبحاث تتقدّم حين تُتاح للجميع؛ ولولا إتاحة معماريةٍ كالمحوّلات ومكتباتٍ مفتوحةٍ للتعلّم العميق لما تسارع الحقل بهذه الوتيرة. وقد أشارت تحليلاتٌ صادرة عن معهد ماساتشوستس للتقنية إلى أنّ النماذج المفتوحة تخفض حواجز الدخول أمام الشركات الناشئة والباحثين المستقلّين، وتتيح تدقيقاً أمنياً جماعياً يكشف الثغرات والتحيّزات التي قد تظلّ خفيّةً في الأنظمة المغلقة. فالعين الواحدة مهما حدّت بصرُها أقلُّ يقظةً من آلاف العيون التي تتفحّص الشيفرة في العلن. وهذا المبدأ نفسه الذي أثبت نجاعته في عالم البرمجيات حين صارت الأنظمة المفتوحة أكثر أماناً لا أقلّ، إذ لا تختبئ عيوبها في الظلام بل تُعرض للنقد فتُصحَّح. وهذا بالضبط ما يجعل الانفتاح، رغم نواقصه، شرطاً للثقة لا ترفاً يُستغنى عنه؛ فالنظام الذي لا يُمكن فحصه لا يُمكن الوثوق به على إطلاقه.

شاطئ الجبيل غير أنّ هذه الميزة ذاتها تحمل في طيّاتها معضلتها. فإتاحة النماذج للجميع تعني إتاحتها لمن يُحسن استخدامها ولمن يُسيء على حدٍّ سواء؛ وهي مفارقة «الاستخدام المزدوج» التي تؤرّق صنّاع السياسات. وقد عالج قانون الاتحاد الأوروبي للذكاء الاصطناعي، الذي أُقرّ عام 2024 بوصفه أوّل إطارٍ تشريعيٍّ شاملٍ من نوعه، هذه المعضلة بتمييزٍ دقيق؛ إذ منح النماذج المفتوحة إعفاءاتٍ تنظيميةً تشجيعاً للابتكار، لكنه أبقى عليها ملزمةً بضوابط الشفافية حين يبلغ أثرها حدّ المخاطر النظامية. وهنا يرى الكاتب أنّ المعادلة الناضجة ليست بين انفتاحٍ مطلقٍ وانغلاقٍ مطلق، بل في هندسة «انفتاحٍ مسؤول» يوازن بين حقّ المجتمع في المعرفة وواجب حمايته من العبث؛ معادلةٌ لا تُحسم بشعارٍ أيديولوجي، بل بتصميمٍ مؤسّسيٍّ دقيقٍ يتعلّم من أخطائه. فالانفتاح الأعمى الذي يتجاهل المخاطر يستدعي ردّةَ فعلٍ تنظيميةً قاسيةً قد تُجهز عليه، فيما الانغلاق المفرط يخنق الابتكار ويُركّز السلطة؛ والحكمة في ارتياد المنطقة الوسطى التي يصعب على الأيديولوجيين على الطرفين تخيّلها.

ولا يكتمل هذا التحليل دون النظر إلى أبعاده الجيوسياسية. فقد حذّر تقريرٌ صادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي من أنّ الفجوة الرقمية قد تتّسع لا تضيق إذا ظلّ الذكاء الاصطناعي المتقدّم حكراً على اقتصاداتٍ بعينها، وأنّ النماذج المفتوحة قد تكون الجسر الذي يمنح دول الجنوب فرصةً للّحاق بدل أن تبقى أسواقاً مستهلكة. وفي السياق ذاته، نبّهت منظّمة التعاون الاقتصادي والتنمية في مبادئها الخاصة بالذكاء الاصطناعي إلى أنّ توزيع منافع هذه التقنية بعدالةٍ بين الدول والأفراد ليس خياراً أخلاقياً فحسب، بل شرطٌ لاستقرارٍ عالميٍّ طويل الأمد. ومن هنا تتّضح خطورة الرهان؛ فالأمم التي تكتفي بالاستهلاك ستجد نفسها رهينةً لقراراتٍ تُصنع خارج حدودها، فيما تملك الأمم التي تبني قدرتها على التطوير المفتوح زمامَ مصيرها التقني.

