حين تتأمّل ذراعاً آليةً عملاقةً في مصنعٍ للسيارات وهي تلحم الهياكل المعدنية بدقّةٍ لا تخطئ، ثمّ تتأمّل مساعداً صوتياً صغيراً يكتب لك رسالةً بليغةً في ثوانٍ معدودة، أيّهما تَعدّه «ذكاءً اصطناعياً»؟ المفارقة أنّ كثيرين سيشيرون إلى الذراع الفولاذية الضخمة، بينما هي قد لا تحمل من الذكاء ذرّةً واحدة، في حين أنّ ذلك الصوت الخفيّ الذي لا جسد له هو الذي يطوي بين طيّاته العقل الاصطناعي الحقيقي. وفي هذا الالتباس بالذات يكمن خطأٌ مفهوميٌّ نرتكبه كلّ يوم، وندفع ثمنه في قراراتٍ استثماريةٍ خاطئة، وسياساتٍ تنظيميةٍ مضطربة، ومخاوفَ في غير محلّها، وآمالٍ معلّقةٍ على غير أساس.
إنّ الخلط بين الروبوت والذكاء الاصطناعي ليس زلّةً لغويةً عابرة، بل هو سوء فهمٍ بنيويٌّ يضرب في جذور تصوّرنا للتقنية ذاتها. فالروبوت، في أبسط تعريفاته، نظامٌ ماديٌّ ملموس، جسدٌ من معدنٍ وأسلاكٍ ومحرّكاتٍ ومجسّات، صُمّم ليتحرّك في الفضاء الفيزيائي وينفّذ مهامّ ملموسةً في عالم الأشياء. أمّا الذكاء الاصطناعي فهو على النقيض من ذلك تماماً؛ إنّه كيانٌ برمجيٌّ محض، مجموعةٌ من الخوارزميات والنماذج الرياضية التي لا تسكن مكاناً بعينه، بل تجري في صمتٍ داخل المعالجات، تتعلّم من البيانات وتستخلص الأنماط وتتّخذ القرارات. الأوّل عضلةٌ بلا عقلٍ بالضرورة، والثاني عقلٌ بلا عضلةٍ بالضرورة. وقد عرّفت دراساتٌ في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا الروبوتات بوصفها آلاتٍ قابلةً للبرمجة تستشعر محيطها وتتفاعل معه ماديّاً، وهو تعريفٌ لا يستلزم وجود ذكاءٍ من أيّ نوع.
ولعلّ خير ما يوضّح هذه القسمة أن نتأمّل الروبوتات الصناعية التي ملأت مصانع العالم منذ ستينيات القرن الماضي. فمنذ أن دخل أوّل روبوتٍ صناعيٍّ خطوط الإنتاج في مطلع تلك الحقبة، ظلّت هذه الآلات لعقودٍ طويلةٍ تكرّر حركاتٍ مبرمجةً مسبقاً بدقّةٍ بالغة، دون أن تفهم شيئاً ممّا تفعله، ودون أن تتعلّم أو تتكيّف. كانت تنفّذ تعليماتٍ صريحةً كتبها لها مهندسٌ بشري، لا أكثر. وحين يتعطّل خطّ الإنتاج أو يتغيّر موضع قطعةٍ بمليمتراتٍ قليلة، كانت تلك العمالقة الفولاذية تعجز عن التصرّف، لأنّها لا تملك من الإدراك ما يسمح لها بفهم التغيير. هذه آلاتٌ، نعم، وروبوتاتٌ بكلّ معنى الكلمة، لكنّها خاليةٌ من الذكاء الاصطناعي خلوّاً تامّاً. وفي المقابل، نجد اليوم خوارزمياتٍ ذكيةً تُشخّص الأمراض من صور الأشعّة، أو تترجم بين اللغات، أو تقود محادثةً متماسكة، دون أن يكون لها جسدٌ أو ذراعٌ أو مجسّ، فهي ذكاءٌ اصطناعيٌّ خالصٌ بلا روبوتٍ على الإطلاق.
