ماذا لو أنّ اللحظة التي نخشاها — حين تبدأ الآلة بتحسين نفسها بنفسها فتنطلق في حلقةٍ متسارعة لا تنتظر إذننا — ليست حدثاً مستقبلياً ينتظرنا عند منعطفٍ بعيد، بل مرآةٌ تكشف عجزنا نحن عن تخيّل ذكاءٍ لا يشبهنا، فنسقط عليه أحلامنا ومخاوفنا معاً ونسمّيها نبوءة؟
ليست المسألة أن نصدّق أو نكذّب حكايةً عن آلةٍ خارقةٍ تولد فجأةً فتغيّر وجه التاريخ في طرفة عين، بل أن نفكّك بهدوءٍ فكرةً صارت تتردّد على ألسنة المهندسين والفلاسفة ورجال المال على حدٍّ سواء: فكرة «التفرد التقني». والمصطلح في أصله استعارةٌ من الفيزياء، حيث يشير التفرد إلى نقطةٍ تنهار عندها قوانيننا المألوفة وتعجز معادلاتنا عن التنبّؤ بما وراءها، كما يحدث في قلب الثقب الأسود. ومن هذه الاستعارة تحديداً استعار الرياضي والروائي فيرنور فينج في تسعينيات القرن الماضي تصوّره عن لحظةٍ يبلغ فيها الذكاء الاصطناعي قدرةً على تطوير ذاته فيتجاوز العقل البشري تجاوزاً يجعل المستقبل بعدها غير قابلٍ للتنبّؤ من موقعنا الراهن. ثم جاء راي كرزويل، المهندس في غوغل لاحقاً، فبسط الفكرة على جمهورٍ واسع حين ربط بين تسارع القدرة الحاسوبية، الذي رصده غوردون مور في معادلته الشهيرة عن تضاعف الكثافة الإلكترونية كلّ عامين، وبين قفزةٍ وشيكةٍ نحو ذكاءٍ يفوقنا بمراحل. غير أنّ أوّل ما ينبغي قوله إنّ الاستعارة ليست برهاناً، وإنّ متعة المنطق المتسارع في الأذهان لا تعني أنّ الواقع ملزمٌ بأن يجري على هواه.
ولكي نفهم أين نقف، لا بدّ من خلفيةٍ معرفية دقيقة. جوهر فكرة التفرد قائمٌ على ما يسمّيه أصحابه «انفجار الذكاء»، وهو تصوّرٌ صاغه عالم الرياضيات البريطاني إرفنغ جود في ستينيات القرن الماضي حين تخيّل آلةً «فائقة الذكاء» قادرةً على تصميم آلاتٍ أذكى منها، فإذا صنعت الأولى الثانية، صنعت الثانية ثالثةً أرقى، وهكذا تتوالى الأجيال في تسارعٍ يترك العقل البشري بعيداً خلفه. والمنطق هنا أنيقٌ ومغرٍ، لكنّه يخفي افتراضاً صامتاً لم يُبرهَن قط: أنّ الذكاء كميةٌ خطيةٌ قابلةٌ للمراكمة بلا سقف، وأنّ تحسين الذكاء مهمةٌ يحلّها الذكاء نفسه كلّما زاد. وهنا تكمن المفارقة الأولى؛ فالأنظمة التي نملكها اليوم، على بهرها، لا «تطوّر نفسها» بالمعنى الذي يتخيّله أنصار التفرد، بل تُدرَّب بكلفةٍ هائلة على بياناتٍ يجمعها البشر، وتظلّ عاجزةً عن نقل براعتها من نطاقٍ إلى مجاوره دون تدخّلٍ بشريٍّ مكثّف. وقد نبّه ستيوارت راسل، أستاذ علوم الحاسب في جامعة كاليفورنيا بيركلي، إلى أنّ الخلط بين الأداء المبهر والفهم الحقيقي هو أمّ الأوهام في هذا الحقل، فالنظام الذي يكتب شعراً لا يعرف أنه يكتب، ولا يدرك معنى ما خطّ. ولنا أن نتأمّل أنّ تاريخ هذا الحقل مليءٌ بالوعود التي تعثّرت عند حدود الواقع، حتى عرف المختصّون ما سمّوه «شتاء الذكاء الاصطناعي»: موجات حماسةٍ تتبعها موجات خيبةٍ كلّما اصطدم الوعد بالكلفة والتعقيد، وما فرضية انفجار الذكاء، في وجهٍ من وجوهها، إلّا إحدى تلك الموجات وقد تجدّدت بلغةٍ أكثر بلاغة.
