شركة بوابات الخير للذكاء الاصطناعي

الطابق الأول، المبنى 7، المنطقة أ طريق المطار، البوابة الاقتصادية ص.ب 93597 الرياض 11683، المملكة العربية السعودية

0112611571

+966570709955

معجم الذكاء الاصطناعي

هل يمكن أن نخوض نقاشاً جاداً عن قوّةٍ تُعيد تشكيل أسواق العمل والحروب والمدارس، ونحن نجهل مفرداتها الأولى؟ المفارقة أنّ أكثر التقنيات حضوراً في أحاديثنا اليومية صارت أكثرها غموضاً في معجمنا؛ فالكلمة الواحدة قد تختصر بحثاً امتدّ عقوداً، ومن يجهل دلالتها الدقيقة يظنّ أنه يشارك في الحوار بينما هو في الحقيقة يتفرّج عليه من خلف زجاج. وحين يقول خبيرٌ إنّ النموذج «يهلوس» أو إنّ المعمارية «محوّل» أو إنّ النظام «وكيل»، فإنّ هذه ليست زخارف لغوية، بل مفاتيح تفتح أو تغلق أبواب الفهم. ولهذا فإنّ امتلاك المعجم لم يعد ترفاً معرفياً، بل صار شرطاً للمواطنة في عصرٍ تُكتب قراراته الكبرى بلغةٍ تقنية لا يتقنها إلا قليلون.

لنبدأ من الجذر الذي تتفرّع منه سائر المصطلحات. فالذكاء الاصطناعي في معناه الواسع هو سعي الآلة لمحاكاة قدرات الإدراك البشري، ويندرج تحته «تعلّم الآلة» بوصفه المنهج الذي تستخلص فيه الأنظمة أنماطها من البيانات بدل أن تُلقَّن قواعد صريحة، ثم يتعمّق منه «التعلّم العميق» الذي يكدّس طبقاتٍ من «الشبكات العصبية» المستوحاة بنيوياً من خلايا الدماغ. وعلى هذا الأساس تقوم ثلاثة أنماطٍ للتعلّم تكاد تكون أعمدة الحقل: «التعلّم المُوجَّه» الذي يتدرّب على أمثلةٍ موسومة بإجاباتها الصحيحة، و«التعلّم غير المُوجَّه» الذي يكتشف البنية الخفية في بياناتٍ بلا أوسمة، و«التعلّم المعزَّز» الذي يصقل سلوكه عبر المكافأة والعقاب كما يتعلّم الطفل المشي بالتجربة. ويرى الكاتب أنّ كثيراً من سوء الفهم الشائع ينبع من خلط هذه المستويات، فيُنسب إلى «الذكاء الاصطناعي» عموماً ما هو في جوهره إنجاز نمطٍ محدّدٍ من التعلّم لا أكثر. وقد لفت تقرير مؤشر ستانفورد للذكاء الاصطناعي مراراً إلى أنّ كثيراً من الذعر العام والتهويل الإعلامي ينشأ من هذا الالتباس بين النمط والكلّ، حين يُحمَّل إنجازٌ ضيّقٌ في تصنيف الصور أو الترجمة دلالاتٍ عن وعيٍ آليٍّ لا أساس لها.

