لماذا يخشى عملاقُ التقانة الذي يملك ثلاثمئة مليون مستخدم نشط أن يستيقظ ذات صباحٍ فيجدَ تاجَه قد انتقل إلى منافسٍ لم يكن أحدٌ يحسب له حساباً قبل عامين؟
هذا هو السؤال الذي يلخّص المشهد الراهن أصدقَ تلخيص، إذ لم يعد ChatGPT الذي أطلقته شركة OpenAI في أواخر عام ألفين واثنين وعشرين هو الاسمَ الوحيد في الغرفة، بل صار رأسَ حربةٍ في سباقٍ محموم تتزاحم فيه كوكبةٌ من النماذج تتقارب في القدرة وتتباين في الفلسفة. والمفارقة أنّ المستخدم العادي، الذي ظنّ أنّه أمام أداةٍ واحدةٍ سحرية، يجد نفسه فجأةً أمام سوقٍ تنافسيةٍ معقّدة عليه أن يختار فيها، تماماً كما يختار سيارةً أو هاتفاً، لا كما يتلقّى معجزةً نازلةً من السماء. ومن هنا تبدأ الحكاية الحقيقية لما بعد ChatGPT.
لنبدأ من الخلفية المعرفية كي لا نتيه في زحام الأسماء. النماذج اللغوية الكبيرة جميعها تنحدر من أصلٍ واحد: البنية المعمارية المسمّاة المحوّلات، التي قدّمها باحثون من Google في ورقتهم الشهيرة عام ألفين وسبعة عشر تحت عنوانٍ بات أيقونياً مفاده أنّ الانتباه هو كلّ ما تحتاجه. ومن تلك البذرة الواحدة تفرّعت شجرةٌ كثيفة، فظهرت عائلة GPT من OpenAI، وعائلة Gemini من Google، وعائلة Claude من شركة Anthropic، وعائلة Llama المفتوحة من Meta، ثمّ جاءت الموجة الصينية لتزلزل الحسابات كلّها مع نماذج مثل DeepSeek وQwen. وما يجمع هذه النماذج أنّها تتعلّم من كمياتٍ هائلة من النصوص ثمّ تتنبّأ بالكلمة التالية، لكنّ ما يفرّقها هو حجم التدريب، وجودة البيانات، وفلسفة المواءمة الأخلاقية، ونمط الشخصية التي تتحدّث بها. وقد رصد تقرير مؤشّر الذكاء الاصطناعي الصادر عن جامعة ستانفورد في نسخته الأخيرة حقيقةً لافتة، مفادها أنّ الفجوة في الأداء بين النماذج المتصدّرة ضاقت ضيقاً شديداً، حتى صار الفارق بين الأوّل والعاشر هامشاً نحيلاً بعد أن كان هوّةً سحيقة.
وحين ننتقل من العموميات إلى التشريح الدقيق، تتبدّى ملامح كلّ متنافسٍ بوضوح. فعائلة GPT من OpenAI تظلّ الأكثر شهرةً وانتشاراً، وتمتاز بتنوّع قدراتها وبشبكة شركائها الواسعة التي يتصدّرها تحالفها مع Microsoft، لكنّها تُؤخذ عليها تكلفتها المرتفعة في الاستخدام المكثّف وغموضها المتزايد حول تفاصيل تدريبها بعد أن كانت شركةً تتبنّى الانفتاح اسماً وفعلاً. أمّا Gemini من Google فيستند إلى إرثٍ بحثيٍّ عميق وإلى تكاملٍ مذهلٍ مع منظومة خدمات الشركة من بحثٍ وبريدٍ ومستندات، وتبرز قوّته في معالجة السياقات الطويلة جداً وفي الوسائط المتعدّدة من صورةٍ وصوتٍ وفيديو، غير أنّ بعض المستخدمين يأخذون عليه تذبذباً في الاتّساق وحذراً مفرطاً أحياناً. وفي المقابل، بنت Anthropic نموذجها Claude على فلسفةٍ مغايرة تجعل من الأمان وسلامة المخرجات حجرَ الزاوية، عبر منهجٍ سمّته الدستورية يُلزم النموذج بمبادئ أخلاقيةٍ صريحة، فجاء أقربَ إلى الكتابة الطويلة الرصينة والتحليل الدقيق والبرمجة المعقّدة، وإن وُصف أحياناً بأنّه أكثر تحفّظاً مما يشتهي بعض المستخدمين.
