ماذا لو أنّ السنوات العشر التي تفصلنا عن عام 2035 ليست مساحةً نتأمّل فيها مصيرنا من بعيد، بل غرفةٌ ضيّقة نُتّخذ فيها القرارات الكبرى ونحن مشغولون بالتفاصيل الصغيرة، حتى نستيقظ ذات صباحٍ على عالمٍ صِيغت ملامحه دوننا؟ إنّ الحديث عن «سيناريوهات تحدّد مصير البشرية» يوحي بأنّنا جمهورٌ ينتظر ستارةً تُرفع عن قدرٍ مكتوب، بينما الحقيقة أنّ المصير هنا ليس نبوءةً تُتلى بل خياراتٌ تُصنع، وأنّ أخطر ما في خطاب «المستقبل الحتمي» أنّه يُعفينا من مسؤولية الحاضر.
ليست غاية هذا المقال أن يُضيف نبوءةً جديدة إلى سوقٍ مزدحمةٍ بالنبوءات، ولا أن يُراهن على رقمٍ بعينه أو تاريخٍ محدّد، بل أن يفكّك المنطق الكامن خلف ثلاثة مساراتٍ كبرى يتنازعها الباحثون حين يستشرفون عقداً قادماً من تطوّر الذكاء الاصطناعي. المسار الأول مسار التسارع المتصل، حيث تواصل النماذج اتّساعها وقدراتها حتى تقارب أداءً عامّاً يضاهي الإنسان في أغلب المهام المعرفية. والمسار الثاني مسار الهضبة، حيث تصطدم القدرات بعوائد متناقصةٍ وكلفةٍ باهظةٍ في الطاقة والبيانات، فيستقرّ التقدّم عند سقفٍ نافعٍ لكنّه دون الوعود البرّاقة. والمسار الثالث مسار الاضطراب، حيث لا يكون الحدّ الفاصل تقنيّاً بل اجتماعيّاً وسياسيّاً، إذ تتعثّر التقنية لا عند حدود الخوارزمية بل عند حدود الثقة والحوكمة وتوزيع القوة. وقد دأب التقرير الدوري الصادر عن مبادرة «الذكاء الاصطناعي ومئة عام» التي تستضيفها جامعة ستانفورد على التحذير من أنّ المبالغة في توقّع القفزة الوشيكة تضرّ بالحقل أكثر مما تنفعه، لأنها تستبدل بالتقدّم البطيء الحقيقي سرديّةً درامية سرعان ما تنكشف عند أوّل اصطدامٍ بالواقع.
ولكي نفهم لماذا تتعدّد المسارات أصلاً، لا بدّ من خلفيةٍ معرفية دقيقة. إنّ المحرّك الذي دفع الموجة الأخيرة هو ما يسمّيه الباحثون «قوانين التوسّع»، أي تلك العلاقة المرصودة بين حجم النموذج وكمّ بياناته وقدرته الناتجة؛ فكلّما كبر النموذج وكثرت بياناته تحسّن أداؤه على نحوٍ يكاد يكون متوقّعاً. غير أنّ هذه العلاقة ليست قانوناً طبيعيّاً أبديّاً بل ملاحظةً تجريبية محدودة المدى، ولا أحد يضمن استمرارها إلى ما لا نهاية. وهنا تكمن المفارقة الأولى التي يغفلها خطاب التسارع المتفائل: فالقدرات المذهلة التي رأيناها لا تعني أنّنا نعرف الوجهة، تماماً كما أنّ تسلّق سلّمٍ نحو السماء لا يقرّبنا من القمر مهما علا الارتفاع. وقد نبّه ستيوارت راسل، أستاذ علوم الحاسب في جامعة كاليفورنيا بيركلي، إلى أنّ براعة الآلة في نطاقٍ بعينه لا تعني فهماً لما تفعل، فالنظام الذي يهزم بطل العالم لا يدرك أنّه يلعب أصلاً، فضلاً عن أن يدرك أنّه ربح. وقد عرف الحقل في تاريخه ما سمّاه المختصّون «شتاء الذكاء الاصطناعي»: موجات حماسةٍ تتبعها موجات خيبةٍ كلّما تعثّر الوعد عند حدود الإمكان.
