حين تطلب من آلةٍ أن تكتب قصيدةً فتكتبها، أتكون قد فكّرت، أم أنّها فقط أحسنت تقليد من فكّروا قبلها؟ هذا السؤال البسيط في ظاهره يخفي تحته هاوية، إذ نتحدّث عن الذكاء الاصطناعي وكأنّنا نعرف ما هو، بينما الحقيقة أنّنا اخترعنا اسماً قبل أن نتّفق على مسمّاه. فالمصطلح ذاته كان حيلةً تسويقية أكثر منه تعريفاً علمياً؛ إذ اعترف جون مكارثي لاحقاً بأنّه نحت كلمة «الذكاء الاصطناعي» عام 1956 ليجذب التمويل والانتباه لا ليصف ظاهرةً محدّدة المعالم. ومنذ تلك اللحظة، ونحن نحمل في أذهاننا صورةً عن عقلٍ صناعيٍّ يوشك أن يماثل عقولنا، فيما الواقع التقني يسير في وادٍ آخر تماماً.
المفارقة أنّ ما نسمّيه اليوم ذكاءً ليس عقلاً صنعناه، بل مرآةً صقلناها حتى صارت تعكس أنماطنا اللغوية والمعرفية بدقّةٍ مذهلة. فالنموذج اللغوي الذي يكتب لك رسالةً مقنعة لا «يفهم» ما يكتبه بالمعنى الذي تفهم به أنت كلماتك؛ إنّه يتنبّأ بالكلمة التالية الأرجح إحصائياً بناءً على مليارات الجمل التي ابتلعها من نتاجنا. وقد عبّرت باحثاتٌ بارزات من بينهن إيميلي بندر عن هذا بوصفٍ بات شهيراً، حين سمّين هذه النماذج «ببغاوات عشوائية» تعيد تركيب اللغة دون أن تمسّ معناها. وهنا يكمن أوّل الأوهام الإعلامية المتداولة: أنّنا نخلط بين الطلاقة والفهم، فنحسب أنّ من يتكلّم بفصاحةٍ لا بدّ أن يعي ما يقول، بينما الآلة برهنت لنا أنّ الطلاقة قد تكون قشرةً لامعة فوق فراغٍ من المعنى.
ولفهم هذا الالتباس لا بدّ من العودة إلى جذر السؤال الفلسفي. فحين اقترح آلان تورينج عام 1950 في مجلة Mind أن نستبدل سؤال «هل تفكّر الآلة؟» بسؤالٍ عمليٍّ عن قدرتها على محاكاة الإنسان حتى يعجز محاورها عن تمييزها، لم يكن يحلّ المشكلة بل يزيحها بذكاء. لقد قال ضمناً إنّ ما يهمّنا هو السلوك الظاهر لا الجوهر الخفي. غير أنّ هذه الإزاحة ذاتها هي مصدر بلبلتنا الراهنة؛ فنحن نقيس الذكاء بأثره، ثمّ نُسقط على هذا الأثر افتراضاتٍ عن وعيٍ وقصدٍ وفهمٍ لا دليل عليها. وقد فضح الفيلسوف جون سيرل هذا الخلط في تجربته الفكرية الشهيرة «الغرفة الصينية»، حين بيّن أنّ معالجة الرموز وفق قواعد ليست هي الفهم، تماماً كما أنّ من يردّد كلماتٍ صينية وفق دليلٍ لا يعرف الصينية وإن بدا للخارج عارفاً بها.
ويرى الكاتب أنّ جوهر المشكلة لا يقبع في الآلة بل فينا نحن؛ فنحن مفطورون على نسبة العقل إلى كلّ ما يحاكي سلوكنا، وهو نزوعٌ قديمٌ رصده العلماء منذ ستينيات القرن الماضي. فحين ابتكر جوزيف وايزنباوم في معهد ماساتشوستس برنامج «إليزا» الذي حاكى محاوراً نفسياً ببضع قواعد ساذجة، صُدم حين رأى الناس يبثّونه أسرارهم ويظنّون أنّه يفهمهم، حتى إنّ سكرتيرته طلبت منه أن يغادر الغرفة لتخلو بالبرنامج. ذلك هو «أثر إليزا»: استعدادنا الفطري لمنح الآلة فهماً لا تملكه. وما النماذج اللغوية الكبرى اليوم إلا «إليزا» مضاعفةً بمليارات المرّات؛ فهي أقدر على إثارة هذا الوهم فينا، لكنّها لم تغيّر طبيعته. والخطر ليس في أن تخدعنا الآلة، بل في تلهّفنا نحن على أن نُخدَع.
