ماذا يبقى للمستقل حين يصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على كتابة المقال وتصميم الشعار وترجمة العقد وبرمجة الموقع في دقائق معدودة، وبكلفة تكاد لا تُذكر؟
السؤال الذي يطارد ملايين العاملين على منصات العمل الحر من المحيط إلى الخليج ليس سؤالاً تقنياً بقدر ما هو سؤال وجودي عن جدوى المهارة ذاتها حين تتسرب من بين أصابع الإنسان إلى خوارزمية لا تنام ولا تتعب ولا تطالب بأجر. غير أن المفارقة التي يغفل عنها كثيرون، والتي يرى الكاتب أنها تقع في صميم التحول الراهن، أن التقنية التي بدت في ظاهرها تهديداً لمعيشة المستقل قد تكون أعظم رافعة عرفها هذا القطاع منذ أن وُلدت منصات مثل أبوورك وفايفر وفريلانسر، شريطة أن يفهم المستقل طبيعة اللعبة الجديدة لا أن يصارعها بأدوات قديمة.
لنبدأ من حيث ينبغي أن نبدأ، من الأرض الصلبة للأرقام والاتجاهات لا من التهويل ولا من التبشير. أصدر المنتدى الاقتصادي العالمي في تقريره عن مستقبل الوظائف لعام ألفين وخمسة وعشرين تقديراً مفاده أن نحو نصف العمال سيحتاجون إلى إعادة تأهيل مهاراتهم بحلول عام ألفين وثلاثين، وأن المهارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة تتصدر قائمة المهارات الأسرع نمواً في الطلب عالمياً. وفي السياق ذاته خلص باحثون في جامعة هارفارد، ضمن دراسة ميدانية واسعة أُجريت بالتعاون مع شركة استشارية كبرى، إلى أن المستشارين الذين استعانوا بأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي أنجزوا مهامهم بسرعة أكبر وبجودة أعلى مقارنةً بأقرانهم الذين عملوا منفردين، غير أن هؤلاء الباحثين أنفسهم نبهوا إلى ما أسموه الحافة المسننة للقدرة، أي أن التقنية ترفع الأداء في نطاق من المهام وتخفضه في نطاق آخر متى تجاوز المستخدم حدودها دون أن يدرك ذلك. هنا تكمن العبرة الأولى التي يرى الكاتب أنها تفصل بين مستقل سيزدهر وآخر سيندثر، وهي أن قيمة الأداة لا تنفصل عن وعي مستخدمها بحدودها.
أما الخلفية المعرفية الأعمق فتتصل بطبيعة ما حدث لسوق العمل الحر في العقد الأخير. لقد بُنيت اقتصادات المنصات في جوهرها على تفتيت العمل إلى مهام صغيرة قابلة للتسعير والتعاقد المباشر، وهو ما خلق سوقاً عالمية تنافس فيها المهارة بالمهارة والسعر بالسعر عبر القارات. وحين دخل الذكاء الاصطناعي التوليدي هذا المشهد عام ألفين واثنين وعشرين، رصد باحثون مرتبطون بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، في تجارب ضُبطت بعناية على كتابة المهنيين، أن الأداة قلصت تفاوت الجودة بين الكتاب ورفعت متوسط الإنتاجية، بمعنى أنها رفعت الأقل مهارة أكثر مما رفعت الأكثر تمكناً. ولهذه النتيجة دلالة خطيرة على المستقل العربي تحديداً، إذ إن ميزة كثير من المستقلين كانت تقوم على إتقان حرفي أساسي صار اليوم في متناول الجميع بضغطة زر، ومن ثم فإن التمايز لم يعد في القدرة على إنجاز المهمة بل في القدرة على إنجاز ما لا تنجزه الآلة. وإذا تأملنا مسارات المستقلين الذين صعدوا في هذا المناخ المتقلب، وجدنا قاسماً مشتركاً يربط بينهم رغم تباعد تخصصاتهم، وهو أنهم لم يعاملوا الذكاء الاصطناعي بوصفه بديلاً عنهم بل بوصفه متدرباً ذكياً يعملون على تدريبه وتوجيهه ومراجعة ما يقدمه، فبقي القرار في أيديهم والمسؤولية على عاتقهم والبصمة الإنسانية على المنتج النهائي. وقد أشار باحثون في جامعة أوكسفورد، في أعمالهم المبكرة عن قابلية المهن للأتمتة ثم في مراجعاتهم اللاحقة لتلك التقديرات، إلى أن النبوءات المتشائمة عن زوال الوظائف بالجملة كثيراً ما بالغت في تقدير قدرة الآلة وقللت من مرونة الإنسان في إعادة تشكيل دوره، وهو درس ينبغي للمستقل العربي أن يعيه جيداً قبل أن يستسلم لموجة القلق التي يغذيها كثير من خطاب التهويل.
