شركة بوابات الخير للذكاء الاصطناعي

الطابق الأول، المبنى 7، المنطقة أ طريق المطار، البوابة الاقتصادية ص.ب 93597 الرياض 11683، المملكة العربية السعودية

0112611571

+966570709955

مستقبل واجهات التفاعل

ماذا لو كانت لوحة المفاتيح التي تنقر عليها أصابعك الآن، والشاشة التي تحدّق فيها عيناك، ليست سوى عكّازين مؤقّتين اخترعتهما البشرية لتجسر بهما هوّةً بين عقلٍ يفكّر بسرعة البرق وآلةٍ لا تفهم إلا ما يُكتب أو يُلمس، وأنّ هذين العكّازين على وشك أن يُلقيا جانباً حين يتعلّم الدماغ أن يخاطب الحاسوب مباشرةً دون وسيط؟

منذ أن أبصرت الحواسيب النور ونحن نتعامل معها عبر طبقةٍ سميكة من الترجمة؛ فالفكرة تولد في الدماغ ثمّ تُترجَم إلى حركةٍ في الأصابع، ثمّ إلى رموزٍ على لوحة المفاتيح، ثمّ إلى إشاراتٍ كهربائية يفهمها المعالج. وفي كلّ خطوةٍ من هذه السلسلة الطويلة نفقد شيئاً من السرعة، ونتنازل عن جزءٍ من الدقّة، ونرضى بأن تكون مخاطبتنا للآلة أبطأ بمراحل من خاطرنا الأصلي. ولطالما اعتُبر هذا التباطؤ قدراً محتوماً، حتى بدأ علماء واجهات الدماغ والحاسوب يطرحون سؤالاً جذرياً: ماذا لو حذفنا الوسطاء جميعاً، وجعلنا النيّة نفسها هي الأمر، والفكرة هي الإدخال؟ وهنا تتحوّل واجهة التفاعل من شيءٍ نمسكه بأيدينا إلى شيءٍ يقرأ ما يدور في رؤوسنا، ومن أداةٍ خارجية إلى امتدادٍ للجهاز العصبي ذاته.

ولفهم هذا التحوّل ينبغي أن نميّز بين عائلتين من هذه التقنيات. فثمّة الواجهات غير الباضعة التي تلتقط النشاط الكهربائي للدماغ من فوق فروة الرأس، وهي آمنةٌ وزهيدةٌ نسبياً لكنّها تسمع همس الدماغ من خلف جدارٍ سميك من العظم والجلد، فتأتي إشاراتها مشوّشةً غامضة. وثمّة في المقابل الواجهات الباضعة التي تُزرع فيها أقطابٌ دقيقة داخل النسيج العصبي نفسه، فتنصت إلى محادثات الخلايا العصبية مباشرةً بوضوحٍ مذهل، لكنّها تتطلّب جراحةً في الدماغ بكلّ ما تحمله من مخاطر. وقد قطعت المختبرات الرائدة شوطاً بعيداً في كليهما؛ فالأبحاث التي يجريها علماء في معهد ماساتشوستس للتقنية وفي جامعتي ستانفورد وهارفارد بيّنت أنّ بالإمكان فكّ شيفرة النيّة الحركية للمشلولين وتحويلها إلى حركةٍ لذراعٍ آلية أو لمؤشّرٍ على الشاشة، بل وإلى كلامٍ مكتوب ينساب من تخيّل المريض للحروف دون أن يحرّك ساكناً. لقد صار الدماغ المعطوب يكتب بأفكاره، والصامت ينطق عبر شيفرةٍ عصبية، وهي معجزةٌ كانت إلى عهدٍ قريب من خيال الروايات. ولا يخفى أنّ هذا التقدّم لم يكن وليد العتاد وحده، بل وليد قفزةٍ موازية في الذكاء الاصطناعي القادر على استخلاص النمط من كمٍّ هائل من الإشارات المتداخلة؛ إذ صارت الخوارزميات هي المترجم الذي يحوّل عاصفة النبضات العصبية إلى نيّةٍ مفهومة، حتى بات من العسير الفصل بين تقدّم واجهات الدماغ وتقدّم تعلّم الآلة، إذ يسير الميدانان متلازمين كجناحين لطائرٍ واحد.

