حين يكتب ملايين البشر جملةً لنموذجٍ لغويٍّ كلَّ ثانية، مَن يجني ثمرة هذا الكدّ الجماعي: هُم، أم حفنةٌ من الشركات التي تملك الرقائق التي يدور عليها كلُّ شيء؟ السؤال ليس بلاغياً، فالثروة التي تولّدها هذه الثورة حقيقيةٌ وضخمة، لكنها لا تتوزّع كما يوحي خطاب «الديمقراطية الرقمية» الذي يصاحبها؛ بل تتدفّق صعوداً نحو قمّةٍ ضيّقة، بينما يُقال للقاعدة العريضة إنها شريكةٌ في وليمةٍ لا تجلس فعلاً إلى مائدتها.
لنبدأ من حيث ينبغي أن نبدأ: من البنية لا من البريق. الاقتصاد الرقمي للذكاء الاصطناعي ليس سحابةً تطفو في الفراغ، بل سلسلة قيمةٍ ماديّةٌ صارمة تبدأ من رملٍ يُصهر سيليكوناً، وتنتهي عند تطبيقٍ على هاتفك. وفي كلّ حلقةٍ من هذه السلسلة تتراكم القيمة بصورةٍ غير متكافئة على الإطلاق. ففي القاع تقبع الرقائق المتخصّصة التي تدرّب النماذج وتشغّلها، وهي سوقٌ يكاد يحتكرها لاعبٌ واحد يستحوذ على الحصّة العظمى من معالجات الذكاء الاصطناعي، حتى صارت قيمته السوقية تُقارَع بميزانيات الدول. وفوق الرقائق تجلس الحوسبة السحابية في أيدي ثلاث شركاتٍ كبرى تملك مراكز البيانات التي تُؤجَّر فيها القدرة الحسابية بالساعة، ثم تأتي النماذج الأساسية التي لا يقدر على تدريبها إلا من يملك مليارات الدولارات، فالمنصّات والتطبيقات التي يراها المستخدم. والقاعدة التي يكشفها هذا التشريح بسيطةٌ وقاسية: كلّما اقتربتَ من القاع المادّي ندرَ اللاعبون وتضخّمت الأرباح، وكلّما صعدتَ نحو السطح كثُر المتنافسون وتآكلت الهوامش. القيمة، باختصار، تُحتجَز في الأسفل لا في الأعلى.
يرى الكاتب أنّ أخطر مغالطةٍ في الخطاب السائد هي تصوير الذكاء الاصطناعي بوصفه «تقنيةً تحرّر»، بينما هو في بنيته الاقتصادية تقنيةُ تركيزٍ من طرازٍ نادر. فالاقتصادات الرقمية تخضع لمنطق العوائد المتزايدة وتأثيرات الشبكة، حيث يجتذب الكبيرُ بياناتٍ أكثر، فيتحسّن نموذجه، فيجتذب مستخدمين أكثر، فبياناتٍ أكثر، في حلقةٍ مفرغةٍ تنتهي بـ«الفائز يأخذ كلّ شيء». ولهذا لم يكن مصادفةً أن تُظهر دراساتٌ متتالية، من بينها أعمالٌ لمعهد ماساتشوستس للتقنية وكلية هارفارد للأعمال، أنّ مكاسب الإنتاجية الهائلة التي تَعِد بها هذه الأدوات لا تُترجَم تلقائياً إلى أجورٍ أعلى للعاملين، بل قد تتحوّل إلى فائضٍ يلتقطه مالكو رأس المال التقني. الإنتاجية تصعد، لكنّ عائدها لا يهبط بالضرورة على مَن أنتجها.
وهنا يبرز السؤال الذي يتهرّب منه كثيرون: مَن يملك البيانات التي تتغذّى عليها هذه النماذج؟ في الظاهر، البيانات «مشاع»؛ أما في الحقيقة فهي تُستخرَج مجّاناً من سلوكنا اليومي — من بحثنا ونصوصنا وصورنا ونقراتنا — ثم تُحوَّل إلى أصلٍ احتكاريٍّ تملكه المنصّات وحدها. لقد أشار باحثون في جامعة أوكسفورد وغيرها إلى أنّ ما يُسمّى «رأسمالية المراقبة» يقوم على تحويل الخبرة الإنسانية إلى مادةٍ خامٍ مجّانية يُعاد بيعها لنا منتَجاً باهظاً. المستخدم، في هذه المعادلة، ليس عميلاً يدفع فحسب، بل موْرِدٌ يُحلَب دون أن يُحتسَب نصيبه. يرى الكاتب أنّ جوهر الظلم البنيوي في هذا الاقتصاد هو هذه المفارقة بالذات: أنّ مَن يصنع القيمة الأولى — جمهور المستخدمين — هو آخر مَن يقتسم عائدها.