وهنا أنتقل إلى ما أعتقد أنه لب التحليل، وهو رؤية تخالف السائد المتداول في الندوات وورش العمل. الخطاب الشائع يحض المستقل على أن يتعلم استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي ليكون أسرع وأرخص، وهذه في تقدير الكاتب نصيحة قاتلة على المدى الطويل، لأنها تدفعه إلى سباق نحو القاع لا قِبَل له بالفوز فيه، فالآلة ستظل أسرع منه وأرخص أبداً. الطريق المعاكس، وهو الطريق الذي يرى الكاتب أنه يصنع المستقل الذي لا يُستبدل، أن يستعمل المستقل الذكاء الاصطناعي لا ليخفض سعره بل ليرفع سقف ما يقدمه، فينتقل من بيع ساعات عمله إلى بيع نتائج وأثر، ومن تنفيذ التعليمات إلى تصميم الحلول. حين يستطيع مصمم الجرافيك أن يولّد عشرين مفهوماً بصرياً في الوقت الذي كان يولّد فيه مفهوماً واحداً، فإن القيمة لا تنتقل إلى التوليد بل إلى الحكم والذوق والقدرة على اختيار المفهوم الأنسب لهوية العميل ورسالته، وهي ملكات لا تنبت إلا في تربة الخبرة الإنسانية والفهم السياقي العميق.
ولعل أوضح ما يجلّي هذه الفكرة ما توصلت إليه دراسات في جامعة ستانفورد حول الأتمتة، إذ بيّنت أن الذكاء الاصطناعي يميل إلى أتمتة المهام لا الوظائف بأكملها، بمعنى أن أغلب المهن تتألف من حزمة مهام بعضها قابل للأتمتة وبعضها عصيّ عليها، وأن الرابح هو من يعيد تركيب دوره حول المهام العصية. وفي الاتجاه ذاته نبهت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، في تحليلها لأثر الذكاء الاصطناعي على أسواق العمل، إلى أن المهارات الاجتماعية والعاطفية والقدرة على حل المشكلات المعقدة ستزداد قيمتها لا تنقص مع توسع الأتمتة. وهذا يعيدنا إلى جوهر العمل المستقل الذي لطالما قام على علاقة ثقة بين فرد وعميل، تلك العلاقة التي تظل عصب التعاقد حتى حين تتولى الآلة جانب التنفيذ.
ينبني على هذا التحليل أن المهارات المطلوبة بشدة في السوق الجديدة ليست مهارات تقنية صرفة كما يُتوهم، بل هي طبقة مزدوجة. الطبقة الأولى مهارة هندسة الأوامر والحوار مع النماذج، أي القدرة على استنطاق الأداة بدقة تجعلها تنتج ما يقارب المراد لا ما يقارب المتوسط، وهذه مهارة لغوية ومنطقية قبل أن تكون تقنية، وهي بطبيعتها أقرب إلى العقل العربي المتمرس في البلاغة والتدقيق المعجمي مما قد يظن البعض. والطبقة الثانية، وهي الأرفع قيمة، مهارة التحقق والتنقيح والدمج، أي القدرة على تمييز الصواب من الزلل في مخرجات الآلة وصوغها في منتج نهائي يحمل بصمة إنسانية لا يخطئها العميل. يرى الكاتب أن المستقل الذي يجيد هاتين الطبقتين معاً سينتقل من فئة العامل بالقطعة إلى فئة المهندس المنسق الذي يقود فريقاً من الأدوات الذكية، فيضاعف إنتاجه دون أن يضاعف ساعات سهره. ولا بد من وقفة عند مسألة التسعير التي تربك كثيراً من المستقلين في هذه المرحلة، فالعميل الذي يعلم أن الأداة باتت متاحة للجميع يميل إلى المساومة على الأجر بحجة أن العمل صار أيسر. ويرى الكاتب أن الرد الصحيح على هذه المساومة ليس خفض السعر بل إعادة تأطير القيمة المباعة، فالمستقل لا يبيع وقت التنفيذ الذي اختصرته الآلة بل يبيع الحكم الذي يضمن أن المنتج النهائي صحيح ومناسب وخالٍ من الزلل، ويبيع تحمّل المسؤولية عن النتيجة، وهي مسؤولية لا تحملها خوارزمية ولا تُساءل أمام عميل. حين يدرك المستقل أن ثمن خدمته هو ثمن اليقين والأمان والذوق لا ثمن الكبسات على لوحة المفاتيح، استقام له منطق تسعير يحفظ كرامته المهنية ويصون دخله من التآكل. وثمة بعد أخلاقي ومهني لا يصح إغفاله، إذ إن إفراط المستقل في الاتكال على مخرجات الآلة دون تمحيص قد يورده موارد الخطأ والانتحال غير المقصود وتسريب بيانات العملاء إلى نماذج لا يملك التحكم في كيفية تعاملها مع ما يُلقى إليها. ولذا فإن بناء عادات راسخة في التحقق من الحقائق وحماية خصوصية العميل والإفصاح الشفاف عن مواضع استعانته بالأداة، صار جزءاً من المهنية ذاتها لا ترفاً يضاف إليها، بل إن هذه العادات قد تصير في المستقبل القريب علامة فارقة يطلبها العملاء الجادون ويميزون بها المحترف عن المتعجل.
