حِينَ أَعْلَنَ رَئِيسٌ يَحْكُمُ أُمَّةً تَضُمُّ سُدُسَ سُكَّانِ الْأَرْضِ أَنَّ مَنْ يَقُودُ الذَّكَاءَ الِاصْطِنَاعِيَّ سَيَحْكُمُ الْعَالَم، لَمْ يَكُنْ يُطْلِقُ شِعَاراً خِطَابِيّاً عَابِراً، بَلْ كَانَ يَفْضَحُ حَقِيقَةً تَتَجَنَّبُ النُّخَبُ التَّصْرِيحَ بِهَا: أَنَّ مَوَازِينَ الْقُوَّةِ بَيْنَ الْأُمَمِ لَمْ تَعُدْ تُحْسَمُ بِعَدَدِ حَامِلَاتِ الطَّائِرَاتِ وَلَا بِمَخْزُونِ النَّفْطِ تَحْتَ الرِّمَال، بَلْ بِمَنْ يَمْلِكُ الرَّقَائِقَ وَالْبَيَانَاتِ وَالْعُقُولَ الْقَادِرَةَ عَلَى تَدْرِيبِ نَمَاذِجَ لَا تَنَامُ وَلَا تَتْعَب. وَالْمُفَارَقَةُ الصَّادِمَةُ أَنَّ هَذِهِ الْحَرْبَ، وَهِيَ أَعْنَفُ سِبَاقٍ تِقْنِيٍّ مُنْذُ انْشِطَارِ الذَّرَّة، تُخَاضُ فِي صَمْتٍ شِبْهِ تَامٍّ، بِلَا إِعْلَانٍ رَسْمِيٍّ وَلَا مَيْدَانِ مَعْرَكَةٍ مَرْئِيّ؛ فَالْقَذَائِفُ هُنَا أَسْطُرٌ بَرْمَجِيَّةٌ، وَالْجَبَهَاتُ مُخْتَبَرَاتٌ مُكَيَّفَةٌ فِي وَادِي السِّيلِيكُونِ وَشَنْغْهَاي، وَالْقَتْلَى الْمُحْتَمَلُونَ اقْتِصَادَاتٌ بِأَكْمَلِهَا سَتَجِدُ نَفْسَهَا، بَيْنَ عَشِيَّةٍ وَضُحَاهَا، خَارِجَ التَّارِيخ.
لِنَفْهَمَ كَيْفَ وَصَلْنَا إِلَى هَذِهِ اللَّحْظَةِ الْمِفْصَلِيَّة، يَجِبُ أَنْ نُدْرِكَ أَنَّ التِّكْنُولُوجْيَا لَمْ تَكُنْ يَوْماً مُحَايِدَةً سِيَاسِيّاً. فَمُنْذُ أَنْ أَطْلَقَ الْبَاحِثُونَ فِي خَمْسِينِيَّاتِ الْقَرْنِ الْمَاضِي مُصْطَلَحَ الذَّكَاءِ الِاصْطِنَاعِيِّ فِي وَرْشَةِ دَارْتْمُوث، ظَلَّتِ الْحُقُولُ الْأَكْثَرُ خُطُورَةً مُرْتَبِطَةً عُضْوِيّاً بِأَجْهِزَةِ الدَّوْلَةِ وَوِزَارَاتِ الدِّفَاع. غَيْرَ أَنَّ مَا تَغَيَّرَ جَذْرِيّاً فِي الْعَقْدِ الْأَخِيرِ هُوَ انْتِقَالُ الذَّكَاءِ الِاصْطِنَاعِيِّ مِنْ مَجَالٍ بَحْثِيٍّ مُتَخَصِّصٍ إِلَى بِنْيَةٍ تَحْتِيَّةٍ لِلْحَضَارَةِ كُلِّهَا، شَأْنُهُ شَأْنُ الْكَهْرَبَاءِ وَالطُّرُقِ السَّرِيعَة. وَقَدْ رَصَدَتْ دِرَاسَةٌ صَادِرَةٌ عَنْ مَرْصَدِ سْتَانْفُورْد لِلذَّكَاءِ الِاصْطِنَاعِيِّ ضِمْنَ تَقْرِيرِهِ السَّنَوِيِّ الْمَعْرُوفِ بِاسْمِ مُؤَشِّرِ الذَّكَاءِ الِاصْطِنَاعِيِّ أَنَّ الِاسْتِثْمَارَاتِ الْخَاصَّةَ فِي هَذَا الْقِطَاعِ تَضَخَّمَتْ بِوَتِيرَةٍ غَيْرِ مَسْبُوقَةٍ، وَأَنَّ كُلْفَةَ تَدْرِيبِ النَّمَاذِجِ الْكُبْرَى صَارَتْ تَتَجَاوَزُ مِيزَانِيَّاتِ دُوَلٍ بِأَكْمَلِهَا، مِمَّا أَزَاحَ اللُّعْبَةَ مِنْ أَيْدِي الْأَفْرَادِ وَالشَّرِكَاتِ الصُّغْرَى إِلَى حِجْرِ عَمَالِقَةٍ قَلِيلِينَ تَسْنُدُهُمْ خَزَائِنُ دُوَلٍ كُبْرَى.
هُنَا تَتَبَدَّى الصُّورَةُ الْجِيُوسِيَاسِيَّةُ بِوُضُوحٍ مُقْلِق. فَعَلَى ضِفَّةٍ تَقِفُ الْوِلَايَاتُ الْمُتَّحِدَةُ، تَسْتَنِدُ إِلَى تَفَوُّقٍ تَارِيخِيٍّ فِي الرَّقَائِقِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَإِلَى مَنْظُومَةِ جَامِعَاتٍ وَمُخْتَبَرَاتٍ تَجْتَذِبُ أَلْمَعَ الْعُقُولِ مِنْ كُلِّ أَصْقَاعِ الْأَرْض، وَقَدْ عَزَّزَتْ مَوْقِعَهَا بِقُيُودِ تَصْدِيرٍ صَارِمَةٍ عَلَى أَشْبَاهِ الْمُوَصِّلَاتِ نَحْوَ مُنَافِسِيهَا. وَعَلَى الضِّفَّةِ الْمُقَابِلَةِ تَنْهَضُ الصِّينُ بِخُطَّةٍ مُعْلَنَةٍ لِتَصَدُّرِ الْعَالَمِ فِي هَذَا الْمَيْدَانِ بِحُلُولِ نِهَايَةِ الْعَقْد، مَدْفُوعَةً بِبَحْرٍ مِنَ الْبَيَانَاتِ يَفِيضُ بِهِ أَكْثَرُ الْمُجْتَمَعَاتِ رَقْمَنَةً عَلَى الْأَرْض، وَبِإِرَادَةٍ دَوْلَتِيَّةٍ تُوَجِّهُ رُؤُوسَ الْأَمْوَالِ نَحْوَ هَدَفٍ وَاحِد. وَيَرَى الْكَاتِبُ أَنَّ الْمُقَارَبَةَ الشَّائِعَةَ الَّتِي تَخْتَزِلُ هَذَا الصِّرَاعَ فِي ثُنَائِيَّةِ وَاشِنْطُن وَبِكِين مُقَارَبَةٌ قَاصِرَةٌ وَمُضَلِّلَة؛ فَالْحَرْبُ الْحَقِيقِيَّةُ لَيْسَتْ عَلَى مَنْ يَصْنَعُ أَذْكَى نَمُوذَجٍ، بَلْ عَلَى مَنْ يَمْلِكُ طَبَقَاتِ الْقُوَّةِ الْكَامِنَةَ تَحْتَهُ: الرَّقَائِقَ، وَمَرَاكِزَ الْبَيَانَاتِ النَّهِمَةَ لِلطَّاقَة، وَالْمَعَادِنَ النَّادِرَةَ، وَفَوْقَ ذَلِكَ كُلِّهِ الْمَعَايِيرَ وَالْقَوَاعِدَ الَّتِي سَتَحْكُمُ اسْتِخْدَامَ هَذِهِ التِّقْنِيَةِ عَالَمِيّاً. وَمَنْ يَمْلِكُ الْمِعْيَارَ يَمْلِكُ السُّوق، وَمَنْ يَمْلِكُ السُّوقَ يَمْلِكُ الْمُسْتَقْبَل.