أما العمالة، فقصّتها أكثر تعقيداً من ثنائية «الآلة تُلغي الوظائف» السطحية. تقرير مستقبل الوظائف الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي يرسم صورةً مزدوجة: ملايين الوظائف تُستحدَث وملايين تُزال في آنٍ واحد، لكنّ الفجوة الحقيقية ليست في العدد بل في التوزيع. فالوظائف المُستحدَثة تتطلّب مهاراتٍ عالية ومتمركزةً جغرافياً في بضع مدنٍ تقنية، بينما الوظائف المُهدَّدة روتينيةٌ وموزّعةٌ على ملايين الأسر. وقد نبّهت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية مراراً إلى أنّ أثر الأتمتة لا يُقاس بمعدّل البطالة الإجمالي، بل بإعادة تشكيل سوق العمل في صورة «ساعةٍ رمليّة»: وظائف رفيعة الأجر في الأعلى، وأخرى هشّةٌ منخفضة الأجر في الأسفل، وتآكلٌ مستمرٌّ للطبقة الوسطى التي كانت عمودها الفقري. الذكاء الاصطناعي لا يُفقِر الناس دفعةً واحدة، بل يُعيد توزيع القوّة التفاوضية بهدوءٍ لصالح مَن يملك الأداة على حساب مَن يشغّلها.
وثمّة بُعدٌ جغرافيٌّ يكاد يكون أخطر من البُعد الطبقي: تركّز القيمة لا يقع بين الأفراد فحسب، بل بين الأمم. فمعظم النماذج الكبرى تُدرَّب في الولايات المتحدة والصين، وتُموَّل برأسمالٍ منهما، وتُغذّى ببياناتٍ تعكس لغتيهما وثقافتيهما. أما بقية العالم — والعالم العربيّ في القلب منه — فيُدعى إلى المأدبة بوصفه مستهلكاً يدفع الاشتراكات ويُورِّد البيانات، لا منتِجاً يملك البنية. وهذا هو جوهر ما ينبغي للعالم العربي أن يتنبّه له: أنّ السوق الاستهلاكي الضخم نعمةٌ ونقمةٌ معاً؛ نعمةٌ لأنه ورقة تفاوضٍ ثمينة، ونقمةٌ إن اكتفينا بدور المشتري. يرى الكاتب أنّ الخطر الأكبر ليس أن نتخلّف عن استخدام هذه التقنية، بل أن نُتقن استخدامها دون أن نملك ذرّةً من بنيتها، فنُصبح أكثر اعتماداً كلّما ازددنا براعة.
وإذا أردنا أن نُسمّي الأشياء بأسمائها، فإنّ أعقد ما في هذا الاقتصاد أنّ احتجاز القيمة لا يحدث بالقوة المباشرة، بل عبر ما يسمّيه الاقتصاديون «الخنادق» التي يحفرها الكبار حول حصونهم. فالخندق الأول هو رأس المال؛ إذ صار تدريب نموذجٍ من الطراز الأعلى يكلّف مئات الملايين من الدولارات في الحوسبة وحدها، وهو سقفٌ يُقصي منذ البداية كلّ جامعةٍ أو شركةٍ ناشئةٍ أو دولةٍ متوسّطة. والخندق الثاني هو الموهبة النادرة؛ فالباحثون القادرون على دفع حدود المعرفة قليلون، وتتنافس عليهم القلّة الغنية برواتب فلكية تُفرغ مختبرات الجامعات والدول الناشئة من خيرة عقولها. والخندق الثالث هو التكامل العمودي؛ إذ تسعى كبرى الشركات إلى أن تملك السلسلة كلّها، من تصميم الرقاقة إلى مركز البيانات إلى النموذج إلى التطبيق، فتُغلق على المنافس كلّ مدخلٍ ممكن. والنتيجة أنّ السوق الذي يبدو في ظاهره مفتوحاً للجميع هو في باطنه بنيةٌ مُحصَّنةٌ بثلاثة أسوارٍ يصعب اختراقها بالمنافسة وحدها، ويستحيل بلا إرادةٍ جامعةٍ ورأسمالٍ صبور.
ثمّ إنّ ثمّة وجهاً خفيّاً لتوزيع الثروة كثيراً ما يُغفَل: العمالة البشرية المُستترة التي تقف خلف «ذكاء» الآلة. فخلف كلّ نموذجٍ يبدو سحرياً جيشٌ من العاملين الذين يَسِمون البيانات ويُصحّحون مخرجات النماذج ويُنقّونها من السموم، وكثيرٌ منهم في دولٍ ناميةٍ يتقاضون أجوراً زهيدةً مقابل عملٍ نفسيٍّ مُرهق. وقد وثّقت تحقيقاتٌ صحفيةٌ وأكاديميةٌ جادّة هذه «المناجم الرقمية» الجديدة التي يُستخرَج منها الذكاء كما يُستخرَج المعدن، فيُصدَّر صافياً لامعاً إلى الشمال، بينما يبقى عناؤه في الجنوب. يرى الكاتب أنّ أيّ خريطةٍ صادقةٍ لتوزيع الثروة الرقمية لا بدّ أن تُدرِج هذه الطبقة المنسيّة في حسابها، لأنّ تجاهلها يُعيد إنتاج المنطق الاستعماري ذاته بلغةٍ تقنيةٍ أنيقة: قيمةٌ تُنتَج في الأطراف وتُحتجَز في المركز.