ويرى الكاتب أنّ جذر هذا الالتباس ثقافيٌّ قبل أن يكون تقنيّاً. فالخيال العلمي، من أفلام هوليوود إلى الروايات، رسّخ في الوعي الجمعي صورةً واحدةً مهيمنة: الإنسان الآلي ذو الملامح البشرية الذي يفكّر ويشعر ويتمرّد. هذه الصورة دمجت قسراً بين الجسد المعدني والعقل الواعي في كيانٍ واحدٍ مخيف، فصار الناس يتصوّرون أنّ الذكاء الاصطناعي لا بدّ أن يأتي في هيئة روبوتٍ يمشي على قدمين، وأنّ كلّ روبوتٍ لا بدّ أن يكون ذكيّاً وخطراً. وقد نبّهت أبحاثٌ في جامعة ستانفورد ضمن مشروعها المعنيّ بدراسة الذكاء الاصطناعي على مدى قرنٍ كامل إلى أنّ هذا التصوّر المستمدّ من الخيال يشوّه النقاش العام ويحرفه عن مساره الرشيد، إذ يُلبس التقنية أردية البشر فيغذّي الخوف ويحجب الفهم.
غير أنّ المسألة لا تقف عند حدود التصوّر الشعبي، بل تمتدّ إلى ساحة الاقتصاد والسياسة بآثارٍ ملموسة. فحين يخلط صانع القرار بين الأتمتة الميكانيكية الصرفة وبين الذكاء الاصطناعي، تختلّ تقديراته لمستقبل العمل اختلالاً جسيماً. وقد ميّز تقريرٌ صادرٌ عن المنتدى الاقتصادي العالمي بعنايةٍ بين الوظائف المهدّدة بالأتمتة المادية وتلك المعرّضة لأثر الخوارزميات الذكية، مبيّناً أنّ كلّ نوعٍ يطال قطاعاتٍ مختلفةً ومهاراتٍ متباينة. فالأتمتة الميكانيكية تطال الأعمال اليدوية المتكرّرة في المصانع والمستودعات، بينما يطال الذكاء الاصطناعي البرمجي الأعمال المعرفية والتحليلية في المكاتب والمختبرات. ومن يخلط بين الميدانين سيخطئ حتماً في توجيه برامج إعادة التأهيل المهني، وفي رسم سياسات التعليم، وفي تخصيص الموارد. وقد أشارت منظّمة التعاون الاقتصادي والتنمية في تحليلاتها إلى أنّ الأثر الحقيقي للذكاء الاصطناعي على سوق العمل يتركّز في تحوّل طبيعة المهامّ لا في إحلالٍ شاملٍ للوظائف، وهو تمييزٌ يضيع تماماً حين نخلط الأنظمة المادية بالبرمجية.
ولا يقلّ الخلط ضرراً حين ينتقل إلى ميدان التنظيم القانوني والأخلاقي. فالتشريع الذي يُصاغ لضبط روبوتٍ ماديٍّ يتحرّك بين البشر، كالمركبة ذاتية القيادة أو الروبوت الجرّاح، يختلف جذرياً عن التشريع الذي يلزم لضبط نظامٍ برمجيٍّ يتّخذ قراراتٍ ائتمانيةً أو يُرشّح محتوًى أو يُقيّم طلبات التوظيف. الأوّل تحكمه اعتباراتٌ تتّصل بالسلامة الجسدية والمسؤولية عن الأضرار المادية، والثاني تحكمه اعتباراتٌ تتّصل بالخصوصية والتحيّز والشفافية وعدالة القرار الخوارزمي. وقد أكّدت دراساتٌ في جامعة أكسفورد ضمن اهتمامها بحوكمة الذكاء الاصطناعي أنّ الأطر التنظيمية التي لا تميّز بين هذين النمطين تقع في فخّ التعميم، فإمّا أن تُفرط في تقييد المفيد أو تُفرّط في ضبط الخطير. ويرى الكاتب أنّ كثيراً من جدلنا العربي حول «خطر الروبوتات» إنّما يستهلك الطاقة في معركةٍ وهمية، بينما القضايا الحقيقية الملحّة تكمن في الخوارزميات غير المرئية التي تتسلّل إلى قراراتنا اليومية دون أن نراها أو نشعر بها.