وَلَا يَكْتَمِلُ فَهْمُ هَذِهِ الْمُعَادَلَةِ مِنْ غَيْرِ الِالْتِفَاتِ إِلَى الْحَلْقَةِ الْأَضْعَفِ وَالْأَخْطَرِ فِيهَا مَعاً: الرَّقَائِقُ الْمُتَنَاهِيَةُ الصِّغَرِ الَّتِي يَتَوَقَّفُ تَصْنِيعُهَا الْأَكْثَرُ تَطَوُّراً عَلَى عَدَدٍ ضَئِيلٍ مِنَ الْمَنْشَآتِ الْمُتَمَرْكِزَةِ فِي بُقْعَةٍ جُغْرَافِيَّةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ شَرْقِ آسْيَا. فَهَذَا التَّرَكُّزُ الْمُفْرِطُ حَوَّلَ صِنَاعَةً تِقْنِيَّةً إِلَى عُقْدَةٍ اسْتِرَاتِيجِيَّةٍ تَتَنَازَعُهَا الْأُمَمُ، حَتَّى صَارَ مَصِيرُ جَزِيرَةٍ صَغِيرَةٍ قَادِراً عَلَى زَلْزَلَةِ الِاقْتِصَادِ الْعَالَمِيِّ بِأَسْرِهِ. وَيَنْضَافُ إِلَى الرَّقَاقَةِ عَامِلٌ ثَانٍ كَثِيراً مَا يَغْفُلُ عَنْهُ الْمُتَحَمِّسُونَ: الطَّاقَة. فَمَرَاكِزُ الْبَيَانَاتِ الَّتِي تُدَرَّبُ فِيهَا النَّمَاذِجُ الْعِمْلَاقَةُ تَلْتَهِمُ مِنَ الْكَهْرَبَاءِ مَا يَكْفِي مُدُناً بِأَكْمَلِهَا، حَتَّى بَاتَتْ مَسْأَلَةُ مَنْ يَمْلِكُ فَائِضاً مِنَ الطَّاقَةِ الرَّخِيصَةِ النَّظِيفَةِ جُزْءاً لَا يَتَجَزَّأُ مِنْ مُعَادَلَةِ التَّفَوُّقِ التِّقْنِيِّ، وَهُوَ بُعْدٌ تَمْلِكُ فِيهِ مِنْطَقَةُ الْخَلِيجِ وَرَقَةً نَادِرَةً قَدْ تُعِيدُ تَوْزِيعَ الْأَوْرَاقِ كُلِّهَا.