وفي هذا الأفق يتّضح موقع العالم العربي بدقّةٍ خاصة. فالنماذج المفتوحة تمنح المنطقة فرصةً نادرةً لتجاوز سنواتٍ من التبعية دفعةً واحدة؛ إذ يستطيع الباحث العربي أن يبني على أساسٍ جاهزٍ بدل أن يبدأ من الصفر، وأن يُغذّي النموذج بلغته وتراثه بدل أن يستجدي تمثيلاً عادلاً للعربية من نماذج صُمّمت لغيرها. وقد أدركت رؤية السعودية 2030 هذا البُعد حين جعلت من بناء القدرات الوطنية في الذكاء الاصطناعي ركيزةً للتحوّل، فظهرت مبادراتٌ لبناء نماذج عربيةٍ كبرى تنطلق غالباً من أُسسٍ مفتوحة، إدراكاً بأنّ السيادة التقنية لا تُستورد جاهزةً بل تُبنى لبنةً لبنة. يرى الكاتب أنّ التحدّي العربي الحقيقي ليس في تنزيل النماذج وتشغيلها، فذلك متاحٌ للجميع، بل في الانتقال من موقع المستخدم إلى موقع المساهم في صياغة هذه البنى، ومن المستهلك للغة الآلة إلى المُعلّم لها لغتنا وقيمنا. فاللغة التي لا تُغذّى بها النماذج تظلّ على هامشها، والثقافة التي تغيب عن بيانات التدريب تغيب عن المستقبل الذي تصوغه تلك النماذج؛ ومن هنا فإنّ المساهمة في المصدر المفتوح ليست رفاهيةً معرفية، بل فعلُ صونٍ للهوية في عصرٍ تُكتب فيه الذاكرة الجماعية بلغة الآلة.

وحتى يثمر هذا الطموح، تتّضح ركائز عملية لا غنى عنها. فالأولى استثمارٌ جادٌّ في البنية الحاسوبية الوطنية، إذ لا معنى لنموذجٍ مفتوحٍ لا نملك ما يُشغّله. والثانية بناءُ مجموعاتٍ بياناتٍ عربيةٍ غنيةٍ وموثوقة، فالنموذج لا يعرف من اللغة إلا ما يُطعَم به. والثالثة صياغةُ أطرٍ تنظيميةٍ مرنةٍ تشجّع الانفتاح وتضبط مخاطره دون أن تخنق الابتكار في مهده. والرابعة استثمارٌ في رأس المال البشري القادر على المساهمة في المجتمعات المفتوحة عالمياً لا مجرّد استهلاك مخرجاتها. فهذه الركائز مجتمعةً وحدها تحوّل الانفتاح من شعارٍ يُردَّد إلى قدرةٍ تُمتلك. وأيُّ ركيزةٍ منها تتخلّف عن أخواتها تُبطل أثر سائرها، فالبنية بلا بياناتٍ عقيمة، والبيانات بلا عقولٍ تُحسن صياغتها حبرٌ على ورق، والتنظيم المتشدّد يخنق الجميع.

إنّ ثورة المصدر المفتوح في الذكاء الاصطناعي ليست في جوهرها معركةً تقنيةً بين معسكرين، بل سؤالٌ حضاريٌّ عن الشكل الذي نريد أن يتّخذه توزيع أعظم قوّةٍ معرفيةٍ عرفها التاريخ. فإمّا أن تتركّز هذه القوة في أيدٍ قليلةٍ تُملي على البقية شروط المستقبل، وإمّا أن تنتشر فتُتيح لكلّ أمّةٍ أن تكتب فصلها بقلمها. ولعلّ المفارقة الكبرى أنّ الانفتاح نفسه ليس وعداً مضموناً بالعدالة، بل ساحةٌ مفتوحةٌ للتنافس يفوز فيها من يستعدّ لها لا من ينتظرها. فالنموذج المفتوح يهب الفرصة، لكنه لا يهب القدرة؛ والفرق بين الأمّة التي تنهض والأمّة التي تتخلّف لن يكون في توافر النموذج، بل في الإرادة التي تحوّله من ملفٍّ يُنزَّل إلى مشروعٍ يُبنى. فالأدوات وحدها لا تصنع نهضة، وإنما تصنعها العقول التي تُحسن توظيفها والمؤسسات التي تحتضنها والرؤى التي توجّهها نحو غايةٍ أبعد من مجرّد المواكبة. فهل نكتفي بأن نكون ضيوفاً على مائدةٍ مدّها سوانا، أم نملك من العزم ما يجعلنا شركاء في صياغة القرن الذي تكتبه الآلة بأيدينا أو بأيدي غيرنا؟