ومن هنا ننتقل إلى المعمارية التي قلبت المشهد رأساً على عقب. فمصطلح «المحوّل» يشير إلى البنية التي قدّمتها ورقة «الانتباه هو كلّ ما تحتاجه» عام 2017، والتي تقوم على آلية «الانتباه» التي تَزِن أهمية كل كلمةٍ في سياقها بدل معالجة الجمل تسلسلياً. ومنها وُلد «النموذج اللغوي الكبير» الذي يتنبّأ بالكلمة التالية اعتماداً على ضخامة «المعاملات»، وهي الأوزان الرقمية التي تختزن ما تعلّمه النموذج وتُقاس اليوم بمئات المليارات. وقبل أن يُنتج أيّ نموذجٍ كلمة، تمرّ النصوص بعملية «الترميز» التي تفتّتها إلى «رموز» صغيرة هي وحدة المعالجة الأساسية، فيما يحتفظ النموذج بسقفٍ يُسمّى «نافذة السياق» يحدّد كمّ المعلومات التي يستطيع استحضارها دفعةً واحدة. وحين يُنشئ النص يفعل ذلك بأسلوبٍ «توليدي»، أي يبتكر مخرجاتٍ جديدة لا يستردّ محفوظات، وهو ما يميّز ما صار يُعرف بـ«الذكاء الاصطناعي التوليدي» الذي فجّر الموجة الراهنة. ويُضاف إلى هذه المنظومة مفهوم «التضمين»، وهو تحويل الكلمات والصور إلى متّجهاتٍ رقمية تختزل معانيها في فضاءٍ رياضي تتقارب فيه المتشابهات وتتباعد المتنافرات، وهو الأساس الصامت الذي يتيح للآلة أن تقيس التشابه الدلالي وتبحث في المعنى لا في الحرف.

غير أنّ بناء النموذج رحلةٌ من طورين متمايزين. فهناك «التدريب المسبق» الذي يلتهم فيه النموذج كمّاً هائلاً من النصوص ليكوّن فهماً عاماً للغة والعالم، ثم «الضبط الدقيق» الذي يُوجَّه فيه نحو مهمةٍ بعينها ببياناتٍ أضيق وأدقّ. وبين هذين الطورين برزت تقنية «التعلّم المعزَّز من التغذية الراجعة البشرية» التي يُهذَّب بها سلوك النموذج ليوافق التفضيلات الإنسانية، وصار «المُحاذاة» اسماً جامعاً لجهد جعل أهداف النظام منسجمةً مع قيم البشر ومصالحهم. ويرى الكاتب أنّ معركة المستقبل الكبرى لن تكون في حجم النماذج بل في دقّة محاذاتها؛ فالقدرة بلا انضباطٍ أخلاقي قوّةٌ عمياء، وقد نبّهت أبحاثٌ من جامعة ستانفورد ومن مختبرات هارفارد مراراً إلى أنّ الفجوة بين القدرة والأمان تتّسع أسرع مما تُردم.

شاطئ الجبيل وعند الاستخدام تتبدّل المصطلحات من لغة البناء إلى لغة التشغيل. فالمستخدم يخاطب النموذج عبر «التوجيه»، وهو صياغة الطلب الذي يحدّد جودة الإجابة، حتى نشأت حرفةٌ كاملة اسمها «هندسة التوجيه». وثمة أسلوبان متقابلان: «التوجيه الصفري» الذي يطلب المهمة دون أمثلة، و«التوجيه بأمثلة قليلة» الذي يمنح النموذج عيّناتٍ يقتدي بها. وحين يُطلب من النموذج أن يُفصح عن خطوات تفكيره خطوةً خطوة نسمّي ذلك «سلسلة الأفكار»، وهي تقنيةٌ رفعت دقّة الاستدلال في المسائل المعقّدة رفعاً ملموساً وفق ما وثّقته دراساتٌ في معهد ماساتشوستس للتقنية. أمّا حين يخترع النموذج معلوماتٍ تبدو واثقةً لكنها زائفة، فتلك «الهلوسة»، وهي أخطر عيوبه على الإطلاق؛ إذ يقدّم الباطل بثقة الصادق. ولمعالجتها وُلد «التوليد المعزَّز بالاسترجاع» الذي يربط النموذج بمصادر معرفةٍ خارجية موثوقة فيستند إليها بدل أن يرتجل من ذاكرته.