على أنّ الإنصاف يقتضي الاعتراف بأنّ الحدّ الفاصل بين العالمين لم يعد قاطعاً كما كان. فثمّة منطقةٌ خصبةٌ يلتقي فيها الميدانان، هي ما يُعرف بالروبوتات الذكية، حيث يُحقن الجسد المادي بعقلٍ برمجي. فالمركبة ذاتية القيادة روبوتٌ بكلّ معنى الكلمة، لكنّها مزوّدةٌ بذكاءٍ اصطناعيٍّ يمكّنها من إدراك محيطها واتّخاذ القرار لحظيّاً. والروبوت الذي يتعلّم الإمساك بالأشياء من تجربته بدل أن يُبرمج حركةً حركة، هو زواجٌ بين الجسد والعقل. لكنّ هذا التداخل، على أهمّيته، لا يلغي التمييز المفهومي بل يؤكّده؛ إذ يظلّ بإمكاننا، بل من واجبنا، أن نفكّ الكيان المركّب إلى مكوّنيه: ها هنا جسدٌ روبوتيّ، وها هنا عقلٌ برمجيّ يقوده. ومن يدرك هذا الفصل المفهومي يدرك أنّ الذكاء قد ينتقل من جسدٍ إلى آخر كما تنتقل الروح في تصوّرٍ مجازي، وأنّ الجسد قد يبقى بلا روحٍ ذكيةٍ فيظلّ مجرّد آلةٍ صمّاء.
ويرى الكاتب أنّ امتلاك هذا الوضوح المفهومي ليس ترفاً نظرياً يشغل به الأكاديميون أنفسهم، بل هو شرطٌ عمليٌّ لأيّ مجتمعٍ يطمح إلى أن يصنع التقنية لا أن يستهلكها فحسب. فالعالم العربي، وهو يدخل عصر التحوّل الرقمي بخطًى متسارعة، أحوج ما يكون إلى تفكيك هذا الالتباس من جذوره. ولعلّ في رؤية المملكة العربية السعودية لعام ألفين وثلاثين، بما تضمّنته من رهانٍ جادٍّ على الاقتصاد المعرفي والتقنيات المتقدّمة، نموذجاً يستدعي هذا التمييز بإلحاح؛ فالاستثمار في الذكاء الاصطناعي البرمجي، الذي يُبنى بالعقول والبيانات والخوارزميات، يختلف في متطلّباته ومخرجاته عن الاستثمار في التصنيع الروبوتي الذي يُبنى بالمصانع والمعادن وخطوط الإنتاج. ومن يخلط بين المسارين قد يضع المال في غير موضعه، فيبني مصانع للأجساد وهو يظنّ أنّه يبني عقولاً.
ولهذا فإنّ الركائز العملية للتعامل مع هذه الثنائية تبدأ من السؤال الصحيح: حين تواجه أيّ نظامٍ تقني، اسأل أوّلاً أين يكمن جوهره، أفي حركةٍ ماديةٍ في الفضاء أم في معالجةٍ ذهنيةٍ للمعلومات؟ ثمّ اسأل: هل يتعلّم ويتكيّف أم يكرّر ما بُرمج عليه؟ فالتعلّم والتكيّف هما بصمة الذكاء الاصطناعي لا بصمة الروبوتية. ثمّ اسأل ثالثاً: ما طبيعة المخاطر المحتملة، أهي مخاطر جسديةٌ ملموسة أم مخاطر معرفيةٌ خفيّةٌ في القرار والتحيّز والخصوصية؟ هذه الأسئلة الثلاثة كفيلةٌ بأن تعيد كلّ نظامٍ إلى موضعه الصحيح في خريطتنا الذهنية، فلا نخشى عضلةً بلا عقل، ولا نغفل عن عقلٍ بلا عضلة.
