شاب سعودي يبتكر أداة في الذكاء الاصطناعي الأولى من نوعها. قد يبدو هذا الخبر سطراً عابراً في خضم التسارع التقني الذي نعيشه، ولكنه في الحقيقة يمثل قصة عميقة عن الطموح، والحاجة، والقدرة على تسخير أعقد التقنيات لخدمة أنبل الأهداف. في قلب هذا الإنجاز يقف عبدالعزيز الحلوة، المبتكر الذي يعمل في "جمعية تطوير"، والذي لم يكتفِ بمراقبة التحولات التي تشهدها المملكة، بل قرر أن يكون جزءاً فاعلاً منها عبر ابتكار "مُعين"، المساعد الذكي لتأسيس الجمعيات الأهلية.
في عصرٍ أصبحت فيه رؤية السعودية 2030 هي البوصلة التي توجه كافة القطاعات نحو مستقبل أكثر ازدهاراً واستدامة، يبرز القطاع غير الربحي كأحد أهم الركائز لتحقيق التنمية الشاملة. لقد وضعت الرؤية هدفاً طموحاً برفع مساهمة هذا القطاع في الناتج المحلي الإجمالي من 1% إلى 5%، وهو ما يتطلب تضافر الجهود وتذليل العقبات أمام المبادرين الاجتماعيين. ومن هنا، وُلدت فكرة "مُعين"، ليس كأداة تقنية فحسب، بل كشعلة تضيء الدرب لكل من يحلم بترك أثر إيجابي في مجتمعه.
لم يعد يُنظر إلى القطاع غير الربحي، أو ما يُعرف بالقطاع الثالث، على أنه مجرد عمل تقليدي، بل أصبح شريكاً استراتيجياً في التنمية الوطنية، فهو يساهم في تنويع الاقتصاد، وتوليد الفرص، وتقديم حلول مبتكرة للتحديات الاجتماعية، وتعزيز التكافل المجتمعي. لقد شهد القطاع في المملكة قفزات نوعية، حيث ارتفع عدد المنظمات غير الربحية بشكل كبير، وتجاوزت مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي التوقعات المرحلية، متجهاً بثقة نحو تحقيق مستهدفات 2030.
لكن خلف هذه الأرقام المشرقة، تكمن بعض التحديات التي تواجه رواد العمل الأهلي. من أين أبدأ؟ ما هي المتطلبات النظامية؟ كيف أصيغ النظام الأساسي؟ ما هي الجهات التي يجب أن أتعامل معها؟ كيف أختار الفريق؟ ما النماذج التي أحتاجها للتقديم؟ هذه الأسئلة وغيرها تشكل حاجزاً معرفياً قد يثني البعض عن المضي قُدُمًا في مشاريعهم المجتمعية التنموية.
هذه الفجوة بين الطموح الكبير لخدمة المجتمع وبين تحديات الإبحار في المتطلبات التأسيسية هي بالضبط المساحة التي رآها عبدالعزيز الحلوة فرصة للابتكار لإعانة الجميع لخدمة المجتمع. ولقد أدرك أنَّ تمكين القطاع الثالث لا يقتصر على الدعم المالي، بل يبدأ من تمكين المعرفة وتسهيل الوصول إليها، وهنا يأتي دور الذكاء الاصطناعي.
عبدالعزيز الحلوة.. قصة شغف تلتقي بالتقنية
وراء كل ابتكار عظيم، هناك قصة إنسان. عبدالعزيز الحلوة، الذي يعمل في "جمعية تطوير" والذي كان أحد المتميزين البارزين في برنامج نبساي لتمكين القطاع غير الربحي من الذكاء الاصطناعي وقد حصل على درع التميز في نهاية البرنامج، وقصته مثال ملهم على كيف يمكن للشباب أنْ يكونوا في طليعة الابتكار عندما يجمعون بين فهمهم العميق لاحتياجات مجتمعهم وشغفهم بتقنيات الذكاء الاصطناعي. لم يكن ابتكار "مُعين" وليد صدفة، بل هو نتاج رؤية واضحة بأنَّ الذكاء الاصطناعي ليس ترفاً تقنياً أو أداة حصرية للشركات الكبرى، بل هو قوة يمكن تسخيرها للحلول الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية والخيرية والعلمية والعملية.
يعكس هذا الابتكار "معين" النضج الذي وصلت إليه منظومة الذكاء الاصطناعي في المملكة العربية السعودية، والتي لم تعد تكتفي باستيراد التقنية، بل بدأت في إنتاجها وتطويعها لتلبية احتياجاتها الخاصة. إنَّ وجود مبتكرين مثل عبدالعزيز وبرامج تخصصية مثل نبساي، هو شهادة على نجاح الاستراتيجيات الوطنية التي تهدف إلى بناء اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار، وتأهيل جيل من القادة القادرين على المنافسة عالمياً.
وفي خضم حديثه عن رحلته، تتجلى فلسفته العميقة التي قادته لهذا الابتكار، ويضيف عبدالعزيز: "لازلت أتذكر كلام الحجي أنَّ الذكاء الاصطناعي للابتكار وأشياء أخرى". هذه العبارة البسيطة تحمل في طياتها رؤية واسعة. "الابتكار" هو تلك التطبيقات التي تلامس حياة الناس مباشرة، التي تبني الجسور، وتزيل العوائق، وتطلق العنان للطاقات الكامنة في المجتمع. إنها فلسفة ترى في الذكاء الاصطناعي أداة لتمكين القطاع الثالث، وهو بالضبط ما يفعله "مُعين".