وَفِي خِضَمِّ هَذَا الِاسْتِقْطَابِ الثُّنَائِيِّ، يَصْعَدُ لَاعِبٌ ثَالِثٌ اخْتَارَ سِلَاحاً مُخْتَلِفاً تَمَاماً: الِاتِّحَادُ الْأُورُوبِّيُّ الَّذِي رَاهَنَ عَلَى الْقَانُونِ بَدَلاً مِنَ الرَّقَاقَة. فَبِإِقْرَارِهِ قَانُونَ الذَّكَاءِ الِاصْطِنَاعِيِّ، أَوَّلَ تَشْرِيعٍ شَامِلٍ مِنْ نَوْعِهِ فِي الْعَالَم، حَاوَلَ الْأُورُوبِّيُّونَ أَنْ يَفْعَلُوا فِي الذَّكَاءِ الِاصْطِنَاعِيِّ مَا فَعَلُوهُ مِنْ قَبْلُ فِي حِمَايَةِ الْبَيَانَاتِ: أَنْ يَفْرِضُوا قَوَاعِدَهُمْ عَلَى شَرِكَاتٍ لَا يَمْلِكُونَهَا عَبْرَ بَوَّابَةِ السُّوقِ الضَّخْمَةِ الَّتِي يُسَيْطِرُونَ عَلَيْهَا. وَقَدْ نَبَّهَتْ أَوْرَاقٌ بَحْثِيَّةٌ صَادِرَةٌ عَنْ جَامِعَةِ أُوكْسْفُورْد إِلَى مَا يُعْرَفُ بِأَثَرِ بُرُوكْسِل، أَيْ قُدْرَةِ التَّنْظِيمِ الْأُورُوبِّيِّ عَلَى التَّحَوُّلِ إِلَى مِعْيَارٍ عَالَمِيٍّ بِحُكْمِ الْأَمْرِ الْوَاقِع. لَكِنَّ الْكَاتِبَ يَرَى أَنَّ الرِّهَانَ التَّنْظِيمِيَّ وَحْدَهُ، إِنْ لَمْ تَسْنُدْهُ قُدْرَةٌ صِنَاعِيَّةٌ عَلَى إِنْتَاجِ الرَّقَائِقِ وَالنَّمَاذِجِ، قَدْ يَنْقَلِبُ إِلَى قَيْدٍ يُكَبِّلُ الْمُبْتَكِرِينَ الْمَحَلِّيِّينَ بَيْنَمَا يُوَاصِلُ الْعَمَالِقَةُ فِي الْخَارِجِ التَّقَدُّم؛ فَالسِّيَادَةُ التِّقْنِيَّةُ لَا تُشْتَرَى بِالنُّصُوصِ الْقَانُونِيَّة، بَلْ تُبْنَى بِالْمَصَانِعِ وَالْمُخْتَبَرَاتِ وَالْكَوَادِر.
وَلَعَلَّ أَخْطَرَ مَا فِي هَذِهِ الْحَرْبِ بُعْدُهَا الْخَفِيُّ الَّذِي قَلَّمَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ: إِنَّهَا لَيْسَتْ صِرَاعاً عَلَى التَّفَوُّقِ الْعَسْكَرِيِّ فَحَسْبُ، بَلْ عَلَى تَشْكِيلِ الْوَعْيِ الْإِنْسَانِيِّ نَفْسِهِ. فَالنَّمَاذِجُ اللُّغَوِيَّةُ الْكُبْرَى الَّتِي يَسْتَشِيرُهَا مِئَاتُ الْمَلَايِينِ يَوْمِيّاً لَيْسَتْ أَدَوَاتٍ صَمَّاءَ، بَلْ تَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهَا قِيَمَ مَنْ دَرَّبَهَا وَتَحَيُّزَاتِ ثَقَافَتِهِ وَلُغَتِهِ. وَمَنْ يُهَيْمِنُ عَلَى هَذِهِ الطَّبَقَةِ الْمَعْرِفِيَّةِ سَيُهَيْمِنُ، عَبْرَ أَجْيَالٍ قَادِمَة، عَلَى مَا يُعْتَبَرُ مَعْرِفَةً مَوْثُوقَةً وَمَا يُسْتَبْعَدُ بِوَصْفِهِ هَامِشاً. وَقَدْ حَذَّرَتْ دِرَاسَاتٌ مِنْ مُخْتَبَرَاتِ مَعْهَدِ مَاسَاتْشُوسِتْس لِلتِّقْنِيَةِ مِنْ أَنَّ الِاعْتِمَادَ الْمُفْرِطَ عَلَى أَنْظِمَةٍ مُعْتِمَةٍ فِي صِنَاعَةِ الْقَرَارِ قَدْ يُضْعِفُ مَلَكَةَ التَّفْكِيرِ النَّقْدِيِّ لَدَى مُسْتَخْدِمِيهَا. وَيَذْهَبُ الْكَاتِبُ إِلَى أَبْعَدَ مِنْ ذَلِكَ فَيَرَى أَنَّ الْمَعْرَكَةَ الْكُبْرَى فِي هَذَا الْقَرْنِ لَنْ تَكُونَ عَلَى مَنْ يَمْتَلِكُ السِّلَاحَ الْأَذْكَى، بَلْ عَلَى مَنْ يَحْفَظُ تَنَوُّعَ الْعَقْلِ الْبَشَرِيِّ مِنَ الذَّوَبَانِ فِي نَمُوذَجٍ وَاحِدٍ يُعِيدُ تَدْوِيرَ الْفِكْرَةِ ذَاتِهَا بِلُغَاتٍ مُخْتَلِفَة. فَالْخَطَرُ الْحَقِيقِيُّ لَيْسَ آلَةً تَتَمَرَّدُ عَلَى صَانِعِهَا، بَلْ بَشَرٌ يَكُفُّونَ عَنِ التَّفْكِيرِ لِأَنَّ الْآلَةَ تَكْفِيهِمْ مَؤُونَتَه.
وَلَا يَقِفُ الْأَمْرُ عِنْدَ حُدُودِ الْوَعْيِ الْفَرْدِيِّ، بَلْ يَمْتَدُّ إِلَى نَسِيجِ الثِّقَةِ الْعَامَّةِ ذَاتِهِ. فَالْقُدْرَةُ عَلَى تَوْلِيدِ صُوَرٍ وَأَصْوَاتٍ وَمَقَاطِعَ مُزَيَّفَةٍ يَتَعَذَّرُ تَمْيِيزُهَا عَنِ الْحَقِيقَةِ مَنَحَتْ مَنْ يَمْلِكُونَ هَذِهِ الْأَدَوَاتِ سِلَاحاً قَادِراً عَلَى زَعْزَعَةِ الِانْتِخَابَاتِ وَإِشْعَالِ الْفِتَنِ وَتَفْكِيكِ الْإِجْمَاعِ الِاجْتِمَاعِيِّ مِنْ دُونِ إِطْلَاقِ رَصَاصَةٍ وَاحِدَة. وَقَدْ أَشَارَتْ أَبْحَاثٌ فِي حَوْكَمَةِ التِّقْنِيَةِ إِلَى أَنَّ الْأَنْظِمَةَ الْقِتَالِيَّةَ الذَّاتِيَّةَ الَّتِي تَتَّخِذُ قَرَارَ الْقَتْلِ مِنْ دُونِ تَدَخُّلٍ بَشَرِيٍّ تَفْتَحُ بَاباً أَخْلَاقِيّاً لَمْ تَعْرِفِ الْبَشَرِيَّةُ لَهُ نَظِيراً، إِذْ يُسَلَّمُ الْحُكْمُ فِي الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ إِلَى خُوَارِزْمِيَّةٍ لَا تُسَاءَلُ وَلَا تَنْدَم. وَهُنَا يَتَجَلَّى الْفَرْقُ بَيْنَ أُمَّةٍ تُسَخِّرُ التِّقْنِيَةَ لِخِدْمَةِ إِنْسَانِهَا وَأُخْرَى تُسَخِّرُ إِنْسَانَهَا لِخِدْمَةِ تِقْنِيَتِهَا.