غير أنّ الخلفية وحدها لا تكفي؛ فالتحليل العميق يقتضي أن نفكّك ثلاثة أبعادٍ تختلط في الخطاب العام حين نزن هذه السيناريوهات. البعد الأول تقنيٌّ بحت: هل ثمّة مسارٌ هندسيٌّ معروفٌ يقودنا من النماذج الحالية إلى ذكاءٍ عامّ يضاهي الإنسان؟ الإجابة الصادقة أنّ لا أحد يعرف، وأنّ بعض الباحثين في أعرق المختبرات بدأوا يلحظون عوائد متناقصةً في مجرّد تكبير النماذج، فيتساءلون إن كان طريق التوسّع قد قارب سقفه وإن كنّا بحاجةٍ إلى فكرةٍ جديدةٍ لا إلى حجمٍ أكبر. والبعد الثاني معرفيٌّ فلسفي: حتى لو حاكت الآلة كلّ سلوكٍ بشري، فهل صارت تفهم؟ هنا يستعيد كثيرون حجّة الفيلسوف جون سيرل عن «الغرفة الصينية» التي تبيّن أنّ معالجة الرموز بإتقانٍ تامّ لا تساوي إدراك معناها، وأنّ بين الصياغة والدلالة هوّةً قد لا يردمها مجرّد التوسّع الحسابي. أمّا البعد الثالث فاجتماعيٌّ سياسي، وهو الأخطر والأقلّ نقاشاً حين نتحدّث عن 2035: فالقدرة الحاسوبية اللازمة لتدريب النماذج الكبرى تتركّز في حفنةٍ من الشركات والدول، ومن يملك هذه البنية يملك مفاتيح المستقبل، ومن يفتقر إليها يجد نفسه على هامش ثورةٍ تُصاغ بعيداً عنه. وهكذا فإنّ السيناريو الحاسم في العقد القادم قد لا يحسمه مختبرٌ تقنيٌّ بل توازنٌ في القوة والسيادة.
ولعلّ أوّل ما ينبغي تصحيحه في تصوّرنا لهذه المسارات أنّ سرعة التطوّر التقني شيء، وسرعة استيعاب المجتمعات له شيء آخر؛ فبين اللحظة التي يولد فيها الابتكار في المختبر واللحظة التي يتغلغل فيها في نسيج الحياة اليومية فجوةٌ زمنية يملؤها التشريع والتعليم وإعادة تنظيم العمل وبناء الثقة. وقد دلّت موجات التقنية السابقة، من الكهرباء إلى الحاسوب الشخصي إلى الإنترنت، على أنّ العائد الاقتصادي الكبير لا يأتي لحظة الاختراع بل بعد عقدٍ أو أكثر، حين تعيد المؤسسات تصميم نفسها حول الأداة الجديدة. وهذا يعني أنّ ما سنراه في 2035 لن يكون انعكاساً مباشراً لأقصى ما تبلغه القدرة التقنية، بل انعكاساً لمدى نجاحنا في مواءمة مؤسساتنا وقيمنا معها. ومن هنا يصبح الرهان على المؤسسات والتعليم والتنظيم أهمّ من الرهان على المختبر، لأنّ الأمم لا تتفاوت في امتلاك الأداة بقدر ما تتفاوت في حسن توطينها. وهنا يرى الكاتب أنّ الخطأ الجوهري في معظم استشرافات 2035 أنّها تعامل السيناريوهات الثلاثة كأقدارٍ متنافسة ينتصر أحدها، بينما الأرجح أنّها ستتحقّق جميعاً في آنٍ واحد لكن في مواضع مختلفة من الخريطة. فالتسارع المتصل قد يقع في القطاعات التي تملك بياناتٍ نظيفةً ورأس مالٍ ضخماً كالأدوية والتمويل والبرمجة، والهضبة قد تسود في المهام التي تتطلّب فهماً للعالم المادّي أو حكماً أخلاقياً مركّباً، والاضطراب قد يضرب المجتمعات التي تُدخل التقنية أسرع