ولا يكتمل المشهد دون الإشارة إلى الفصيل الذي قلب الطاولة: النماذج المفتوحة المصدر. فحين أتاحت Meta نماذج Llama للعموم، فتحت باباً لم يكن أحدٌ يتوقّع اتّساعه، إذ صار بإمكان الشركات الصغيرة والباحثين والحكومات أن يشغّلوا نماذج قويةً على خوادمهم الخاصة دون أن يرفعوا بياناتهم إلى سحابةٍ أجنبية. ثمّ جاءت الصدمة الكبرى مطلع عام ألفين وخمسة وعشرين حين أعلنت شركة DeepSeek الصينية نموذجاً يضاهي الكبار في الأداء بكلفةٍ تدريبيةٍ يُقال إنّها جزءٌ يسيرٌ ممّا أنفقه المنافسون، فاهتزّت أسواق المال وتبخّرت مليارات من القيمة السوقية لشركات الرقائق في جلسةٍ واحدة. وهنا يرى الكاتب أنّ المعنى الأعمق لهذه الواقعة لم يكن تقنياً بقدر ما كان اقتصادياً وجيوسياسياً، إذ كشفت أنّ الميزة التنافسية في هذا الحقل ليست خندقاً عميقاً يصعب عبوره كما ظنّ كثيرون، بل خطٌّ رمليٌّ يُمحى بموجةٍ واحدة من الابتكار الذكي في كفاءة التدريب.
ولأنّ الخطاب السائد يميل إلى تصوير هذا السباق على أنّه مباراةٌ رياضيةٌ سيظفر فيها فائزٌ واحدٌ يأخذ كلّ شيء، فإنّ الكاتب يرى أنّ هذا التصوّر مضلّلٌ في جوهره. فالتاريخ يعلّمنا أنّ الأسواق التقنية الناضجة نادراً ما تنتهي إلى احتكارٍ كامل، بل تميل إلى التخصّص والتجزّؤ، تماماً كما لم يقضِ نظام تشغيلٍ واحد على البقية، ولم تبتلع منصّةٌ سحابيةٌ واحدة السوق كلّه. والأرجح أنّنا متّجهون نحو عالمٍ تتعدّد فيه النماذج بتعدّد الحاجات: نموذجٌ ضخمٌ باهظ للمهامّ المعقّدة، ونماذج صغيرةٌ رشيقة تعمل على الهاتف لمهامّ يومية، ونماذج متخصّصة دُرّبت على بياناتٍ طبيةٍ أو قانونيةٍ أو هندسية. وهذا التنوّع في ذاته نعمةٌ للمستخدم، لأنّ المنافسة تخفض الأسعار وترفع الجودة وتمنع أيّ طرفٍ من فرض شروطه منفرداً. فمن كان يدفع مبالغ طائلة مقابل واجهةٍ برمجيةٍ قبل عامين يجدها اليوم بكسرٍ من ثمنها، وهذا وحده دليلٌ على أنّ المستهلك هو الرابح الأكبر في معمعة العمالقة.
ولا ينبغي أن يقتصر تحليلنا على القدرة الخام، فثمّة أبعادٌ أخرى صارت حاسمةً في الاختيار. أوّلها بُعد الخصوصية وسيادة البيانات، إذ تتزايد حساسية الشركات والحكومات تجاه المكان الذي تُعالَج فيه معلوماتها، وهنا تبرز قيمة النماذج المفتوحة التي يمكن تشغيلها محلياً. وثانيها بُعد التكلفة الحقيقية التي لا تُقاس بسعر الاشتراك وحده بل بكفاءة الاستهلاك عند التشغيل واسع النطاق. وثالثها بُعد الموثوقية ومقاومة ما يُعرف بالهلوسة، أي اختلاق النموذج معلوماتٍ تبدو وجيهةً لكنّها زائفة، وهي آفةٌ لم يسلم منها نموذجٌ بعد، وإن تفاوتت النماذج في معدّلاتها. وقد نبّهت دراساتٌ من معهد ماساتشوستس للتقنية ومن باحثين في جامعة ستانفورد مراراً إلى أنّ الثقة العمياء في مخرجات هذه النماذج، خصوصاً في المجالات الحسّاسة كالطبّ والقانون، مغامرةٌ محفوفةٌ بالمخاطر ما لم يبقَ الإنسانُ المتخصّص في حلقة المراجعة. ويضيف الكاتب أنّ المعيار الذي يغفل عنه كثيرون هو معيار النضج المؤسسي للمزوّد نفسه: أتظلّ الشركة قائمةً بعد ثلاث سنوات؟ أتحافظ على واجهتها البرمجية دون تغييراتٍ مفاجئة تكسر تطبيقاتك؟ فالرهان على نموذجٍ هو رهانٌ على شركةٍ بقدر ما هو رهانٌ على تقنية.
فأين يقف العالم العربي من هذا كلّه، وكيف يتموضع في سباقٍ بدأ بعيداً عن ملعبه؟ هنا تبرز رؤية السعودية ألفين وثلاثين بوصفها محاولةً جادّةً للانتقال من موقع المستهلك إلى موقع المنتج، إذ أطلقت المملكة عبر مؤسساتها نماذج لغويةً عربيةً ضخمةً تهدف إلى أن تكون اللغة العربية حاضرةً في صلب هذه الثورة لا على هامشها. ويرى الكاتب أنّ المعركة الأهمّ للعرب ليست في بناء نموذجٍ ينافس الكبار في كلّ شيء، فهذا سباقٌ مكلفٌ قد لا يكون أحكم الخيارات، بل في إتقان فنّ المواءمة والتخصيص: أخذ النماذج المفتوحة الجاهزة وتطويعها للسياق العربي لغةً وثقافةً وفقهاً وأنظمةً محلية. فالميزة التنافسية الحقيقية لمنطقتنا تكمن في البيانات العربية النادرة وفي فهم السياق المحلّي الذي يستعصي على نموذجٍ دُرّب أساساً على الإنجليزية، لا في محاولة اللحاق بمن سبقونا في ميدانٍ رسموا قواعده.