ولا يكتمل هذا الطرح دون ركائز عملية يمسك بها المستقل العربي. الركيزة الأولى أن يختار تخصصاً عمودياً ضيقاً وعميقاً بدل التشتت الأفقي، إذ إن الذكاء الاصطناعي يلتهم العموميات ويعجز أمام الخبرة المتخصصة الدقيقة، فالمترجم القانوني المتخصص في عقود الطاقة أحصن من المترجم العام بمراحل. والركيزة الثانية أن يبني المستقل لنفسه ما يشبه خط الإنتاج الخاص، أي منظومة من الأدوات المترابطة تحوّل عمله من جهد يدوي متكرر إلى عملية شبه مؤتمتة يشرف عليها ويضبط جودتها. والركيزة الثالثة أن يستثمر في رأسماله العلائقي والمعرفي، في الكتابة عن خبرته ونشرها وبناء سمعة تجعل العميل يطلبه بالاسم لا بالسعر، فالسمعة هي الحصن الأخير الذي لا تستطيع خوارزمية أن تنتحله. والركيزة الرابعة أن يتقن قراءة احتياج العميل قبل أن يكتبه العميل نفسه، وهذه مهارة استشارية رفيعة ترفع المستقل من منفّذ إلى شريك.
ولا يفوت الكاتب أن يربط هذا كله بالسياق العربي ورؤية المملكة العربية السعودية لعام ألفين وثلاثين، التي جعلت من تمكين الاقتصاد الرقمي وريادة الأعمال الفردية وتوطين المهارات التقنية أهدافاً محورية، وأطلقت منصات وطنية للعمل الحر تسعى إلى تنظيم القطاع وحماية المستقلين ومنحهم صفة مهنية معترفاً بها. إن المستقل العربي الذي يجيد العربية والإنجليزية معاً، ويفهم سياقه الثقافي المحلي فهماً لا تبلغه نماذج دُرّبت في الأغلب على محتوى أجنبي، يملك ميزة تفاضلية حقيقية في سوق إقليمية تتعطش إلى محتوى وخدمات تنطق بلسانها وتدرك خصوصيتها، وهذه ميزة ينبغي أن تُصان وتُستثمر لا أن تُهدر في مزاحمة الآلة على ما تتقنه.
يبقى في الختام أن نتأمل الأفق الأبعد. إن ما يجري ليس استبدالاً للإنسان بالآلة بقدر ما هو إعادة توزيع للقيمة داخل سلسلة العمل، وإعادة التوزيع هذه تكافئ من يصعد في السلسلة وتعاقب من يجمد في أسفلها. يرى الكاتب أن المستقل الذي سيزدهر في العقد القادم لن يكون أمهر الناس في استخدام أداة بعينها، فالأدوات تتبدل كل بضعة أشهر، بل سيكون أقدرهم على التعلم المستمر وإعادة تعريف ذاته كلما تبدل المشهد، وأرسخهم في تلك الملكات الإنسانية التي لا تُبرمج، من حكمة وذوق وحس أخلاقي وفهم للسياق. لقد كان العمل الحر دائماً رهاناً على الذات في وجه عدم اليقين، وها هو الذكاء الاصطناعي يضاعف عدم اليقين بقدر ما يضاعف الإمكان، فمن راهن على نفسه راهناً صحيحاً، وجعل من الآلة جناحاً يطير به لا قيداً يجره إلى القاع، فإنه لن يجد في هذا التحول تهديداً لرزقه بل بوابة إلى أفق لم يكن في الحسبان.