أيُّ مفارقةٍ أمضى من أن تُلغى الإشارات الضوئية لا لأنها فشلت، بل لأنها لم تعد ضروريةً البتة؟ تخيّل تقاطعاً وسط مدينةٍ مزدحمةٍ عام 2029، حيث تتدفّق المركبات من جهاتها الأربع في نسيجٍ متشابكٍ لا يتوقف ولا يصطدم، تتباطأ هذه أجزاءَ الثانية لتمرّ تلك، فتنساب الحركة كأنها سربُ طيورٍ يعرف كلُّ فردٍ فيه موضع جناح جاره. لا أعمدةَ حمراء، ولا أبواقَ غاضبة، ولا ذلك الانتظار العقيم الذي يلتهم من أعمارنا ما يلتهم.
هذا المشهد، الذي يبدو ضرباً من الخيال العلمي، ليس سوى النتيجة المنطقية لتزاوجٍ تقنيٍّ صامتٍ يجري الآن بين تقنيتين كانتا تنضجان كلٌّ في معزلٍ عن الأخرى: التوائم الرقمية والمركبات ذاتية القيادة. والسؤال الذي يستحق أن نطرحه ليس هل سيحدث هذا، بل ما الذي سنخسره حين يحدث، وما الثمن الخفيّ الذي سندفعه مقابل هذا الانسياب المثالي.
لنفهم جسامة التحوّل، علينا أولاً أن نفكّك مكوّنيه. التوأم الرقمي، في جوهره، نسخةٌ افتراضيةٌ حيّةٌ من نظامٍ ماديٍّ واقعي، تتغذّى لحظةً بلحظةٍ من حسّاساتٍ منثورةٍ في الواقع، فتعكس حالته وتتنبّأ بمساراته وتُجرّب عليه السيناريوهات قبل أن تقع في الواقع المادي. لقد بدأ المفهوم في أروقة وكالة ناسا ومجالات هندسة الطيران، حيث كان المهندسون يحتاجون إلى محاكاة مركباتٍ يتعذّر الوصول إليها وهي تجوب الفضاء، ثم انتقل إلى المصانع وخطوط الإنتاج، إلى أن بلغ طموحه الأقصى: توأمةُ المدينة بأكملها بشوارعها وأرصفتها وشبكاتها. أما المركبات ذاتية القيادة، فقد قطعت في العقد الأخير شوطاً تجاوز فيه الواقعُ تحفّظ المتشكّكين؛ إذ تشير دراساتٌ صادرةٌ عن مؤسسة RAND البحثية إلى أن النصيب الأعظم من حوادث الطرق يعود إلى الخطأ البشري بنسبةٍ تناهز التسعين في المئة، وهو رقمٌ يحوّل القيادة الذاتية من ترفٍ تقنيٍّ إلى ضرورةٍ أخلاقية. غير أن المركبة الذكية، مهما بلغ ذكاؤها الفردي، تظل جزيرةً معزولةً ما لم تنضمّ إلى أرخبيلٍ أوسع يربطها بأخواتها وبالمدينة ذاتها، فتتحوّل من فاعلٍ منفردٍ إلى خليةٍ في كائنٍ أكبر.
وهنا تحديداً يكمن جوهر طرحي. يرى الكاتب أن الخطأ الاستراتيجي الأكبر في الخطاب السائد حول المركبات ذاتية القيادة هو تصويرها بوصفها فاعلاً منفرداً يتقن القرار بمعزلٍ عن محيطه، بينما الثورة الحقيقية ليست في السيارة، بل في الطبقة غير المرئية التي تربطها بتوأمٍ رقميٍّ للمدينة يرى ما لا تراه عينُ المركبة الواحدة. فالمركبة المنفردة، مهما تطوّرت حسّاساتها، تظل أسيرةَ أفقها البصري؛ لا ترى ما وراء المنعطف، ولا تستشعر طفلاً يندفع من بين سيارتين، ولا تعلم أن تقاطعاً يبعد كيلومتراً يوشك أن يختنق. أما حين تتصل بتوأمٍ رقميٍّ يجمع بيانات آلاف المركبات والحسّاسات والكاميرات في زمنٍ شبه آنيٍّ، فإنها تكتسب ما يشبه الحاسّة السادسة الجماعية، وتغدو قادرةً على أن «ترى» بعيون غيرها. لقد بيّنت أبحاثٌ في مختبرات معهد ماساتشوستس للتقنية، ضمن مبادرة Senseable City Lab، أن إدارة التقاطعات عبر التنسيق اللحظي بين المركبات قد تضاعف الطاقة الاستيعابية للطرق دون أن نضيف إليها متراً واحداً من الإسفلت. القضية إذن ليست بناء طرقٍ أوسع، بل بناء ذكاءٍ أعمق؛ ليست في الخرسانة بل في الخوارزمية.