ولأنّ التشخيص دون علاجٍ ترفٌ فكري، فلندوّن الركائز التي تنقل أمّةً من موقع المستهلك إلى موقع الشريك. الركيزة الأولى هي السيادة على البنية التحتية الحسابية: امتلاك مراكز بياناتٍ ورقائقَ وقدرةٍ سحابيةٍ محلية، لأنّ مَن لا يملك حوسبته يستأجر مستقبله. وهنا تتقدّم رؤية السعودية 2030 بمنطقٍ سليم حين تجعل من البنية الرقمية وصناعة الحوسبة هدفاً سيادياً لا خدمةً مستوردة. الركيزة الثانية هي البيانات بوصفها ثروةً وطنية تُصان وتُنظَّم؛ فالبيانات العربية، بثرائها اللغوي والثقافي، أصلٌ نادرٌ إن أُحسِن جمعه وحَوكمته صار وقوداً لنماذج تنطق بنا لا عنّا. الركيزة الثالثة هي رأس المال البشري المتخصّص، لا في الاستخدام بل في البناء؛ مهندسو نماذجَ وباحثو خوارزميّاتٍ لا مجرّد مستخدمين بارعين. والركيزة الرابعة هي رأس المال المُخاطِر الذي يموّل التطبيقات والطبقات العليا التي تلتقط القيمة الأقرب إلى السوق، حيث يستطيع اللاعب العربيّ أن يبني ميزةً حقيقية في اللغة والسياق والخصوصية الثقافية. والركيزة الخامسة، وقد تكون الأعمق، هي الأطر التنظيمية والأخلاقية التي تُعيد التفاوض على عقد البيانات بين المستخدم والمنصّة، فلا تُترَك القيمة تتسرّب كلّها صعوداً.
يرى الكاتب أنّ المعركة الحقيقية على ثروة الذكاء الاصطناعي لن تُحسَم في طبقة التطبيقات اللامعة التي يتنافس فيها الجميع، بل في الطبقات السفلى الصامتة: الرقائق، والحوسبة، والبيانات، والمعايير. فمن يضبط هذه الطبقات يضبط توزيع القيمة كلّها، تماماً كما أنّ مَن ملك خطوط السكك والكهرباء في الثورة الصناعية ضبط اقتصاد القرن العشرين بأسره. وما يُروَّج له بوصفه «انفتاحاً» في نماذج الذكاء الاصطناعي المفتوحة لا يُلغي هذه الحقيقة، لأنّ تشغيل النموذج المفتوح ذاته يتطلّب حوسبةً باهظة لا يملكها إلا القلّة؛ فالانفتاح في الكود قد يتعايش مع احتكارٍ صارمٍ في البنية.
ولعلّ أصدق ما يُختم به هذا التحليل أنّ توزيع الثروة الرقمية ليس قدَراً تكنولوجياً محتوماً، بل خيارٌ سياسيٌّ واقتصاديٌّ نصنعه بقراراتنا أو نتركه يُصنَع ضدّنا. لقد أثبت التاريخ، كما رصده اقتصاديون في ستانفورد وأوكسفورد، أنّ الثورات التقنية الكبرى تُركّز الثروة في عقودها الأولى ثم لا تُوزّعها إلا حين تتدخّل المؤسسات والقوانين والإرادة الجماعية لإعادة التوزيع. فالكهرباء والمحرّك البخاري أثْريا قلّةً في البداية، ثم عمّ نفعهما حين بُنيت حولهما عقودٌ اجتماعيةٌ جديدة من تعليمٍ عامٍّ وتنظيمٍ للعمل وضرائبَ على الأرباح أعادت تدوير الثروة في جسد المجتمع. والدرس المُستفاد أنّ التوزيع العادل لم يكن يوماً هديةً تجود بها التقنية من تلقاء نفسها، بل ثمرةَ صراعٍ ووعيٍ ومؤسساتٍ صمّمها البشر عمداً ليقتسموا ما صنعوه معاً. والذكاء الاصطناعي لن يشذّ عن هذه القاعدة؛ فهو مرآةٌ تعكس موازين القوى القائمة وتُضخّمها، فإن تركناه لمنطقه الداخليّ ركّز الثروة بلا رحمة، وإن وجّهناه بإرادةٍ واعيةٍ أمكن أن يصير رافعةً للعدالة لا معولاً عليها. والسؤال المعلّق أمام العالم العربيّ اليوم ليس: هل ستغيّرنا هذه الثورة؟ فهي تفعل بالفعل؛ بل: هل سنكتفي بأن نكون السوق الذي يُدِرّ الأرباح على غيرنا، أم سنبني ما يجعلنا شركاء في القيمة التي نُسهم في خلقها كلّ يومٍ بأنفاسنا الرقمية؟ إنّ خريطة توزيع الثروة لم تُرسَم بعد بصورةٍ نهائية، وفي يد مَن يقرأها مبكراً قلمٌ يستطيع أن يُعيد رسم حدودها قبل أن تجفّ.