شاطئ الجبيل ثم تأتي الموجة التي يجمع كثيرون على أنها وجه السنوات المقبلة: «الوكلاء». فالوكيل الذكي ليس مجرّد مجيبٍ على الأسئلة، بل نظامٌ يخطّط ويتّخذ القرارات وينفّذ سلسلة مهام نحو هدفٍ بأدنى تدخّلٍ بشري، مستعيناً بـ«استدعاء الأدوات» التي تتيح له تشغيل برمجياتٍ أخرى أو البحث في الشبكة. وحين تتعدّد هذه الوكلاء وتتعاون تنشأ «الأنظمة متعدّدة الوكلاء» التي يتوزّع فيها العمل كما يتوزّع في فريقٍ بشري. ويرى الكاتب أنّ انتقالنا من «النموذج الذي يجيب» إلى «الوكيل الذي يتصرّف» تحوّلٌ نوعيّ لا كمّي، إذ يضع بين يدي الآلة قدرةً على الفعل في العالم لا مجرّد الكلام عنه، وهنا تتضاعف الفرص والمخاطر معاً. ويتقاطع هذا مع «النماذج متعدّدة الوسائط» التي تدمج النصّ والصورة والصوت في فهمٍ واحد، ومع «النماذج الأساسية» العملاقة التي تُبنى عليها تطبيقاتٌ لا تُحصى، وكلاهما يقرّب الآلة من إدراكٍ أقرب إلى الإنساني في تعدّده.

وفي مضمار الجودة والقياس مصطلحاتٌ لا يستقيم النقاش بدونها. فـ«المعايير المرجعية» هي الاختبارات التي تُقارَن بها النماذج، و«درجة الحرارة» معاملٌ يضبط مقدار العشوائية في المخرجات بين الرصانة والإبداع، و«زمن الاستجابة» يقيس سرعة الردّ، و«الاستدلال» يعني تشغيل النموذج بعد تدريبه لإنتاج إجابة. ومن أعمق هذه المفاهيم «قوانين القياس» التي تصف كيف تتحسّن قدرات النموذج باطّراد حين يزداد حجمه وبياناته وحوسبته، وهي القوانين التي بنت عليها كبرى المختبرات رهانها على الضخامة. غير أنّ ثمة ظاهرةً مقابلة تُسمّى «القدرات الناشئة»، وهي مهاراتٌ تظهر فجأةً عند حجمٍ معيّن دون أن تكون مبرمجةً أو متوقّعة، وفي هذا ما يربك أيّ محاولةٍ للتنبّؤ بسلوك الأنظمة. ويُضاف إلى ذلك «التقطير» الذي يُنقَل فيه ذكاء نموذجٍ ضخمٍ إلى نموذجٍ أصغر أكفأ تشغيلاً، و«التكميم» الذي يضغط الأوزان لتعمل على أجهزةٍ محدودة، وكلاهما من أدوات إتاحة الذكاء للجميع لا حصره في المختبرات الكبرى. ويلتقي بهذين المفهومين مصطلح «الحوسبة الطرفية» الذي يُشغّل النموذج على الجهاز نفسه لا على خوادم بعيدة، فيصون الخصوصية ويقلّل زمن الاستجابة، ومصطلح «وحدة معالجة الرسوميات» التي صارت عملة السباق الحقيقية، حتى إنّ تقارير المنتدى الاقتصادي العالمي تعدّ الوصول إليها معياراً للسيادة التقنية بين الدول.

وثمّة حقلٌ من المصطلحات لا يقلّ خطورةً، هو حقل المخاطر والحوكمة. فـ«التحيّز» يعني انحياز النموذج لأنماطٍ ظالمة ورثها من بياناته، و«الانجراف» تراجع دقّته مع تغيّر الواقع عمّا تدرّب عليه، و«الصندوق الأسود» وصفٌ لاستعصاء تفسير قراراته، ومنه نشأ حقل «الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير» الذي يسعى لكشف ما يدور في داخله. وهناك «الهجوم الخصومي» الذي يخدع النموذج بمدخلاتٍ مصمّمة، و«حقن التوجيه» الذي يتسلّل عبر التعليمات ليخطف سلوكه، و«التزييف العميق» الذي يصطنع صوراً وأصواتاً زائفة تهدّد الثقة العامة. ويرى الكاتب أنّ أخطر ما في هذه القائمة ليس عيباً تقنياً منفرداً، بل تضافرها في منظومةٍ يصعب ضبطها، ولهذا تحرّكت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والمنتدى الاقتصادي العالمي نحو أطر حوكمةٍ تسبق الكارثة بدل أن تلحق بها، وهو نهجٌ تبنّته الأطر التنظيمية الأحدث التي تصنّف الأنظمة بحسب درجة خطورتها.