وَبَيْنَ هَاتَيْنِ الْقُوَّتَيْنِ الْعُظْمَيَيْنِ وَالْكُتْلَةِ التَّنْظِيمِيَّةِ الْأُورُوبِّيَّة، يَبْرُزُ مَوْقِعُ الْعَالَمِ الْعَرَبِيِّ سُؤَالاً وُجُودِيّاً لَا تَرَفاً فِكْرِيّاً. فَالْأُمَّةُ الَّتِي حَمَلَتْ مَشْعَلَ الْعِلْمِ حِينَ كَانَتْ أُورُوبَّا غَارِقَةً فِي ظَلَامِهَا، وَالَّتِي تَرْجَمَتْ تُرَاثَ الْإِغْرِيقِ وَطَوَّرَتِ الْجَبْرَ وَالْخُوَارِزْمِيَّاتِ الَّتِي اشْتُقَّ مِنِ اسْمِ مُبْتَكِرِهَا مُصْطَلَحٌ يَتَرَدَّدُ الْيَوْمَ فِي كُلِّ مُخْتَبَر، تَقِفُ الْآنَ أَمَامَ مُفْتَرَقِ طُرُقٍ حَادّ: إِمَّا أَنْ تَكُونَ صَانِعَةً لِهَذِهِ التِّقْنِيَةِ أَوْ مُجَرَّدَ سُوقٍ اسْتِهْلَاكِيَّةٍ لَهَا. وَهُنَا تَكْتَسِبُ مُبَادَرَاتُ دُوَلِ الْخَلِيجِ دَلَالَةً اسْتِرَاتِيجِيَّةً عَمِيقَة؛ فَمَا تَشْهَدُهُ السُّعُودِيَّةُ ضِمْنَ رُؤْيَتِهَا الطَّمُوحَةِ لِعَامِ أَلْفَيْنِ وَثَلَاثِين، مِنِ اسْتِثْمَارَاتٍ ضَخْمَةٍ فِي الْبِنْيَةِ التَّحْتِيَّةِ لِلْحَوْسَبَةِ وَفِي بِنَاءِ نَمَاذِجَ لُغَوِيَّةٍ عَرَبِيَّةٍ أَصِيلَةٍ وَمَرَاكِزَ بَيَانَاتٍ كُبْرَى، لَيْسَ تَرَفاً تَنْمَوِيّاً بَلْ فِعْلَ سِيَادَةٍ بِالْمَعْنَى الدَّقِيق. فَالدَّوْلَةُ الَّتِي لَا تَمْلِكُ نَمُوذَجَهَا الْخَاصَّ تَظَلُّ تَرَى نَفْسَهَا فِي مِرْآةٍ صَنَعَهَا غَيْرُهَا، تُمْلِي عَلَيْهَا مَا تَعْرِفُ وَمَا تَجْهَل، وَمَا يَلِيقُ بِهَا أَنْ تَقُولَ وَمَا يَحْسُنُ بِهَا أَنْ تَصْمُتَ عَنْه. وَلِأَنَّ النَّمَاذِجَ الْغَالِبَةَ الْيَوْمَ نَشَأَتْ فِي بِيئَاتٍ ثَقَافِيَّةٍ بَعِيدَةٍ عَنْ وِجْدَانِ الْمِنْطَقَةِ، فَإِنَّهَا حِينَ تُسْأَلُ عَنْ تَارِيخِنَا أَوْ دِينِنَا أَوْ قِيَمِنَا كَثِيراً مَا تُجِيبُ بِانْحِيَازَاتٍ خَفِيَّةٍ يَصْعُبُ عَلَى الْمُسْتَخْدِمِ الْعَادِيِّ أَنْ يَتَفَطَّنَ لَهَا، وَهُوَ مَا يَجْعَلُ بِنَاءَ ذَكَاءٍ اصْطِنَاعِيٍّ نَاطِقٍ بِلِسَانِ الْأُمَّةِ وَمُتَشَبِّعٍ بِمَوْرُوثِهَا مَعْرَكَةَ وَعْيٍ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ مَشْرُوعَ تِقْنِيَة. وَيَرَى الْكَاتِبُ أَنَّ امْتِلَاكَ نَمُوذَجٍ يَفْهَمُ الْعَرَبِيَّةَ بِكُلِّ لَهَجَاتِهَا وَسِيَاقَاتِهَا الثَّقَافِيَّةِ وَالدِّينِيَّةِ لَيْسَ مَسْأَلَةً تِقْنِيَّةً فَحَسْبُ، بَلْ شَرْطٌ لِبَقَاءِ الْهُوِيَّةِ حَيَّةً فِي فَضَاءٍ رَقْمِيٍّ يُعَادُ تَشْكِيلُهُ كُلَّ يَوْم.