غير أنّ الخطاب السائد حول هذه التقنية يقع، في تقدير الكاتب، في فخّ التبسيط المضاعف. فهو من جهةٍ يبالغ في تصوير المستقبل القريب وكأنّنا على أعتاب عالمٍ يتبادل فيه الناس الأفكار كما يتبادلون الرسائل النصّية، وكأنّ تنزيل المعرفة إلى الدماغ صار مسألة أعوام. ومن جهةٍ أخرى يختزل العقبة في كونها هندسيةً بحتة تُحَلّ بأقطابٍ أدقّ ومعالجاتٍ أسرع. وكلتا القراءتين، في رأي الكاتب، تتجاهل الحقيقة الأعمق: أنّ العائق الأكبر ليس في صناعة الجهاز بل في فكّ اللغة. فالدماغ لا يخزّن الأفكار في صيغةٍ رقمية جاهزة للنسخ، إنّما يوزّعها على شبكاتٍ هائلة من الخلايا المتغيّرة باستمرار، تختلف من إنسانٍ إلى آخر، بل تتبدّل في الإنسان الواحد من يومٍ إلى يوم. ونحن حتى اللحظة نجيد فكّ شيفرة النوايا الحركية البسيطة لأنّها مرسومةٌ على خريطةٍ دماغية معروفة، لكنّنا نقف عاجزين تقريباً أمام فكّ شيفرة الفكر المجرّد، والمعنى الدلالي، والمشاعر المركّبة. فبين أن نقرأ نيّة تحريك إصبع وأن نقرأ خاطراً فلسفياً عابراً بونٌ شاسعٌ لا تردمه الأجهزة وحدها، بل يحتاج إلى فهمٍ علميٍّ للغة الدماغ ما زلنا في مهده. والأدهى أنّ هذه اللغة العصبية ليست لغةً واحدةً مشتركة بين البشر كما هي لغات الكلام، بل هي أقرب إلى لهجةٍ خاصّة بكلّ دماغٍ على حدة، تتشكّل عبر سنوات التجربة الفردية، فما يفكّ شيفرته جهازٌ في دماغٍ قد يعجز عن فكّها في دماغٍ آخر دون إعادة تدريبٍ مضنية. وهذا ما يجعل حلم القراءة الكونية للأفكار، تلك التي تعمل على أيّ إنسان كما يعمل قارئ البصمة، أبعد منالاً ممّا يصوّره المتحمّسون؛ فالدماغ يكتب أسراره بحبرٍ سرّيٍّ يختلف تركيبه من شخصٍ إلى شخص.

شاطئ الجبيل ولعلّ أخطر ما يُغفَل في هذا النقاش بُعدٌ ثالث يتجاوز التقنية والعلم معاً إلى صميم ما يجعلنا بشراً. فحين تصبح واجهة التفاعل قناةً ثنائية الاتجاه، لا تقرأ الدماغ فحسب بل تكتب فيه أيضاً، نكون قد عبرنا عتبةً لم تعبرها البشرية من قبل: عتبة السيادة على العقل ذاته. فمن يملك مفتاح القراءة في دماغك يملك أعمق أسرارك، وما من خصوصيةٍ تعلو على خصوصية الفكر الذي لم يُنطَق بعد. ومن يملك القدرة على الكتابة في دماغك قد يملك، نظرياً، تعديل ما تشعر به وما تتذكّره وما تريده. وقد نبّه باحثون في جامعة أوكسفورد وفي أوساطٍ أخلاقية مرموقة إلى نشوء حقلٍ جديد من الحقوق أسموه الحقوق العصبية، يضمن للإنسان سيادته على نشاطه الدماغي وحرّيته العقلية وسلامة هويّته من العبث. ويرى الكاتب أنّ هذا البُعد الأخلاقي ليس ترفاً فلسفياً يُؤجَّل إلى ما بعد نضج التقنية، بل هو الشرط المسبق لأيّ نشرٍ مسؤول لها؛ إذ إنّ المجتمع الذي يبني هذه القدرة قبل أن يبني الحاجز الأخلاقي الذي يحميها كمن يصنع سيفاً قبل أن يتعلّم متى يُغمده. ولا يخفى أنّ التاريخ التقني حافلٌ بأمثلةٍ على أدواتٍ صُمّمت لغايةٍ نبيلة ثمّ انحرفت إلى غاياتٍ أخرى حين غابت الضوابط؛ فما بالنا بأداةٍ تلامس أقدس ما يملكه الإنسان وأخصّه، وهو فكره الذي لم يَبُح به بعد. فالخصوصية التي ناضلنا من أجلها في عصر البيانات كانت خصوصية ما نقوله وما نفعله، أمّا الآن فنحن مقبلون على معركةٍ أعمق: خصوصية ما نفكّر فيه قبل أن ننطقه، وهي آخر ملاذٍ بقي للإنسان بعيداً عن أعين الرقابة.