مما تبني حوكمتها. ويرى الكاتب كذلك أنّ خطاب «مصير البشرية» الذي يضع كلّ بيضه في سلّة سيناريو الذكاء الخارق، على ما فيه من جاذبيةٍ درامية، يؤدّي وظيفةً مضلّلة: فهو يصرف الأنظار عن المخاطر الواقعية الآنية — التحيّز في الخوارزميات، وتركّز الثروة، وتضليل الرأي العام، واتّساع الفجوة الرقمية بين الأمم — إلى مخاطر افتراضيةٍ بعيدة. والمفارقة أنّ أصحاب رؤوس الأموال الكبرى أنفسهم كثيراً ما يغذّون سرديّة الخطر الوجودي، لأنّ تضخيم قدرة المنتَج — ولو بصورة التهديد — يخدم سرديّتهم التسويقية: فحين يقال إنّ المنتَج خطيرٌ إلى حدّ تهديد البشرية، يُفهَم ضمناً أنّه قويٌّ إلى حدّ يستحقّ كلّ هذا الاستثمار، فيتحوّل التخويف نفسه إلى أداة تسويق.
على أنّ رفض القلق رفضاً مطلقاً ليس موقفاً نقديّاً بل سذاجةٌ من نوعٍ آخر. فالنقطة الأصيلة التي يدعو إليها الكاتب هي أن نحوّل بوصلتنا من سؤال «أيّ سيناريو سيقع؟» إلى سؤالٍ أنفع: «ما البنية التي تجعلنا رابحين في أيّ سيناريوٍ وقع؟». إنّ أمّةً تبني قدرتها البشرية والمؤسسية على نحوٍ متين تنتفع من التسارع إن وقع، وتصمد أمام الهضبة إن طالت، وتمتصّ الاضطراب إن عصف؛ بينما أمّةٌ تراهن على سيناريو بعينه تخسر إن أخطأت رهانها. وقد نبّهت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في مبادئها للذكاء الاصطناعي إلى مركزية إبقاء الإنسان في حلقة القرار وضمان قابلية المساءلة، كما حذّر المنتدى الاقتصادي العالمي في تقاريره عن مستقبل الوظائف من أنّ التحوّل الأكبر لن يكون في زوال العمل بل في إعادة توزيع المهارات المطلوبة، بما يجعل التعلّم المستمرّ شرط بقاءٍ لا ترفاً. والأخطر من فقدان الوظيفة هو فقدان العادة الذهنية ذاتها: حين يضمر فينا التفكير لأنّ آلةً تفكّر بدلاً عنّا، فنغدو كمن امتلك مكتبةً ضخمة ونسي كيف يقرأ.
ويستوقف الكاتب هنا أنّ أكثر ما يُساء فهمه في حديث المسارات هو افتراض أنّ الاضطراب نقيض التقدّم، بينما هو في حقيقته ضريبته الطبيعية إن لم يُدَر بحكمة. فكلّ تحوّلٍ تقنيٍّ كبيرٍ في التاريخ حمل في طيّاته إزاحةً للوظائف وتفكّكاً لتوازناتٍ قائمة، ولم يكن الفارق بين الأمم التي ازدهرت والأمم التي تعثّرت في حجم الموجة بل في جاهزيتها لاستقبالها.
وتبيّن أبحاث جامعة أكسفورد المتلاحقة حول أتمتة الوظائف أنّ تقدير المهن المهدّدة يتفاوت تفاوتاً واسعاً بحسب المنهجية والافتراضات، وأنّ كثيراً من المهن لن يزول بل تتغيّر مهامّه، فتبقى الحاجة إلى الإنسان قائمةً لكن في موضعٍ مختلف من سلسلة القيمة. ولذلك فإنّ السؤال الأذكى ليس كم وظيفةً ستختفي، بل أيّ المهارات ستُعاد كتابتها، وكيف نُعدّ الناس لإجادة ما لا تُجيده الآلة بدل أن نزجّ بهم في منافسةٍ خاسرة على ما تُتقنه.