غَيْرَ أَنَّ الطُّمُوحَ وَحْدَهُ لَا يَصْنَعُ سِيَادَة، وَالرَّكَائِزُ الْعَمَلِيَّةُ هُنَا أَرْبَعٌ لَا غِنَى عَنْ أَيٍّ مِنْهَا. أُولَاهَا الْكَوَادِرُ الْبَشَرِيَّةُ؛ فَلَا قِيمَةَ لِمَرَاكِزِ الْبَيَانَاتِ مِنْ غَيْرِ عُقُولٍ تُدِيرُهَا وَتُطَوِّرُهَا، وَهُوَ مَا يَسْتَدْعِي ثَوْرَةً فِي مَنْظُومَةِ التَّعْلِيمِ تَجْعَلُ مِنَ الرِّيَاضِيَّاتِ وَعُلُومِ الْحَاسِبِ وَالتَّفْكِيرِ النَّقْدِيِّ رَكِيزَةً لَا قِشْرَة. وَثَانِيَتُهَا الْبِنْيَةُ التَّحْتِيَّةُ السِّيَادِيَّةُ مِنْ رَقَائِقَ وَطَاقَةٍ وَحَوْسَبَةٍ سَحَابِيَّةٍ لَا تُرْهَنُ قَرَارَاتُهَا لِخَارِج. وَثَالِثَتُهَا الْبَيَانَاتُ الْمَحَلِّيَّةُ النَّظِيفَةُ الْمُصَانَةُ الَّتِي تُغَذِّي النَّمَاذِجَ بِثَقَافَةِ الْمِنْطَقَةِ وَلُغَتِهَا لَا بِانْعِكَاسٍ مُشَوَّهٍ لَهَا قَادِمٍ مِنَ الْخَارِج. وَرَابِعَتُهَا إِطَارٌ أَخْلَاقِيٌّ وَتَنْظِيمِيٌّ نَابِعٌ مِنْ قِيَمِ الْمُجْتَمَعِ لَا مُسْتَوْرَدٌ بِحَذَافِيرِهِ، يُوَازِنُ بَيْنَ تَحْفِيزِ الِابْتِكَارِ وَصَوْنِ الْإِنْسَان. وَقَدْ شَدَّدَتْ تَقَارِيرُ الْمُنْتَدَى الِاقْتِصَادِيِّ الْعَالَمِيِّ وَمُنَظَّمَةِ التَّعَاوُنِ الِاقْتِصَادِيِّ وَالتَّنْمِيَةِ مِرَاراً عَلَى أَنَّ الْفَجْوَةَ بَيْنَ الْأُمَمِ فِي هَذَا الْمَيْدَانِ لَنْ تُقَاسَ بِعَدَدِ النَّمَاذِجِ الْمَنْشُورَة، بَلْ بِقُدْرَةِ كُلِّ أُمَّةٍ عَلَى تَوْطِينِ التِّقْنِيَةِ وَتَطْوِيعِهَا لِخِدْمَةِ سِيَاقِهَا الْخَاصّ. وَلَيْسَ خَافِياً أَنَّ كُبْرَى جَامِعَاتِ الْعَالَمِ، مِنْ هَارْفَارْد إِلَى سْتَانْفُورْد، صَارَتْ تُعَامِلُ الْكَفَاءَةَ فِي هَذَا الْمَيْدَانِ بِوَصْفِهَا مَهَارَةَ الْقَرْنِ الَّتِي لَا يَسْتَغْنِي عَنْهَا خِرِّيجٌ مَهْمَا كَانَ تَخَصُّصُه.