شاطئ الجبيل وثمّة بُعدٌ اقتصاديٌّ واجتماعيٌّ لا يقلّ خطورةً، كثيراً ما يضيع في وهج العناوين. فحين تنتقل هذه الواجهات من علاج المرضى إلى تعزيز قدرات الأصحّاء، تنفتح هوّةٌ جديدة بين من يملك ثمن الترقية العقلية ومن لا يملكه. وقد حذّرت تقارير المنتدى الاقتصادي العالمي ومنظّمة التعاون الاقتصادي والتنمية مراراً من أنّ التقنيات الثورية، إن تُركت لمنطق السوق وحده، تميل إلى توسيع الفجوات بدل ردمها. فإذا صار بمقدور فئةٍ أن تشتري ذاكرةً أوسع وتركيزاً أحدّ وتواصلاً أسرع مع الآلة، بينما تبقى الأغلبية على قدراتها الطبيعية، فإنّنا لا نتحدّث عن فجوةٍ رقمية كالتي عرفناها مع الإنترنت، بل عن فجوةٍ بيولوجية معرفية تمسّ المساواة في صميمها. ويرى الكاتب أنّ المعيار الأخلاقي الحاسم لهذه التقنية لن يكون في قدرتها على تمكين الفرد، بل في عدالة توزيع ذلك التمكين على المجتمع بأسره.

فإلى أين تتّجه البوصلة إذن؟ يقوم الجواب، في تقدير الكاتب، على أربع ركائز يتقاطع عندها مستقبل هذا الحقل. أولاها أنّ التقدّم الحقيقي سيأتي من فكّ شيفرة اللغة العصبية لا من تطوير العتاد وحده، أي من تزاوج علم الأعصاب بالذكاء الاصطناعي الذي صار اليوم المترجم الأقدر على استخلاص المعنى من فوضى الإشارات الدماغية. والركيزة الثانية أنّ الواجهات غير الباضعة، رغم محدوديّتها الحالية، هي البوّابة الأرجح إلى الانتشار الواسع، لأنّ أحداً لن يقبل بجراحةٍ في دماغه من أجل قراءة بريده. والركيزة الثالثة أنّ الحوكمة والأطر الأخلاقية يجب أن تُبنى بالتوازي مع التقنية لا بعدها، فالقانون الذي يلحق بالتقنية متأخّراً يعالج كارثةً وقعت بدل أن يمنعها. والركيزة الرابعة أنّ القيمة الكبرى، في الأمد المنظور، ستظلّ في الميدان الطبّي: في إعادة الحركة للمشلول، والنطق للأبكم، والأمل لمن أطبق عليهم الصمت العصبي. فالحكمة تقتضي أن نتقن شفاء الأجساد قبل أن نطمح إلى تعزيز العقول. وهذه الركائز الأربع لا يلغي بعضها بعضاً، بل تتضافر لترسم مساراً متّزناً يجمع بين الطموح العلمي والحذر الأخلاقي؛ فمن يندفع في العتاد متجاهلاً اللغة العصبية يبني على رمل، ومن يتقن اللغة متجاهلاً الحوكمة يفتح باباً يصعب إغلاقه، ومن يطمح إلى التعزيز قبل إتقان العلاج يضع العربة أمام الحصان. والتوازن بين هذه المسارات هو وحده الكفيل بأن يجعل هذه التقنية نعمةً لا نقمة.

ولهذا التحوّل دلالةٌ خاصّة في سياقنا العربي. فالمنطقة التي تستثمر اليوم في علوم الأعصاب والصحّة الرقمية والذكاء الاصطناعي تملك فرصةً نادرة لأن تكون شريكةً في صياغة هذا المستقبل لا مجرّد مستهلكةٍ له. ورؤية السعودية 2030، حين تجعل من الصحّة والتقنية المتقدّمة والاستثمار في رأس المال البشري ركائز لاقتصاد المعرفة، إنّما تهيّئ أرضاً خصبة لاحتضان هذا الحقل الواعد، خصوصاً في شقّه العلاجي الذي يلامس حياة الناس مباشرة. ويرى الكاتب أنّ الإسهام العربي الأعمق لن يكون في صناعة الأقطاب وحدها، بل في المساهمة بصوتٍ أخلاقيٍّ وحضاريٍّ في تحديد حدود ما ينبغي أن يُفعل بالعقل البشري، فالأمم التي تشارك في رسم القواعد خيرٌ من تلك التي تكتفي بتطبيقها.

ولعلّ المستقبل الذي يلوح في الأفق ليس عالماً نتخلّى فيه عن الشاشة بين عشيّةٍ وضحاها، بل عالماً تذوب فيه الحدود الفاصلة بيننا وبين أدواتنا حتى لا نعود ندري أين ينتهي العقل وأين تبدأ الآلة. والمنتدى الاقتصادي العالمي، في تقاريره عن مستقبل التقنية، يلمّح إلى أنّ الاندماج بين الإنسان والآلة سيكون السمة الكبرى للعقود القادمة. والسؤال الذي يبقى معلّقاً في وجه كلّ من يتأمّل هذا المنعطف ليس متى نقرأ الأفكار، بل ماذا يبقى من خصوصية الإنسان حين تصبح أفكاره مقروءة، وهل نملك من الحكمة ما يكفي لنحرس آخر معاقل الذات حين نمنح الآلة مفتاح الدخول إلى أعمق ما فينا؟