ثمّ إنّ ثمّة وهماً آخر أعمق من سابقه، وهو الخلط بين الذكاء العام والذكاء الضيّق. فما بين أيدينا اليوم، مهما بهرنا، هو ذكاءٌ ضيّقٌ يتقن مهمّةً بعينها دون أن يحمل أيّ فهمٍ لما يفعل؛ فالنموذج الذي يهزم بطل العالم في لعبةٍ معقّدة عاجزٌ عن أن يدرك أنّه يلعب أصلاً. وقد سبق أن خدعتنا المفارقة ذاتها حين هزم حاسوب «ديب بلو» بطل الشطرنج عام 1997، فظنّ كثيرون أنّ الآلة «فكّرت»، بينما لم تكن سوى قوّةٍ حسابيةٍ غاشمة تستعرض الاحتمالات. والقفزة من هذا الذكاء الضيّق إلى ذكاءٍ عامٍّ يضاهي مرونة العقل البشري ليست مجرّد مسألة حجمٍ أو بياناتٍ أكثر، كما يوحي خطاب الشركات؛ بل قد تتطلّب فهماً لطبيعة الوعي ما زلنا نجهله جهلاً يكاد يكون تاماً. ولهذا يحذّر باحثون في جامعتي ستانفورد وأوكسفورد من أنّ القفز من نجاحاتٍ ضيّقة إلى استنتاجاتٍ عن ذكاءٍ شاملٍ وشيك هو قفزٌ في الظلام أكثر منه استدلالاً علمياً.
ولا يكفي أن نميّز بين الذكاءين دون أن نتأمّل في طبيعة ما تفعله الآلة فعلاً؛ فهي لا تختزن المعنى بل الأنماط، ولا تعرف العالم بل تعرف كيف وُصف العالم في النصوص. ومن هنا تنشأ ظاهرة «الهلوسة» التي حيّرت كثيرين: فالنموذج حين يختلق مرجعاً لا وجود له أو واقعةً لم تقع لا يكذب بالمعنى الأخلاقي، إذ لا يملك تصوّراً عن الصدق أصلاً؛ إنّه فقط يولّد ما يبدو إحصائياً أنّه الجواب المعقول، صادقاً كان أم زائفاً. وتشير دراساتٌ جامعية حديثة إلى أنّ هذه الهلوسات ليست عطباً عارضاً يمكن إصلاحه بالكامل، بل خاصّيةٌ ملازمة لطبيعة هذه النماذج التي تقايض الدقّة بالطلاقة. وفي هذا تذكرةٌ بليغة بأنّ الأداة التي تكتب بثقةٍ مطلقة قد تكون أخطر من أداةٍ تتردّد، لأنّ الثقة الظاهرة تطفئ في القارئ حسّ الشكّ الذي هو خطّ دفاعه الأخير.
ويرى الكاتب أنّ السردية الإعلامية المتداولة يومياً تخدم مصالح من يروّجها أكثر مما تخدم الحقيقة؛ فالمبالغة في تصوير الآلة عقلاً يوشك أن يتجاوزنا ترفع أسهم الشركات وتجذب الاستثمارات، تماماً كما رفعت من قبلها أسهم «النُّظُم الخبيرة» في الثمانينيات قبل أن تنهار تحت وطأة وعودها الجوفاء فيدخل الحقل شتاءه الطويل. والمفارقة أنّ الإفراط في التهويل والإفراط في التهوين وجهان لعملةٍ واحدة؛ فمن يبشّر بآلةٍ تستعبد البشر غداً، ومن يستخفّ بها بوصفها مجرّد آلةٍ حاسبة، كلاهما يصرفنا عن السؤال الحقيقي: ما الذي تستطيع هذه الأداة فعله الآن، وما حدودها، وكيف نوظّفها بحكمة؟ وقد رصدت تقارير المنتدى الاقتصادي العالمي أنّ هذه التقنية ستعيد تشكيل ملايين الوظائف في السنوات القادمة، لا بإلغاء الإنسان بل بإعادة توزيع الأدوار بينه وبين الآلة.
وحين نتأمّل المسألة من زاويةٍ اقتصادية، تتّضح صورةٌ أكثر اتّزاناً مما يوحي به الضجيج. فقد بيّنت تجربةٌ ميدانية أجرتها جامعة هارفارد بالتعاون مع مجموعة بوسطن الاستشارية على مئاتٍ من المحترفين أنّ الآلة حين تقترن بالإنسان في المهامّ التي تحسنها ترفع جودة الأداء وسرعته رفعاً ملموساً، لكنّها حين تُستعمل خارج نطاق كفاءتها قد تضرّ بالقرار وتغرس ثقةً زائفة. ويصف باحثو هارفارد هذه الظاهرة بـ«الحافّة المسنّنة» للقدرة؛ إذ تتقن الآلة مهمّةً وتفشل في أخرى مجاورةٍ لها لا يفصل بينهما في نظر الإنسان فرقٌ ظاهر. وهنا يكمن جوهر الحكمة العملية: أنّ قيمة هذه التقنية لا تُقاس بما تَعِد به في النشرات الصحفية، بل بإتقاننا رسم الخطّ الفاصل بين ما تحسنه وما تعجز عنه.