"مُعين - مساعد الجمعيات الناشئة" ؛ إنه وكيل ذكي صُمم خصيصاً ليكون المستشار الرقمي الأول من نوعه، والمُوجَّه خصيصاً لخدمة الراغبين في تأسيس جمعيات أهلية في المملكة العربية السعودية. وظيفته الأساسية هي الرد على جميع الاستفسارات المتعلقة بعملية التأسيس، وتوفير المعلومات الدقيقة والمحدثة وفقاً لأنظمة وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية والمركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي.
يعمل "مُعين" كخبير متاح على مدار الساعة، يقدم إجابات تفصيلية حول:
إنَّ القيمة الحقيقية لـ "مُعين" تكمن في قدرته على تمكين المعرفة، وإزالة الحاجز المعرفي الذي يواجه المبادرين. فبدلاً من قضاء أسابيع في البحث والتساؤل، يمكن للمؤسس الآن الحصول على إجابات موثوقة وفورية، مما يحرر وقته وطاقته للتركيز على جوهر عمله: خدمة المجتمع وإنشاء مبادرات مجتمعية توافق مستهدفات رؤية 2030.
إنَّ إطلاق "مُعين" هو إعلان عن بداية مرحلة جديدة للقطاع غير الربحي في المملكة؛ مرحلة "التمكين الذكي". من المتوقع أن يُحدث هذا الابتكار تأثيراً مضاعفاً يتجاوز مجرد تيسير الإجراءات:
إنَّ التكامل بين التقنية والإنسانية هو جوهر هذا الابتكار، فالذكاء الاصطناعي هنا لا يحل محل الإنسان، بل يمكّنه . إنه يقوم بالمهام الروتينية والمعرفية الطويلة، ليترك للمبادرين الاجتماعيين المساحة الأكبر للإبداع والتواصل وبناء الشراكات وتحقيق الأثر على أرض الواقع.
يمثل ابتكار "مُعين" على يد الشاب عبدالعزيز الحلوة رمز لطموح وطن، ودليل على قدرة شبابه، وبرهان على أنَّ الذكاء الاصطناعي يمكن أنْ يكون قوة هائلة للتمكين، إنه يجسد التحول الذي تشهده المملكة من مستهلك للتقنية إلى منتج ومبتكر لها، ويضعها في مصاف الدول الرائدة التي تسخر الذكاء الاصطناعي لخدمة التنمية المستدامة.
إنَّ قصة "مُعين" ليست مجرد حبر على ورق أو إنجاز فردي يُحتفى به ثم يُمضى عنه، بل هي دعوة مفتوحة ومُرسَلة من قلب الابتكار إلى كل شاب وشابة في هذا الوطن المعطاء. إنها دعوة صادقة لدخول بوابة المستقبل من أوسع أبوابها، بوابة "الذكاء الاصطناعي"، التي لم تعد ترفاً فكرياً بل أصبحت لغة العصر وأداته. هذا هو المسار الذي ترسمه اليوم مبادرات رائدة مثل "نبساي" في برامجها الموجهة للقطاع غير الربحي، مقدمة الذكاء الاصطناعي ليس كغاية تقنية معقدة، بل كوسيلة سامية لتحقيق الإلهام، وصناعة الأثر، وإطلاق العنان للابتكار الهادف لخدمة المجتمع.
فانظروا حولكم إلى الفرص الكامنة والتحديات القائمة، وفكروا بتفائل بعقلية المبتكر: كيف يمكن لهذه الخوارزميات أن تتحول إلى حلول تنموية، ومشاريع رائدة، وقصص نجاح تضاف إلى سجل هذا الوطن؟ احتسبوا أوقاتكم بتعلم الذكاء الاصطناعي فالمستقبل، بإذن الله، لن يبنيه إلا أولئك الذين يمتلكون أدواته، والمعرفة اللازمة لتحويل الأحلام إلى حقائق ملموسة تغير حياة الناس نحو الأفضل.
ولعل خير دليل على أنَّ الشغف لا يتوقف عند إنجاز واحد، هو أنَّ رحلة عبد العزيز الحلوة نفسه ما زالت مستمرة. فها هو يواصل شغفه بالتعلم والمعرفة عبر تسجيله في برنامج "نبساي" الثاني، ليصقل موهبته وينتقل من مبتكر إلى صانع للابتكار. ويدعوا القطاع الثالث والمهتمين به للانضمام لبرامج "نبساي" إنه يجسد بنفسه الرسالة التي يحملها مقاله: التعلم المستمر هو وقود الإنجازات العظيمة.
وفي كلمة ختامية تعكس روح العرفان التي هي أساس كل نجاح، يوجه عبدالعزيز شكره العميق أولاً لله سبحانه وتعالى، ثم لجمعيته المباركة "تطوير" والمركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي على دعمهم وتمكينهم، ولا يَشْكُرُ اللَّهَ مَنْ لا يَشْكُرُ النَّاسَ. فشكراً من القلب يا "نبساي".