ولعلّ أبلغ تجسيدٍ لهذا المنطق هو ما يُعرف بنظام التقاطعات الخالية من الإشارات، حيث تتفاوض المركبات فيما بينها عبر التوأم الرقمي على حقوق المرور في جدولةٍ دقيقةٍ تُقاس بالميلي ثانية، بدل أن تنتظر إشارةً جامدةً صُمّمت على افتراض أسوأ الحالات. هنا تنقلب المعادلة رأساً على عقب: فبدل أن يتكيّف السائق مع المدينة الصمّاء، تتكيّف المدينة الذكية مع كل مركبةٍ فيها لحظةً بلحظة. وهذا ما يدفع باحثي جامعة أكسفورد، في معرض دراساتهم لمستقبل التنقّل، إلى التنبيه بأن المكسب الأكبر لن يأتي من ذكاء المركبة المفردة، بل من «ذكاء النظام» الذي ينسّق بين الأجزاء؛ فالكلّ هنا أكبر بكثيرٍ من مجموع أجزائه، والقيمة تنشأ في الروابط لا في العقد.
والمفارقة الأعمق التي قلّما يلتفت إليها المتحمّسون أن الصفر الموعود في الحوادث ليس غايةً هندسيةً صرفاً، بل معضلةٌ فلسفيةٌ مقنّعةٌ بلغة الأرقام. فحين نقترب من الصفر، لا تختفي المخاطرة، بل تتحوّل طبيعتها: تنتقل من خطأٍ بشريٍّ عشوائيٍّ نتسامح معه لأنه «قدر»، إلى قرارٍ خوارزميٍّ مقصودٍ نُساءل عنه. يرى الكاتب أن المجتمعات ستجد نفسها أمام مفارقةٍ قاسية: كلما اقتربنا من السلامة المطلقة، ازداد وقعُ الحادث النادر علينا، لأنه لم يعد سوء حظٍّ بل خللاً في نظامٍ وعدَ بالكمال. هذا ما يسمّيه باحثو جامعة ستانفورد، في معرض دراستهم لأخلاقيات الأنظمة الذاتية، بمفارقة المسؤولية: حين يقرّر النظامُ بدلاً منّا، فمن يحمل الوزر حين يخطئ؟ المُصنّع؟ المبرمج؟ التوأم الرقمي الذي أساء قراءة المشهد؟ أم المدينة التي صمّمت البنية كلها؟ إن الصفر الذي نطارده قد يكون أقسى علينا من الرقم الكبير الذي ألفناه.
ولا يقف الأمر عند المسؤولية القانونية، بل يمتدّ إلى ما هو أخطر: ملكية الواقع نفسه. فالتوأم الرقمي للمدينة، بحكم تعريفه، عينٌ لا تنام ترصد حركة كل مركبةٍ وكل قدمٍ تطأ الرصيف. وقد حذّرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في تقاريرها عن المدن الذكية من أن البنية التحتية الرقمية قد تنزلق بسهولةٍ من أداة تيسيرٍ إلى أداة مراقبةٍ شاملة، ما لم تُحَطْ بأطرٍ حوكميةٍ صارمة. يرى الكاتب أن المعركة الحقيقية في مدن 2029 لن تكون بين السيارة والإنسان، بل بين شفافية النظام وعتمته؛ بين توأمٍ رقميٍّ يخدم المواطن وآخر يستحيل إلى قفصٍ زجاجيٍّ أنيق. ومن هنا فإن السؤال التقني «كيف نلغي الزحام؟» ينبغي ألا ينفصل لحظةً عن السؤال السياسي «من يملك المرآة التي تعكس المدينة؟»، فمن يملك التوأم يملك في الحقيقة مفاتيح الحركة في المدينة كلها.
ثمّ إن ثمة بعداً آخر يغفله كثيرٌ ممن يبشّرون بالمدينة الخالية من الزحام، وهو ما يسمّيه الاقتصاديون بالطلب المُستحَث. فكلما يسّرنا التنقّل وألغينا عناءه، أغرينا الناس بمزيدٍ من التنقّل، فيعود الزحام من بابٍ آخر بصورةٍ جديدة. وهذا درسٌ علّمنا إياه تاريخ توسعة الطرق طوال عقود: كلّ شريطٍ إسفلتيٍّ جديدٍ امتلأ سريعاً بحركةٍ لم تكن موجودة. يرى الكاتب أن مدن 2029 لن تُنهي الزحام بإلغاء الاحتكاك المروري وحده، بل عليها أن تعيد التفكير في جدوى الرحلة ذاتها؛ في أنماط السكن والعمل والخدمات، وإلا فإن التوأم الرقمي الأكثر براعةً سيظل يدير ازدحاماً متجدّداً بكفاءةٍ أعلى لا أكثر. فالحلّ الجذري قد لا يكون في تسريع الحركة، بل أحياناً في تقليل الحاجة إليها.
