ماذا لو أنّ الدواء الذي تتناوله غداً لم يُصنع في مصنعٍ على الطرف الآخر من العالم قبل عامين، بل طُبع أمام عينيك في صيدلية الحيّ خلال دقائق، مُفصَّلاً على مقاس جيناتك وحدها، بحيث لا يصلح حرفياً لأيّ إنسانٍ آخر على وجه الأرض؟ المفارقة أنّنا أمضينا قرناً كاملاً نمدح «الدواء الموحَّد» باعتباره ذروة العلم الحديث، نُنتج الحبّة الواحدة بمليارات النسخ المتطابقة، ثم نُصرّ على أنّ أجساد البشر المتباينة جذرياً ستستجيب لها على نحوٍ واحد. لقد بنينا صرح الطبّ الحديث على أكذوبةٍ مريحة: أنّ المريض المتوسّط موجود. غير أنّ المريض المتوسّط، كما يعرف كلّ طبيبٍ صادق، ليس سوى شبحٍ إحصائيّ لا يجلس في أيّ عيادة، ولا يبتلع أيّ قرص.
لنفهم حجم التحوّل المقبل، لا بدّ من العودة إلى المنطق الصامت الذي يحكم صناعة الدواء منذ نشأتها. فالنموذج الاقتصادي برمّته قائم على «وفورات الحجم»: كلّما طبعتَ نسخاً أكثر من الجزيء ذاته، انخفضت كلفة الوحدة. ولهذا تستثمر الشركات الكبرى مليارات الدولارات في تطوير عقّارٍ واحد، ثم تطمح إلى بيعه لملايين البشر، فينشأ تعارضٌ بنيويّ بين منطق الربح الجماعيّ ومنطق الجسد الفرديّ. وقد كشفت دراساتٌ متعدّدة، يشير إليها باحثون في كليّة الطبّ بجامعة هارفارد، أنّ كثيراً من أكثر الأدوية مبيعاً لا يستفيد منها فعلياً إلّا أقلية من متناوليها، بينما يتحمّل الباقون آثاراً جانبية دون منفعةٍ تُذكر. هنا تكمن المأساة الهادئة للطبّ الموحَّد: نحن لا نعالج الإنسان، بل نعالج المعدّل الحسابيّ، ونأمل أن يكون قريباً منه بما يكفي.
ثم جاء تسلسل الجينوم البشريّ ليقلب المعادلة. فحين أُعلن اكتمال المشروع مطلع الألفية، كانت كلفة قراءة جينومٍ واحد تتجاوز الملياراتٍ من الدولارات؛ أمّا اليوم فقد انهارت هذه الكلفة إلى ما يقارب مئة دولار، في أحد أسرع منحنيات الانخفاض التقنيّ التي شهدها التاريخ، متجاوزةً حتى قانون مور الشهير في صناعة الرقائق، كما توثّق ذلك بياناتٌ صادرة عن المعهد القوميّ لأبحاث الجينوم البشريّ. غير أنّ امتلاك الخريطة شيء، وفهم الطريق شيءٌ آخر تماماً. فالجينوم نصٌّ هائل من ثلاثة مليارات حرف، عاجزٌ البشر عن قراءته بعقولهم وحدها. وهنا يدخل الذكاء الاصطناعي بوصفه المترجم المفقود. لقد أثبتت نماذج التعلّم العميق، ولا سيّما إنجاز مختبر «ديب مايند» في حلّ معضلة طيّ البروتينات عبر نظام «ألفافولد»، أنّ الآلة قادرة على التنبّؤ ببنية الجزيئات الحيوية بدقّةٍ كانت تستلزم سابقاً سنواتٍ من العمل المخبريّ الشاقّ. وبهذا اكتمل الضلع الثالث من المثلّث: جينومٌ رخيص، وذكاءٌ يفهمه، وطباعةٌ حيوية تُجسّده.
وهنا تحديداً يرى الكاتب أنّ الخطأ الشائع في تصوّر هذا المستقبل هو حصره في «تخصيص الجرعة». فالناس يتخيّلون أنّ الثورة ستقتصر على أن يصف لك الذكاء الاصطناعي مقداراً أدقّ من دواءٍ موجود مسبقاً. لكنّ الأفق الحقيقيّ أبعد من ذلك بكثير: نحن ننتقل من عصر «اختيار» الدواء من رفٍّ جاهز إلى عصر «تأليفه» من الصفر. فالطباعة الحيوية الدوائية، حين تنضج، لن تكتفي بتعديل الجرعة، بل ستصمّم الجزيء نفسه — توليفةً فريدة من المكوّنات النشطة، بمنحنى تحرّرٍ زمنيّ محسوب، يستهدف الطفرة الجينية بعينها في ورمك أنت، لا في الأورام «المشابهة». وقد بدأت تباشير ذلك تظهر في أبحاث اللقاحات السرطانية الشخصية التي طوّرتها شركاتٌ مثل «موديرنا» و«بيونتك» بالشراكة مع مراكز بحثية مرموقة، حيث يُحلَّل ورم المريض جينياً، ثم يُصمَّم لقاحٌ بتقنية الحمض النوويّ الريبيّ المرسال يُدرّب جهاز المناعة على مهاجمة خلاياه السرطانية تحديداً. هذا، في جوهره، دواءٌ لم يكن له وجود قبل أن يمرض هذا الإنسان بعينه.
ولا يكتمل التحليل دون الإشارة إلى البُعد الاقتصاديّ والأخلاقيّ. فهذه الثورة، إن تُركت لمنطق السوق وحده، تهدّد بأن تُنتج أعمق هوّةٍ صحية عرفها التاريخ. تخيّل عالماً يُطبع فيه للأثرياء دواءٌ مُفصَّل على جيناتهم، بينما يبقى الفقراء أسرى «الدواء المتوسّط» القديم؛ عندئذٍ لن تكون المساواة الصحية مجرّد مسألة وصولٍ إلى العلاج، بل مسألة وصولٍ إلى علاجٍ يناسبك أصلاً. وقد حذّرت تقاريرٌ صادرة عن المنتدى الاقتصاديّ العالميّ ومنظّمة التعاون الاقتصاديّ والتنمية من أنّ الطبّ الدقيق قد يُفاقم اللامساواة ما لم تُصمَّم سياساته بوعيٍ مُسبق. كما أنّ البيانات الجينية، وهي أكثر بياناتك حميمية وحساسية، ستصبح المادّة الخام لهذه الصناعة، ممّا يطرح أسئلةً عاصفة حول الخصوصية والملكية: من يملك جينومك حين يصير وصفةً قابلة للطباعة؟ وقد ناقش باحثون في جامعتَي ستانفورد وأوكسفورد هذه المعضلة بوصفها التحدّي الأخلاقيّ المركزيّ للطبّ الجينوميّ القادم.
وإذا أردنا ركائز عملية تُنزل هذه الرؤية إلى أرض الواقع، فأولاها بناء «التوأم الرقميّ» للمريض: نموذجٌ حاسوبيّ حيّ يحاكي فسيولوجيا الفرد بناءً على جينومه وبياناته الحيوية، فنختبر الدواء عليه افتراضياً قبل طباعته فعلياً، وقد بدأت مختبرات في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا تقطع أشواطاً جادّة في هذا الاتجاه. والركيزة الثانية هي اللامركزية: نقل قدرة التصنيع من المصانع العملاقة إلى وحداتٍ صغيرة موزّعة، صيدلياتٍ مزوّدة بطابعاتٍ حيوية تتلقّى «الوصفة الرقمية» وتُجسّدها محلّياً، ممّا يقصّر سلاسل الإمداد ويُنهي أزمات نقص الدواء. والركيزة الثالثة هي السيادة على البيانات الجينية، بأطرٍ قانونية تجعل الفرد مالكاً لجينومه لا مجرّد مصدرٍ له. أمّا الركيزة الرابعة فهي إعادة تأهيل الكوادر الطبّية، إذ سيتحوّل الصيدليّ من «صارفٍ» لعلبة جاهزة إلى «مهندسٍ» يشرف على عملية تصميمٍ وتصنيعٍ آنيّة.
وفي هذا المشهد بالذات يبرز موقعٌ استثنائيّ للعالم العربيّ، إن أحسن قراءة اللحظة. فرؤية المملكة العربية السعودية 2030، بتركيزها على توطين الصناعات المتقدّمة والاقتصاد القائم على المعرفة، تجد في هذا المجال أرضاً خصبة، لا سيّما مع المبادرات الوطنية لرسم الخريطة الجينية للسكّان، التي تمنح المنطقة قاعدة بياناتٍ جينومية فريدة قد تُصحّح انحياز قواعد البيانات العالمية المبنيّة أساساً على جيناتٍ غربية. ويرى الكاتب أنّ الفرصة العربية الحقيقية لا تكمن في استيراد هذه التقنية جاهزة، بل في امتلاك طبقتها الأثمن: البيانات الجينومية المحلّية، والخوارزميات المدرّبة عليها. فمن يملك البيانات النظيفة الممثِّلة لشعبه، يملك مفتاح طبّ المستقبل لذلك الشعب.
