ما الذي يمنعك اليوم من أن تتحوّل وحدك إلى شركةٍ كاملة؟ تخيّل أنّ في رأسك فكرة منتجٍ رقميّ، ثم تخيّل أنّ بينك وبين إخراجها إلى الوجود فريقاً كاملاً من المصممين والمبرمجين والمسوّقين ومحلّلي البيانات، لا يطلب راتباً ولا إجازةً ولا يعرف النوم؛ يعمل وأنت نائم، ويصحّح خطأه قبل أن تستيقظ، وينجز في ساعةٍ ما كان يستغرق أسابيع.
هذه ليست أمنيةً بعيدة، بل هي المعادلة التي يعيد الذكاء الاصطناعي صياغتها أمام أعيننا، حين انتقل من كونه أداةً تساعد العامل إلى كونه عاملاً قائماً بنفسه، يقبل التكليف وينفّذ المهمّة ويسلّم الناتج. والمفارقة أنّ كثيرين ما زالوا يسألون: هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي وظيفتي؟ بينما السؤال الأجدر بمن يملك زمام المبادرة هو: كيف أبني به فريقاً يصنع لي عشرات الوظائف ومئات المنتجات؟
لنفهم هذا التحوّل، يجدر بنا أن نتأمّل ما صار يُعرف بالوكلاء الأذكياء، تلك الأنظمة التي تتجاوز مجرّد الإجابة عن سؤال إلى تنفيذ سلسلةٍ من المهامّ المترابطة نحو هدفٍ محدّد. فالنموذج اللغويّ التقليديّ كان يكتب لك نصّاً إن طلبت، أمّا الوكيل فيخطّط ويقسّم العمل خطواتٍ، ويستدعي أدواتٍ خارجية، ويراجع نتائجه، ثم يعيد الكرّة حتى يبلغ غايته. وقد رصد تقرير مؤشر الذكاء الاصطناعي الصادر عن جامعة ستانفورد هذا الانتقال السريع من النماذج التي تولّد المحتوى إلى المنظومات التي تنجز المهامّ، معتبراً إيّاه أحد أبرز معالم المرحلة الراهنة. وفي السياق ذاته، نبّهت دراساتٌ من كلّية الأعمال في جامعة هارفارد إلى أنّ المؤسسات التي تعيد تصميم تدفّقات عملها حول هذه الوكلاء، لا التي تكتفي بإضافتها إلى هامش العمل القديم، هي وحدها التي تجني المكاسب الحقيقية في الإنتاجية. ويرى الكاتب أنّ هذا التمييز هو مفترق الطرق الذي يفصل من يلهو بالأداة عمّن يبني بها مؤسسةً رقمية.
ولكي ننتقل من الفكرة المجرّدة إلى المنتج الملموس، لا بدّ من تصوّرٍ واضح لما يعنيه أن يكون لك فريق إنتاج رقميّ لا يتعب. تخيّل المنتج الرقميّ رحلةً تبدأ من شرارةٍ في الذهن، ثم تمرّ بمرحلة البحث عن حاجةٍ حقيقية في السوق، فالتصميم، فالبرمجة، فالاختبار، فالإطلاق، فالتسويق، فالتحليل والتحسين المستمرّ. في النموذج القديم، كان كلّ حلقةٍ من هذه السلسلة تتطلّب اختصاصياً وميزانيةً ووقتاً. أمّا في النموذج الجديد، فإنّ الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يشغل أكثر هذه الحلقات بكفاءةٍ متفاوتة، تاركاً للإنسان دور القائد الذي يضع الرؤية ويتّخذ القرار الحاسم ويحرس الجودة والأخلاق. ويرى الكاتب أنّ أخطر وهمٍ يقع فيه المتحمّسون لهذه التقنية هو ظنّهم أنّ الآلة تلغي دور الإنسان؛ والحقيقة أنّها ترفعه من منزلة المنفّذ إلى منزلة المنسّق والمايسترو، فلا تُسقط الإنسان من المعادلة، بل تنقله إلى موقع القيادة فيها.
غير أنّ الرؤية المخالفة للسائد التي يقوم عليها هذا المقال تذهب أبعد من الحديث المتكرّر عن الكفاءة والسرعة. فالخطاب الشائع يصوّر الذكاء الاصطناعي بطلاً يضاعف الإنتاج، بينما يرى الكاتب أنّ القيمة الحقيقية ليست في كثرة ما تنتج، بل في انتقال نُدرة المهارة من السوق إلى داخل عقلك أنت. فلطالما كان العائق أمام صاحب الفكرة هو عجزه عن جمع فريقٍ كفء، أو تحمّل كلفته، أو انتظار جدوله. واليوم انهار هذا العائق، فصار الفارق الحاسم بين الناجح والفاشل ليس امتلاك المهارة التقنية، بل امتلاك الحكم السليم على ما يستحقّ أن يُبنى. وقد أشار تقرير مستقبل الوظائف الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أنّ المهارات الأعلى طلباً في العقد المقبل ستكون التفكير التحليليّ والإبداع والقيادة، لا المهارات التنفيذية التي تتولّاها الآلة تباعاً. ومن هنا، فإنّ من يبني محفظة منتجاتٍ رقمية اليوم لا يبيع عملاً، بل يبيع حكماً وذوقاً ورؤية، والآلة مجرّد يدٍ تنفّذ ما تمليه هذه الرؤية.