وثمّة بُعدٌ تاريخيٌّ يضيء هذه القسمة لمن يتأمّله. فالروبوتية بوصفها حقلاً هندسياً وُلدت من رحم الميكانيكا والتحكّم الآلي، وكانت غايتها الأولى أن تنوب الآلة عن العضلة البشرية في الأعمال الشاقّة أو الخطرة أو المتكرّرة. أمّا الذكاء الاصطناعي بوصفه حقلاً علميّاً فقد وُلد من رحم المنطق والرياضيات وعلم النفس المعرفي، وكانت غايته الأولى أن تحاكي الآلة العقل البشري في الاستدلال وحلّ المشكلات. حقلان مختلفان في المنشأ والأدوات والأسئلة، التقيا متأخّراً حين بلغ كلٌّ منهما نضجاً يسمح بالتزاوج. ويرى الكاتب أنّ تجاهل هذا الاختلاف في النسب هو ما يجعل كثيرين يتوهّمون أنّ الميدانين شيءٌ واحدٌ منذ البدء، بينما الحقيقة أنّهما نهران انحدرا من قمّتين متباعدتين قبل أن يصبّا في وادٍ واحد.
وممّا يعمّق الالتباس أنّ بعض ما نراه روبوتاتٍ في الإعلام ليس سوى دُمًى متقنةٍ تُحرّك عن بُعد أو تُبرمج لتؤدّي عرضاً مسرحياً، فلا هي تفكّر ولا هي تستقلّ بقرار. وفي المقابل، فإنّ أعظم منظومات الذكاء الاصطناعي أثراً في حياتنا اليوم لا تُرى بالعين البتّة؛ إنّها تعمل في خوادم بعيدة، تُرتّب لنا نتائج البحث، وتُحدّد ما نراه على الشاشات، وتُقدّر جدارتنا الائتمانية، وتُوجّه إعلاناتٍ بعينها إلينا دون سوانا. هذه المنظومات الخفيّة هي القوّة الحقيقية للذكاء الاصطناعي المعاصر، وهي التي ينبغي أن تشغل بالنا حين نتحدّث عن الأثر والمخاطر، لا تلك الأشكال المعدنية المتحرّكة التي تتصدّر العناوين بينما هي الأقلّ تأثيراً في معاشنا اليومي.
وفي أفق المستقبل، يبدو أنّ المسافة بين العقل البرمجي والجسد المادي ستزداد التباساً مع تقدّم الروبوتات الإنسانية الشكل، تلك التي تجمع بين الهيئة البشرية والذكاء المتقدّم. وقد تنبّأت أبحاثٌ في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا بأنّ الجيل القادم من الروبوتات سيستمدّ قوّته لا من معدنه بل من خوارزمياته، أي من الذكاء الذي يسكنه. وهنا تحديداً يصبح التمييز المفهومي أكثر إلحاحاً لا أقلّ؛ فكلّما اندمج العالمان ظاهريّاً، وجب علينا أن نُحكم الفصل بينهما ذهنيّاً، كي لا نُسلّم زمام فهمنا لانطباعٍ خادع. إنّ السؤال الذي بدأنا به ـ أيّهما الذكاء الاصطناعي ـ سيظلّ يطاردنا، لكنّ من يملك أدوات التفكيك الصحيحة لن يعود يخدعه شكلٌ ولا يبهره بريقٌ. فالحكمة، في نهاية المطاف، ليست في أن نخاف الآلة أو نقدّسها، بل في أن نراها على حقيقتها: جسداً هنا، وعقلاً هناك، وأحياناً اجتماعهما في كيانٍ واحدٍ نملك وحدنا، نحن البشر، أن نوجّهه حيث نشاء.