غير أنّ الخلفية وحدها لا تكفي؛ فالتحليل العميق يقتضي أن نفكّك ثلاثة أبعادٍ تختلط عادةً في الخطاب العام. البعد الأول تقنيٌّ بحت: هل ثمّة مسارٌ هندسيٌّ معروفٌ يقود من النماذج الحالية إلى آلةٍ تعيد تصميم نفسها ذاتياً؟ الإجابة الصادقة أنّ لا أحد يملك هذا المسار. فالتوسّع الهائل في حجم النماذج أعطانا قدراتٍ لم تكن متوقّعة، لكنّه بدأ يصطدم بعوائد متناقصةٍ وبكلفة طاقةٍ وبياناتٍ باهظة، حتى صار بعض الباحثين في أعرق المختبرات يحذّرون من أنّ مراكمة الحجم ليست طريقاً مضموناً إلى نوعٍ جديدٍ من الذكاء. وقد رصد تقرير ستانفورد السنوي عن مؤشر الذكاء الاصطناعي تباطؤاً في بعض مكاسب الأداء مقابل تصاعدٍ حادٍّ في كلفة التدريب، وهو ما يضع علامة استفهامٍ كبيرة على فرضية التسارع اللانهائي. والبعد الثاني معرفيٌّ فلسفي: حتى لو بلغت الآلة قدرةً على تحسين خوارزمياتها، هل يعني ذلك أنها تمتلك «إرادةً» للنموّ أو «وعياً» بذاتها؟ هنا يستعيد كثيرون حجّة الفيلسوف جون سيرل عن «الغرفة الصينية»، التي تبيّن أنّ معالجة الرموز بإتقانٍ تامّ لا تساوي فهم معناها، وأنّ بين الحساب والقصد هوّةً قد لا يردمها مجرّد التسارع. أمّا البعد الثالث فاجتماعيٌّ سياسي، وهو الأخطر والأقلّ نقاشاً: من يملك القدرة على بناء هذه الأنظمة، ولمصلحة من توظَّف، ومن يقرّر متى «يُطلَق» نظامٌ يطوّر نفسه؟ إنّ القدرة الحاسوبية اللازمة لذلك تتركّز في حفنةٍ من الشركات والدول، فمن يملك هذه البنية يملك مفاتيح القرار، ومن يفتقر إليها يجد نفسه متفرّجاً على مصيرٍ يُصاغ بعيداً عنه؛ وهكذا يصير الحديث عن «انطلاق الآلة وحدها» تمويهاً لطيفاً يخفي حقيقةً أخشن: أنّ ثمّة بشراً بأعيانهم يقرّرون نيابةً عن البشرية كلّها متى يُطلَق نظامٌ وكيف يُحكَم وأيّ القيم يُغرَس فيه، فالمسؤولية لا تتبخّر حين تتسارع الخوارزمية، بل تنتقل صامتةً من المساءلة العامة إلى يدٍ خاصةٍ قلّما تُسأل.
وهنا يرى الكاتب أنّ الانشغال بلحظة التفرد بوصفها قَدَراً تقنياً وشيكاً إنما يحجب الخطر الأقرب والأشدّ واقعية. فالأنظمة لا تحتاج أن «تنفجر ذكاءً» لكي تعيد تشكيل أسواق العمل، ولا أن تتجاوز الإنسان لكي تركّز الثروة والنفوذ في أيدي قلّةٍ تملك الخوارزميات والبيانات. ويرى الكاتب كذلك أنّ في خطاب التفرد مفارقةً لافتة: فهو يقدّم نفسه نقداً للغرور البشري، بينما هو في عمقه ذروة هذا الغرور، إذ يفترض أنّ الذكاء — وهو أعقد ظاهرةٍ نعرفها — اختُزل إلى متغيّرٍ واحدٍ يمكن مضاعفته كما تُضاعَف سرعة المعالج. والمفارقة الأعمق أنّ كثيراً من المروّجين لهذا الخطاب هم أنفسهم أصحاب المصلحة في تضخيمه؛ فحين يقال إنّ المنتَج على وشك أن يتجاوز العقل البشري، يُفهَم ضمناً أنه يستحقّ كلّ هذا الاستثمار وكلّ هذا الهلع، وهكذا يتحوّل التخويف من الآلة الخارقة نفسه إلى أداةٍ لرفع أسهم صانعيها. إنّ النبوءة هنا لا تصف المستقبل بقدر ما تبيع الحاضر.
على أنّ السخرية المطلقة من فكرة التفرد ليست موقفاً نقدياً، بل سذاجةٌ من نوعٍ آخر. فالنقطة الأصيلة التي يدعو إليها الكاتب هي أن نُحوّل بوصلتنا من سؤال «متى تنطلق الآلة وحدها؟» إلى سؤالٍ أنفع: «أين نضع نحن الحدّ الذي نمسك عنده بزمام القرار؟». فالخطر الحقيقي ليس في آلةٍ تتجاوزنا فجأة، بل في تنازلٍ تدريجيٍّ صامتٍ نُحيل فيه قراراتنا — طوعاً وكسلاً — إلى أنظمةٍ لا نفهم منطقها: حين يقرّر النظام مَن يُوظَّف ومَن يُرفَض، ومَن يستحقّ القرض ومَن يُحرَم، فإنّ التفرد الحقيقي الذي ينبغي أن نخشاه هو تفرّد السلطة لا تفرّد الذكاء. وقد نبّهت مبادئ منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية للذكاء الاصطناعي إلى مركزية إبقاء الإنسان في حلقة القرار وضمان قابلية المساءلة، كما حذّر المنتدى الاقتصادي العالمي في تقاريره عن مستقبل الوظائف من أنّ التحوّل الكبير لن يكون في زوال العمل بل في إعادة توزيع المهارات، بما يجعل التعلّم المستمرّ شرط بقاءٍ لا ترفاً. والأخطر من كلّ سيناريو خياليٍّ عن آلةٍ تنقلب على صانعها هو ضمور إرادتنا نحن، حين نعتاد أن نفوّض حكمنا لمن يحسب أسرع منّا فنغدو كمن امتلك بوصلةً ونسي كيف يقرأ الاتجاه.