وعلى المستوى العملي، تتبلور للمستخدم والشركة ركائز تُغني عن التيه في زحام الخيارات. الركيزة الأولى ألّا تتزوّج نموذجاً واحداً، بل تبني بنيةً مرنةً تسمح بالتنقّل بين النماذج بحسب المهمّة والكلفة، فما يصلح للكتابة قد لا يصلح للبرمجة، وما يبرع في التلخيص قد يخفق في الاستدلال الرياضي. الركيزة الثانية أن تختبر بنفسك لا أن تثق بالدعاية، فالمعايير المعلنة شيءٌ وأداء النموذج على مهامّك الفعلية شيءٌ آخر، والتجربة المباشرة على عيّنةٍ من عملك أصدق دليل. الركيزة الثالثة أن توازن بين القدرة والخصوصية والتكلفة بحسب طبيعة بياناتك، فالبيانات الحسّاسة قد تستدعي نموذجاً مفتوحاً تشغّله بنفسك ولو كان أقلّ بريقاً. الركيزة الرابعة، وهي الأهمّ، أن تستثمر في مهارة صياغة الأوامر ومراجعة المخرجات، لأنّ القيمة لم تعد في امتلاك الأداة بل في حسن توجيهها ونقد ما تنتجه. فالنموذج الأذكى في يدٍ غير مدرّبة أقلّ نفعاً من نموذجٍ متواضعٍ في يدٍ خبيرة.
ولعلّ ممّا يستحقّ التأمّل أنّ الحديث عن تفوّق نموذجٍ بعينه يتقادم بسرعةٍ مذهلة، إذ ما إن يُتوّج نموذجٌ متصدّراً في معيارٍ ما حتى يأتي منافسٌ بعد أسابيع ليطيح به، فصارت الصدارة منصباً مؤقّتاً لا عرشاً دائماً. وهذا التسارع في حدّ ذاته يحمل رسالةً عملية: من يبني قراره الاستراتيجي على لحظةٍ راهنةٍ من التفوّق يبني على رمل، والأحكم أن يبني على المرونة والقدرة على التحوّل. وقد لاحظ مراقبون في أوساطٍ بحثيةٍ عريقة أنّ القيمة المستدامة لا تنشأ من امتلاك أحدث نموذجٍ في لحظةٍ عابرة، بل من تراكم الخبرة المؤسسية في توظيف هذه الأدوات وحوكمتها على المدى الطويل، فالأداة تتبدّل والخبرة تبقى.
ثمّ إنّ ثمّة بُعداً ثقافياً ولغوياً كثيراً ما يُهمَل في خضمّ الانبهار بالأرقام والمعايير. فهذه النماذج، مهما بلغت قدرتها، تظلّ مرآةً للبيانات التي تدرّبت عليها، وأغلبها بياناتٌ إنجليزيةٌ منحازةٌ إلى سياقٍ ثقافيٍّ بعينه، ممّا يجعل أداءها في العربية وفي فهم خصوصياتنا أضعفَ بدرجاتٍ ملموسة. ويرى الكاتب أنّ تجاهل هذه الحقيقة خطأٌ استراتيجيٌّ فادح، لأنّ من يتّكئ على نموذجٍ أجنبيٍّ في معالجة شؤونه الحسّاسة لغةً وثقافةً وقيماً يستورد معها تحيّزاتٍ خفيةً قد لا ينتبه إليها إلّا بعد فوات الأوان. ومن هنا تكتسب الجهود العربية في بناء نماذج ناطقةٍ بلغة الضادّ بُعداً يتجاوز الفخر الوطني إلى ضرورةٍ معرفيةٍ وسياديةٍ لا غنى عنها.
وفي الأفق المنظور، يرى الكاتب أنّ السؤال الحقيقي لم يعد أيّ نموذجٍ يفوز، بل كيف تتغيّر طبيعة المنافسة ذاتها. فالنماذج تتّجه نحو أن تصير سلعةً أساسيةً رخيصةً متوافرة، تماماً كما صارت الكهرباء، وستنتقل المعركة من بناء النموذج إلى بناء ما يُحيط به: الوكلاء الأذكياء الذين ينفّذون مهامّ مركّبة، والتطبيقات التي تدمج النموذج في سير العمل اليومي، والبنية التي تربطه ببياناتك الخاصة بأمان. ومن يقرأ هذا التحوّل مبكّراً يدرك أنّ التفوّق لن يكون لمن يملك أقوى نموذج، بل لمن يُحسن نسجه في نسيج حياته وأعماله. فما بعد ChatGPT ليس نموذجاً واحداً يخلفه، بل نظامٌ بيئيٌّ كاملٌ يتشكّل أمام أعيننا، ومن يفهم منطقه اليوم، فرداً كان أو شركةً أو أمّةً، يكتب لنفسه موقعاً في مستقبلٍ لن ينتظر المتردّدين.