إِنَّ مَنْ يَقْرَأُ خَرِيطَةَ الْعَالَمِ بِعَيْنِ هَذَا الْقَرْنِ سَيُدْرِكُ أَنَّ السُّؤَالَ لَمْ يَعُدْ مَنْ يَمْلِكُ الذَّكَاءَ الِاصْطِنَاعِيَّ، بَلْ مَنْ يَمْلِكُ الْجُرْأَةَ عَلَى أَنْ يَكُونَ شَرِيكاً فِي صِنَاعَتِهِ لَا مُجَرَّدَ مُسْتَهْلِكٍ لِمُخْرَجَاتِهِ. فَالْأُمَمُ الَّتِي سَتَزْدَهِرُ لَيْسَتْ بِالضَّرُورَةِ تِلْكَ الَّتِي اخْتَرَعَتِ الْخُوَارِزْمِيَّةَ الْأُولَى، بَلْ تِلْكَ الَّتِي عَرَفَتْ كَيْفَ تُوَظِّفُهَا فِي تَعْلِيمِهَا وَطِبِّهَا وَاقْتِصَادِهَا وَحِفْظِ هُوِيَّتِهَا، وَكَيْفَ تُحَوِّلُ التَّبَعِيَّةَ إِلَى شَرَاكَةٍ وَالشَّرَاكَةَ إِلَى رِيَادَة. وَلَعَلَّ الْمُفَارَقَةَ الْأَخِيرَةَ، وَأَكْثَرَهَا مَدْعَاةً لِلتَّأَمُّل، أَنَّ هَذِهِ الْحَرْبَ الْكُبْرَى بَيْنَ الْأُمَمِ قَدْ لَا يَحْسِمُهَا فِي النِّهَايَةِ مَنْ يَمْلِكُ أَقْوَى الْآلَات، بَلْ مَنْ يَحْتَفِظُ فِي زَحْمَةِ السِّبَاقِ بِأَثْمَنِ مَا يَمْلِكُهُ الْإِنْسَانُ: قُدْرَتُهُ عَلَى أَنْ يَسْأَلَ لِمَاذَا، وَأَنْ يَشُكَّ، وَأَنْ يَحْلُمَ بِمُسْتَقْبَلٍ لَمْ تَكْتُبْهُ آلَةٌ بَعْد. فَمَنْ يَمْلِكُ هَذَا السُّؤَالَ، لَا تِلْكَ الْآلَة، وَيَرَى الْكَاتِبُ أَنَّ الْمَنْطِقَ الَّذِي حَكَمَ سِبَاقَاتِ الْقُوَّةِ السَّابِقَةَ، مِنْ سِبَاقِ التَّسَلُّحِ إِلَى سِبَاقِ الْفَضَاء، لَنْ يَصْلُحَ وَحْدَهُ لِفَهْمِ هَذِهِ اللَّحْظَة؛ فَالْمَوْرِدُ الْحَاسِمُ هُنَا لَيْسَ مَعْدِناً يُسْتَخْرَجُ وَلَا أَرْضاً تُحْتَلُّ، بَلْ مَلَكَةٌ تُغْرَسُ فِي الْعُقُولِ وَتُصَانُ بِالتَّعْلِيمِ وَالْحُرِّيَّةِ وَالثِّقَةِ بِالنَّفْس. وَلِذَلِكَ فَإِنَّ أَكْثَرَ الْأُمَمِ حَظّاً فِي هَذَا الْقَرْنِ لَنْ تَكُونَ بِالضَّرُورَةِ أَغْنَاهَا وَلَا أَكْبَرَهَا، بَلْ أَجْرَأَهَا عَلَى الِاسْتِثْمَارِ فِي إِنْسَانِهَا قَبْلَ آلَتِهَا. هُوَ مَنْ سَيَمْلِكُ الْمُسْتَقْبَلَ حَقّاً.