ولأنّ النقد دون عملٍ ترفٌ فكري، فإنّ ثمّة ركائز عمليةٍ يقترحها الكاتب لمواجهة هذا المنعطف بوعي. الركيزة الأولى أن نُعيد تعريف الكفاءة الإنسانية لا في منافسة الآلة على ما تتفوّق فيه — السرعة والذاكرة والحساب — بل في تعميق ما تعجز عنه: الحكم الأخلاقي في المواقف الملتبسة، والتعاطف الذي يقرأ السياق الإنساني خلف الأرقام، والقدرة على طرح السؤال الصحيح لا مجرّد إيجاد الجواب؛ فالآلة قد تُجيب عن ألف سؤالٍ، لكنها لا تعرف أيّها يستحقّ أن يُطرَح. والركيزة الثانية أن نبني حوكمةً رشيدة تجعل الشفافية والمساءلة شرطين في كلّ نظامٍ يمسّ حياة الناس، فلا تُترَك القرارات المصيرية لصندوقٍ أسود لا يُفسَّر منطقه. والركيزة الثالثة أن نستثمر في رأس المال البشري بوصفه الأصل الذي لا يُستبدل، إذ تُبيّن الدراسات المتلاحقة في كلية هارفارد للأعمال أنّ المؤسسات التي تجني أكبر العائد من الذكاء الاصطناعي ليست تلك التي تستبدل به موظّفيها، بل تلك التي تعيد تصميم العمل ليكمّل فيه الإنسان الآلة. والركيزة الرابعة أن نُربّي في الناشئة حسّاً نقدياً يميّز الوعد الواقعي من النبوءة المتضخّمة، إذ يتكرّر في أدبيات معهد ماساتشوستس للتقنية وفي أبحاث جامعة أكسفورد أنّ أخطر ما يهدّد المجتمعات ليس الآلة بل تصديقها بلا تمحيص. وهنا يجد السياق العربي فرصته؛ فرؤية المملكة 2030 حين جعلت الإنسان السعودي محور التنمية، ووظّفت التقنية أداةً في خدمة جودة الحياة لا غايةً تبتلع الإنسان، إنما تقدّم نموذجاً يستحقّ التأمّل: أن تُبنى القدرة الوطنية في الذكاء الاصطناعي من القاعدة — عبر التعليم والبحث وريادة الأعمال — لا أن تُستورَد جاهزةً فتُبقي الأمة مستهلكةً تابعة. فالأمة التي تصنع التقنية تكتب شروطها، والأمة التي تستهلكها تخضع لشروط غيرها.
فإلى أين نمضي؟ يرى الكاتب أنّ التفرد، إن جاء يوماً، لن يكون لحظةً نقف عندها مذهولين أمام آلةٍ صعدت وحدها إلى عرش العقل، بل سيكون محصّلة آلاف القرارات الصغيرة التي نتّخذها نحن اليوم: ما الذي نفوّضه، وما الذي نحتفظ به؛ أيّ القيم نُودِعها في خوارزمياتنا، وأيّ الحدود نرسمها لها. فالآلة، مهما تسارعت، ستظلّ امتداداً لإرادةٍ بشريةٍ سبقتها؛ إن أودعناها جشعنا ضاعفته، وإن أودعناها حكمتنا ضاعفت أثرها. ولعلّ أنبل ما يمكن أن تفعله بنا هذه الفكرة المرعبة ليس أن تُنذرنا بنهايتنا، بل أن تُجبرنا على أن نسأل من جديد: ما الذي نريد أن نبقى عليه بشراً وسط هذا التسارع كلّه؟ فإن كان التفرد لحظةً يعجز بعدها العقل عن التنبّؤ، فإنّ أعظم ما نملكه ليس قدرتنا على التنبّؤ بالمستقبل، بل قدرتنا على اختياره. وما دام الاختيار بأيدينا، فإنّ المستقبل، مهما اشتدّ غموضه ومهما تسارعت آلاته، يبقى ملكاً لمن يجرؤ على رسم حدوده، لا لمن ينتظر نبوءةً تكتبها الآلة عنه.