ولأنّ الحديث عن منتجٍ واحد يختلف جذرياً عن الحديث عن محفظةٍ من المنتجات، يحسن أن نتأمّل المنطق الذي يحكم بناء المحافظ الضخمة. فالميزة الكبرى للذكاء الاصطناعي ليست في إتقان منتجٍ بعينه، بل في قابلية التكرار شبه المجّانية؛ إذ ما إن تبني تدفّق عملٍ ناجحاً لمنتجٍ واحد، حتى يصير في وسعك أن تستنسخه عشرات المرّات بتكلفةٍ هامشية تقترب من الصفر. وهنا تتبدّل الاستراتيجية من السعي وراء منتجٍ واحد عظيم، إلى زرع حقلٍ من المنتجات الصغيرة المتنوّعة، يخدم كلٌّ منها شريحةً من حاجات الناس، فما نجح منها كبر، وما تعثّر طُوي بلا خسارةٍ تُذكر. ويرى الكاتب أنّ هذا المنطق الزراعيّ، لا الصناعيّ، هو جوهر الفرصة العربية الراهنة؛ إذ يستطيع شابٌّ واحد، بأدواتٍ مفتوحة، أن يطلق ما كان يستلزم بالأمس شركةً بأكملها، وأن يخدم بمنتجاته احتياجاتٍ محلّية لم تلتفت إليها الشركات العالمية، من تطبيقاتٍ تنظّم شؤون الأسرة، إلى منصّاتٍ تعليمية بلسانٍ عربيّ، إلى خدماتٍ تيسّر على المجتمع معاملاته اليومية.
ولعلّ خير ما يوضّح هذه النقلة أن نتأمّل كيف تتبدّل اقتصاديات الفكرة نفسها. ففي الماضي، كانت كلّ فكرة منتجٍ تحمل في طيّاتها مخاطرةً ثقيلة؛ إذ يضطرّ صاحبها إلى ضخّ المال والوقت قبل أن يعرف إن كان السوق يريد ما يصنع أم لا، فإن أخطأ التقدير خسر كلّ ما أنفق. أمّا حين يصير بناء النموذج الأوّليّ ممكناً في أيّامٍ معدودة بكلفةٍ زهيدة، فإنّ المخاطرة تتقلّص إلى حدودٍ لم تُعرف من قبل، ويصبح في وسع المرء أن يختبر عشر أفكارٍ في الزمن الذي كان يختبر فيه فكرةً واحدة. وقد لاحظت دراساتٌ في كلّية الأعمال بجامعة هارفارد أنّ خفض كلفة التجربة الفاشلة هو في ذاته محرّكٌ للابتكار، لأنّه يحرّر العقول من خوف الإخفاق ويشجّعها على المغامرة المحسوبة. ويرى الكاتب أنّ هذا التحوّل في موازين المخاطرة هو الثروة الحقيقية الخفية في هذه التقنية؛ فمن يملك أن يجرّب كثيراً دون أن يخسر كثيراً، يملك في النهاية أن يصيب أكثر.
على أنّ هذه الوفرة في الإنتاج تحمل في طيّاتها فخّاً ينبغي التنبّه له؛ فحين يصير صنع المنتج رخيصاً وسريعاً، يفيض السوق بالغثّ قبل السمين، ويغرق المستخدم في زحامٍ من الخدمات المتشابهة الباهتة. ومن هنا، فإنّ القيمة لن تنتقل إلى من ينتج أكثر، بل إلى من ينتج أعمق وأصدق صلةً بحاجةٍ إنسانية لم تُشبَع. ويرى الكاتب أنّ المعركة القادمة لن تُحسم بكثرة المنتجات، بل بأصالة الفكرة وعمق الفهم لمن تخدمهم؛ فالآلة تمنح الجميع القدرة على الصنع، لكنّها لا تمنح أحداً البصيرة في اختيار ما يستحقّ أن يُصنع، وتلك تبقى ميزة الإنسان الذي عرف مجتمعه وعاش همومه.