ولعلّ من أخطر الأوهام أن نتوهّم أنّ المرآة محايدة؛ فهي تعكس ما غُذّيت به، بما يحمله من تحيّزاتٍ وثغراتٍ وزوايا نظرٍ منحازة. فإذا كانت البيانات التي تعلّمت منها الآلة تختزن أحكاماً مسبقة عن أعراقٍ أو أجناسٍ أو ثقافات، فإنّها ستعيد إنتاج تلك الأحكام بثقةٍ آلية تكسوها مظهر الحياد الموضوعي. وقد نبّهت دراساتٌ في جامعة ستانفورد ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أنّ خطر هذه التقنية لا يكمن في تمرّدها علينا بقدر ما يكمن في إخلاصها الأعمى لما لقّنّاها إيّاه؛ فهي تكبّر عيوبنا بقدر ما تكبّر مزايانا. ومن هنا فإنّ الحديث عن «ذكاءٍ موضوعيٍّ» يتجاوز انحياز البشر هو وهمٌ ثالثٌ لا يقلّ خطورةً عن سابقيه؛ إذ لا تتجاوز الآلة منبعها، بل تكثّفه وتعممه على نطاقٍ يفوق طاقة أيّ إنسانٍ منفرد.
ويرى الكاتب أنّ السياق العربي معنيٌّ بهذا النقاش عنايةً مضاعفة. فاللغة العربية ما تزال ضعيفة التمثيل في البيانات التي تتغذّى عليها هذه النماذج، ومن لا يصوغ مرآته بلغته وثقافته يتسلّم مرآةً تعكس غيره لا تعكسه. ولأنّ الأمر صار رهاناً سيادياً لا ترفاً تقنياً، جعلت رؤية السعودية 2030 من الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي ركيزةً للتحوّل، إدراكاً بأنّ من يكتفي باستهلاك التقنية يظلّ أسير تصوّر غيره للعالم، بينما من يشارك في صياغتها يفرض حضوره في المرآة التي ستعكس وعي الأجيال القادمة. والتحدّي هنا ليس في امتلاك الأدوات فحسب، بل في امتلاك الوعي النقدي الذي يميّز بين القدرة الحقيقية والوهم المسوّق.
أمّا الركائز العملية التي تنجّينا من متاهة الأوهام فثلاثٌ في تقدير الكاتب. أولاها أن نسأل دائماً عن المهمّة المحدّدة لا عن «الذكاء» المجرّد؛ فالسؤال الصحيح ليس «هل الآلة ذكية؟» بل «ماذا تحسن هذه الأداة بالضبط، وأين تخطئ؟». وثانيتها أن نحرس وعينا من «أثر إليزا»، فلا نمنح الطلاقة اللغوية ثقةً لا تستحقّها، ونتذكّر أنّ خلف كلّ جوابٍ أنيق احتمالاً إحصائياً لا فهماً واعياً. وثالثتها أن نُبقي الإنسان في موضع القرار والمساءلة؛ فالآلة قد تقترح، لكنّ المسؤولية الأخلاقية تظلّ عبئاً بشرياً لا تحمله خوارزمية. وهذه الركائز الثلاث، على بساطتها، هي خطّ الدفاع الأوّل ضدّ صيفٍ محمومٍ من المبالغات قد يحرق ثقة الناس قبل أن تنضج الثمار الحقيقية.
ولعلّ أصدق ما يُقال في ماهية الذكاء الاصطناعي أنّه ليس عقلاً صنعناه، ولا مرآةً جامدة عكسناها، بل شيءٌ بينهما؛ مرآةٌ نشطة تعيد تركيب ما تعكسه فتبدو أحياناً وكأنّها تبدع، بينما هي تعيد توليفنا نحن بصورةٍ لم نألفها. وفي هذا بالذات تكمن خطورتها وقيمتها معاً؛ فهي تكشف لنا عن أنفسنا أكثر مما تكشف عن آلةٍ مستقلّةٍ بذاتها. وحين نحدّق فيها طويلاً، لا نرى عقلاً غريباً يحدّق فينا، بل نرى انعكاس أنماطنا ولغتنا وتحيّزاتنا مكبّرةً ومصقولة. فالسؤال الذي يستحقّ أن نحمله إلى الغد ليس متى ستفكّر الآلة كما نفكّر، بل ماذا تكشف لنا هذه المرآة عن طبيعة تفكيرنا نحن، وهل نملك من الوعي ما يكفي لنقرأ انعكاسنا فيها دون أن نخدع أنفسنا بأنّه وجهٌ آخر غير وجوهنا. فحقيقة الذكاء الاصطناعي، في نهاية المطاف، ليست سؤالاً عن الآلة، بل سؤالٌ عنّا.