وحين ننقل البصر إلى سياقنا العربي، نجد أن المنطقة لا تقف متفرّجةً على هامش هذا التحوّل، بل تسعى إلى أن تكون مختبره الأبرز. فمشروع نيوم ومدينة ذا لاين، ضمن رؤية المملكة العربية السعودية 2030، يقومان على فرضيةٍ جذريةٍ مفادها أن المدينة يمكن أن تُصمّم من الصفر حول التنقّل الذكي بدل أن تُرقَّع البنى القديمة. وهذه ميزةٌ استراتيجيةٌ يغفلها كثيرون؛ إذ إن أصعب ما يواجه المدن العريقة كلندن وطوكيو هو إقحام التوائم الرقمية في نسيجٍ عمرانيٍّ لم يُصمَّم لها قط، بينما تملك المدن الناشئة في الخليج رفاهية البناء على بياضٍ نظيف. يرى الكاتب أن هذا «الترف العمراني» قد يحوّل المنطقة من مستوردٍ للتقنية إلى صانعٍ للمعايير، شريطة ألا نقع في فخّ الانبهار بالواجهات البرّاقة على حساب الجوهر الحوكمي والأخلاقي الذي يضمن أن تخدم المدينة الإنسان لا أن تُخضعه. فالعبرة ليست في كم الحسّاسات المنثورة، بل في فلسفة الحوكمة التي تنظّم ما تجمعه.
غير أن تحقيق هذا الوعد لا يقوم على التمنّي، بل يستند إلى ركائز عمليةٍ لا غنى عنها. أولاها البنية المعيارية الموحّدة؛ فبلا لغةٍ مشتركةٍ تتفاهم بها مركبات الصانعين المختلفين، يستحيل التناغم المرجوّ، ويصبح كل أسطولٍ جزيرةً صمّاء. وقد أكّد المنتدى الاقتصادي العالمي مراراً أن غياب التوحيد القياسي هو العائق الأكبر أمام تبنّي التنقّل الذاتي على نطاقٍ واسع، لا القدرة التقنية بحدّ ذاتها. وثانيتها سيادة البيانات وحمايتها، بحيث يُبنى التوأم الرقمي على مبدأ تقليل البيانات وإخفاء الهوية، لا على تكديسها بنهمٍ لا يرتوي. وثالثتها التدرّج الحكيم في النشر، فالقفز المفاجئ إلى أتمتةٍ كاملةٍ في بيئةٍ مختلطةٍ يقودها بشرٌ وآلاتٌ معاً وصفةٌ للفوضى لا للسلامة؛ والأذكى أن نبدأ بممراتٍ مخصّصةٍ ومناطق محصورةٍ نتعلّم منها قبل التعميم. ورابعتها، وهي الأهمّ، بناء الثقة المجتمعية؛ فالتقنية التي لا يثق بها الناس مآلها الرفض مهما بلغت نجاعتها، والثقة لا تُشترى بالحملات الدعائية بل تُكتسب بالشفافية والمساءلة وإشراك المواطن في تصميم النظام الذي سيحكم تنقّله.
وفي الأفق الأبعد، ربما يكون أعمق ما ستغيّره هذه الثورة ليس طريقة تنقّلنا، بل علاقتنا بالمدينة ذاتها وبمفهوم الزمن فيها. فالساعات التي تتبدّد اليوم في الزحام، والتي تقدّر بعض الدراسات الاقتصادية أن كلفتها على المدن الكبرى تبلغ مليارات الدولارات سنوياً، ستُستردّ لتُنفق فيما هو أجدر. لكنّ يقظةً واحدةً ينبغي ألا تفارقنا: إن المدينة التي تُلغي الزحام تماماً قد تُلغي معه شيئاً من عفويتها وفوضاها الخلّاقة التي طالما كانت رحماً للقاءات غير المتوقّعة وللحياة المدينية بكل صخبها. يرى الكاتب أن الكمال الهندسي ليس بالضرورة كمالاً إنسانياً، وأن التحدي الحقيقي أمام مدن 2029 ليس أن تبلغ الصفر في الحوادث والزحام فحسب، بل أن تفعل ذلك دون أن تبلغ الصفر في الإنسانية. فالمدينة الذكية حقاً ليست تلك التي تعرف كل شيءٍ عنّا، بل تلك التي تترك لنا، رغم كل ذكائها، مساحةً لأن نظلّ بشراً. وحين يأتي ذلك اليوم، لن يكون السؤال كيف صنعنا المدينة الذكية، بل أيَّ نوعٍ من البشر اخترنا أن نكون داخلها، وأيَّ قدرٍ من حرّيتنا قبلنا أن نودعه بين يدي مرآةٍ رقميةٍ لا تنام، تعرف عنّا ما لا نعرفه عن أنفسنا. تلك هي المسألة التي ستحدّد ملامح مدننا أكثر من أي تقنيةٍ نخترعها.