ولا يكتمل هذا التصوّر دون ركائز عملية يمكن لصاحب الطموح أن يبني عليها مساره. الركيزة الأولى هي أن تبدأ من الحاجة لا من الأداة؛ فلا تسأل ما الذي تستطيع التقنية صنعه، بل اسأل أيّ ألمٍ حقيقيّ يعانيه الناس من حولك، ثم سخّر التقنية لمداواته. والركيزة الثانية بناء تدفّق عملٍ قابلٍ للتكرار، بأن تحوّل كلّ مرحلةٍ من رحلة المنتج إلى خطوةٍ موصوفة بدقّة يستطيع الوكيل الذكيّ تنفيذها، حتى يصير لديك خطّ إنتاجٍ يعمل بضغطة زرّ. والركيزة الثالثة أن تجعل نفسك حارس الجودة الأخير؛ فالآلة قد تخطئ بثقة، كما حذّرت أبحاث جامعة ستانفورد من ظاهرة الهلوسة، ولذلك يبقى الحكم البشريّ على الناتج صمّام الأمان الذي لا يُستغنى عنه. والركيزة الرابعة أن تدير محفظتك بعقلية المستثمر لا الحرفيّ، فتوزّع جهدك على منتجاتٍ متعدّدة، وتقيس أداء كلٍّ منها بالأرقام، وتضاعف الاستثمار في الرابح وتتخلّى عن الخاسر بلا تردّد. والركيزة الخامسة، وهي أمتنها، أن تبني منظومتك على أساسٍ أخلاقيّ متين، يحترم خصوصية المستخدم وعدالة الخوارزمية، اتّساقاً مع ما دعت إليه منظّمة التعاون الاقتصادي والتنمية في مبادئها للذكاء الاصطناعي من شفافيةٍ ومساءلةٍ وإنصاف.
وثمّة بُعدٌ كثيراً ما يُغفل في خضمّ الحماس، وهو أنّ بناء محفظة منتجاتٍ ضخمة بالذكاء الاصطناعي ليس سباقاً تقنياً فحسب، بل هو في عمقه مشروعٌ تنظيميّ وإداريّ. فالتحدّي الحقيقيّ ليس في إنتاج المنتج الأوّل، بل في إدارة عشرات المنتجات معاً دون أن تنهار الجودة أو تتشتّت الرؤية. وهنا تبرز قيمة ما يسمّيه الباحثون التنسيق بين الوكلاء، إذ يصير الإنسان قائداً لأوركسترا من العمّال الرقميين، يوزّع المهامّ ويحلّ التعارضات ويضمن انسجام الناتج. وقد أشارت دراساتٌ من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا إلى أنّ أكبر مكاسب الإنتاجية تتحقّق حين يُحسن البشر توزيع المهامّ بينهم وبين الآلة، لا حين يسلّمونها كلّ شيء أو يحرمونها منه. ويرى الكاتب أنّ المهارة الإدارية في عصر الوكلاء ستفوق في قيمتها المهارة التقنية، فالعالم سيمتلئ بمن يجيد إصدار الأوامر للآلة، ولن يندر إلا من يجيد قيادتها نحو غايةٍ نبيلة منظّمة.
وحين ننقل هذه الرؤية إلى أرضنا، نجدها متّسقةً اتّساقاً عميقاً مع روح رؤية السعودية ألفين وثلاثين، التي تراهن على الاقتصاد الرقميّ وريادة الأعمال والإنسان بوصفه محور التنمية. فالمملكة، إذ تستثمر في البنية التحتية الرقمية وتمكّن الشباب من أدوات العصر، تهيّئ تربةً خصبةً لجيلٍ يبني محافظ منتجاتٍ رقمية تنبع من حاجات المجتمع المحلّيّ، وتخاطب الأسرة العربية بلغتها وقيمها، ثم تنطلق منها إلى العالم. ويرى الكاتب أنّ الفرصة التاريخية المتاحة للشباب العربيّ اليوم لا تكمن في اللحاق بركب من سبقونا في صناعة النماذج الكبرى، فتلك معركةٌ تتطلّب موارد هائلة، بل في إتقان توظيف هذه النماذج لخدمة احتياجاتٍ خاصّة بنا، يجهلها أو يهملها الآخرون.
وفي الأفق ما هو أبعد من ذلك كلّه. فإذا كان بمقدور فردٍ واحد اليوم أن يدير فريق إنتاجٍ رقميّ لا ينام، فإنّ المجتمعات التي تتقن هذا الفنّ ستعيد تعريف معنى العمل والثروة والإنتاج. ولن يكون السؤال المطروح على أبنائنا: ماذا تعمل؟ بل: كم منتجاً رقمياً تدير، وأيّ حاجةٍ إنسانية تخدم به؟ ويبقى الرهان الأخير، في تقدير الكاتب، ليس على من يملك أقوى الآلات، بل على من يملك أصدق الرؤى وأرحبها أفقاً؛ فالآلة قد تصنع كلّ شيء إلا المعنى، وقد تنفّذ كلّ أمرٍ إلا أن تختار الغاية. ومن هنا، فإنّ الإنسان الذي يجمع بين حكمة الرؤية وطلاقة الأداة، هو وحده من سيكتب الفصل القادم في قصّة المنتج الرقميّ، حين يتحوّل كلّ صاحب فكرةٍ صادقة إلى صانعٍ لعالمٍ صغير، ينبض بالنفع، ولا يعرف التعب، ولا يغفو له جفن.