ولعلّ الخلاصة الأعمق أنّنا نقف على عتبة تحوّلٍ في معنى الدواء ذاته: من سلعةٍ صناعية تُخزَّن وتُشحَن، إلى خدمةٍ معلوماتية تُحسَب وتُجسَّد عند الطلب. سينتقل مركز الثقل من الكيمياء إلى المعلومة، ومن المصنع إلى الخوارزمية، ومن المتوسّط إلى الفرد. لكنّ السؤال الذي سيحدّد ملامح هذا المستقبل ليس «هل نستطيع؟» — فالعلم يجيب بنعمٍ متسارعة — بل «كيف نضمن أن يكون عدلاً؟». فالطباعة الحيوية بالذكاء الاصطناعي قد تكون أعظم أدوات الإنصاف الصحيّ إن جعلنا العلاج المُفصَّل حقّاً للجميع، وقد تكون أفظع أدوات التمييز إن تركناها امتيازاً للقلّة. وبين هذين الأفقين، لا تقرّر التقنية مصيرنا، بل تقرّره الخيارات التي نتّخذها اليوم، ونحن لا نزال نملك ترف الاختيار.
ومن المفيد، تعميقاً للتحليل، أن نتأمّل كيف سيُعيد هذا التحوّل تعريف فكرة «المرض» نفسها. فالطبّ التقليديّ يصنّف الأمراض في خاناتٍ كبرى موروثة من القرن التاسع عشر: سرطان الثدي، السكّري، التهاب المفاصل. لكنّ علم الجينوم يكشف أنّ ما نسمّيه «مرضاً واحداً» قد يكون في الحقيقة عشرات الأمراض المتمايزة جزيئياً، يجمعها العَرَض الظاهر ويفرّقها الجذر الجينيّ. وحين يصبح بمقدورنا تصميم الدواء على مستوى الطفرة لا على مستوى التسمية، فإنّ خرائط الطبّ بأكملها ستُعاد رسمها. ويرى الكاتب أنّ هذا أخطر ما في الأمر وأجمله معاً: إذ لن نعالج «اسم المرض» بل «آليّته» في هذا الجسد بالذات، فينتقل الطبّ من علمٍ تصنيفيّ يضع المرضى في صناديق، إلى علمٍ هندسيّ يبني الحلّ من الجزيء صعوداً. وهذا ما تشير إليه أبحاثٌ متنامية في علم الأدوية الجينيّ تربط الاستجابة الدوائية بالتباينات الوراثية الدقيقة بين الأفراد.
على أنّ ثمّة تحذيراً يلزم قوله بصراحةٍ تجنّباً للانبهار: ليست كلّ بياناتٍ جينية ترجمةً مباشرة إلى دواء. فالعلاقة بين الجين والمرض نادراً ما تكون خطّيةً بسيطة، بل تتشابك فيها مئات الجينات مع البيئة ونمط الحياة والميكروبيوم في معادلةٍ هائلة التعقيد. ومن هنا فإنّ وعود «الطباعة الفورية» قد تصطدم بحقيقة أنّ بعض الأمراض أعقد من أن تُختزل في وصفةٍ خوارزمية أنيقة. ويرى الكاتب أنّ الرشد يقتضي التمييز بين ما تستطيعه هذه التقنية فعلاً في المدى المنظور — كالأورام ذات الطفرات المحدّدة والأمراض الجينية وحيدة المنشأ — وبين ما سيظلّ عصيّاً عليها زمناً أطول. فالمبالغة في الوعد قد تكون أخطر على هذا المجال الواعد من التشكيك فيه، لأنّها تزرع خيبةً قد تُجهض الثقة قبل أن ينضج العلم.
كذلك ينبغي ألّا نغفل البُعد الزمنيّ في كلّ هذا. فحين يمرض المريض بعدوى حادّة أو ورمٍ سريع النموّ، تكون السرعة عاملاً فاصلاً بين الحياة والموت. والنموذج الحاليّ، الذي قد تستغرق فيه دورة التشخيص والوصف والتصنيع والشحن أسابيع، يصبح في ذاته عاملاً مَرَضياً. أمّا حين تنتقل القدرة على التصميم والتصنيع إلى نقطة الرعاية ذاتها، فإنّ معادلة الزمن تنقلب رأساً على عقب: لا ننتظر الدواء حتى يصل من بعيد، بل نخلقه حيث نقف. وهذا وحده، في رأي الكاتب، قد يكون أعظم مكاسب هذه الثورة في الأمد القصير، حتى قبل أن تكتمل أحلام التخصيص الجينيّ الكامل، إذ تختصر سلاسل الإمداد الهشّة التي كشفت الجوائح الأخيرة مدى خطورة الاعتماد عليها.