ولأنّ النقد دون عملٍ ترفٌ فكري، فإنّ ثمّة ركائز عمليةٍ يقترحها الكاتب لمواجهة عقدٍ غامضٍ بوعي. الركيزة الأولى أن نبني «مناعةً سيناريوية»، أي نراهن على القدرات التي تنفعنا في كلّ المسارات لا في مسارٍ واحد: التعليم العميق، والبحث الأصيل، والبنية الحاسوبية الوطنية، وريادة الأعمال. والركيزة الثانية أن نقيم حوكمةً رشيدة تجعل الشفافية والمساءلة شرطين في كلّ نظامٍ يمسّ حياة الناس، فلا تُترَك القرارات المصيرية لصندوقٍ أسود لا يُفسَّر منطقه.
والركيزة الثالثة أن نستثمر في رأس المال البشري بوصفه الأصل الذي لا يُستبدل، إذ تبيّن الدراسات المتلاحقة في كلية هارفارد للأعمال أنّ المؤسسات التي تجني أكبر العائد ليست تلك التي تستبدل بالذكاء الاصطناعي موظّفيها، بل تلك التي تعيد تصميم العمل ليكمّل فيه الإنسان الآلة.
والركيزة الرابعة أن نربّي في الناشئة حسّاً نقديّاً يميّز الأصيل من المزيّف، إذ يتكرّر في أدبيات معهد ماساتشوستس للتقنية وفي أبحاث جامعة أكسفورد أنّ أخطر ما يهدّد المجتمعات ليس الآلة الكاذبة بل الإنسان الذي فقد القدرة على كشف الكذب. وهنا يجد السياق العربي فرصته؛ فرؤية المملكة 2030 حين جعلت الإنسان السعودي محور التنمية، ووظّفت التقنية أداةً في خدمة جودة الحياة لا غايةً تبتلع الإنسان، إنما تقدّم نموذجاً يستحقّ التأمّل: أن تُبنى القدرة الوطنية في الذكاء الاصطناعي من القاعدة عبر التعليم والبحث، لا أن تُستورَد جاهزةً فتُبقي الأمة مستهلكةً تابعة. فالأمة التي تصنع التقنية تكتب شروطها، والأمة التي تستهلكها تخضع لشروط غيرها؛ والاستيراد يمنح المنتَج لا المعرفة، والمعرفة وحدها هي ما يصمد حين تتبدّل المسارات.
فإلى أيّ السيناريوهات نمضي؟ يرى الكاتب أنّ السؤال بهذه الصيغة مغلوطٌ من أساسه، لأنّ عام 2035 لن يكون نتيجة سيناريوٍ واحدٍ انتصر، بل حصيلة ملايين القرارات الصغيرة التي نتّخذها اليوم في فصولنا ومختبراتنا وبرلماناتنا ومجالس شركاتنا. فالتقنية، مهما تسارعت أو تعثّرت، ستظلّ مرآةً تعكس نيّات صانعها وقيم مستخدميها؛ إن ملأناها بجشعنا أعادته إلينا مضاعفاً، وإن أودعناها حكمتنا ضاعفت أثرها. ولعلّ أنبل ما تفعله بنا هذه السنوات العشر ليس أن تكشف لنا أيّ مستقبلٍ ينتظرنا، بل أن تذكّرنا بأنّ المستقبل لا يُنتظَر بل يُصنَع. فما دام القرار بأيدينا، يظلّ مصير البشرية في 2035 ملكاً لنا لا لخوارزميةٍ ولا لنبوءة؛ ولعلّ ذلك وحده هو السيناريو الرابع الذي تغفله التقارير: سيناريو أمّةٍ قرّرت أن تكون فاعلةً في صياغة قدرها لا متفرّجةً على تحقّقه.