وفي الأفق مصطلحاتٌ تشي بما هو آتٍ. فـ«الذكاء الاصطناعي العام» يشير إلى نظامٍ افتراضيٍّ يضاهي الإنسان في أيّ مهمةٍ ذهنية، و«الذكاء الفائق» إلى ما يتجاوزه بمراحل، وكلاهما ما زال محلّ جدلٍ بين من يراه وشيكاً ومن يراه سراباً. وثمة «النماذج المفتوحة المصدر» التي تُتاح أوزانها للجميع في مقابل «المغلقة» المحجوبة خلف واجهاتٍ تجارية، وهي قسمةٌ تختصر صراعاً أعمق حول من يملك مفاتيح هذه القوّة. وهنا يتقاطع الحديث مع السياق العربي تقاطعاً مصيرياً؛ فاللغة العربية ما زالت ضعيفة التمثيل في بيانات التدريب، ومن لا يصنع نماذجه ومعاييره المرجعية بلغته يظلّ مستهلكاً لذكاءٍ يفكّر بعقل غيره. ومن هنا جعلت رؤية السعودية 2030 من الذكاء الاصطناعي ركيزةً للتحوّل الرقمي، إدراكاً بأنّ السيادة المعرفية اليوم تُقاس بالقدرة على بناء النموذج لا باستئجاره.

ولكي ينتفع القارئ بهذا المعجم عملياً، يقترح الكاتب ثلاث ركائز. أولاها أن يفرّق دائماً بين القدرة والادّعاء، فيسأل عن «المعيار المرجعي» الذي تُقاس به أيّ دعوى تفوّق بدل التسليم بها. وثانيتها أن يقرأ كلّ مخرجٍ بعين الناقد المدرك لاحتمال «الهلوسة» و«التحيّز»، فلا يمنح الآلة ثقةً لا تستحقّها. وثالثتها أن يتابع تطوّر المصطلح ذاته؛ فالمعجم التقني كائنٌ حيّ يولد ويموت، وما كان مفتاحياً بالأمس قد يصير هامشياً غداً، والعكس أصدق. والمتأمّل يدرك أنّ هذه الكلمات الخمسين ليست جزراً منعزلة، بل شبكةٌ متشابكة يفسّر بعضها بعضاً، فلا يُفهم «الوكيل» دون «استدعاء الأدوات»، ولا تُدرك «الهلوسة» دون «التوليد المعزَّز بالاسترجاع»، ولا يستقيم «التدريب» دون «المحاذاة».

ولعلّ أصدق ما يُقال في الختام إنّ من يملك المعجم يملك القدرة على السؤال، ومن يحسن السؤال يأبى أن يكون متفرّجاً. فهذه المصطلحات ليست غايةً في ذاتها، بل أدواتٌ تردّ إلى القارئ سلطته على فهم عصره ومساءلته، فلا يُساق إلى المستقبل سَوقاً، بل يدخله واعياً بما يدخل فيه. وإذا كان جيلٌ مضى قد عُرّف بقدرته على القراءة والكتابة، فإنّ جيلنا سيُعرّف بقدرته على محاورة الآلة ومساءلتها، وهي محاورةٌ لا تستقيم بلسانٍ أعجم. وحين تستقرّ هذه المفردات في وعينا تتحوّل من مصطلحاتٍ جامدة إلى عدساتٍ نرى بها، فنميّز الوعد من الوهم، والقدرة من الادّعاء، والأداة من السيّد. فالسؤال الذي يجدر بنا أن نختم به ليس متى نتقن لغة الآلة، بل متى نصوغها بحيث تنطق بنا نحن لا بغيرنا؟