أربكَ سوقُ العمل قاعدةً ظنَّها الطامحون راسخة: أن الشهادةَ هي الجواز، وأن إتمامَ الدورة هو الإذنُ بالدخول. فحامِلُ الشهادات اليوم قد يُردُّ على عتبة المقابلة، بينما يُستدعى مَن لا يحمل سوى رابطٍ إلى مستودعٍ رقميٍّ فيه ثلاثةُ مشاريع تشتغل بالفعل. ما الذي انقلب حتى صارت البرهنةُ أبلغَ من الادّعاء، وصار العملُ المنجَزُ يتكلم نيابةً عن صاحبه قبل أن ينطق هو بحرف؟ المفارقة أن الذكاء الاصطناعي، وهو الحقلُ الذي تتكاثر فيه الشهاداتُ والدوراتُ تكاثرًا لم يعرفه حقلٌ من قبل، هو ذاته الحقلُ الذي تآكلت فيه قيمةُ الشهادة أسرعَ من أي ميدانٍ آخر. والسبب بسيطٌ في عمقه: حين يستطيع أيُّ أحدٍ أن يدّعي المعرفة، تصير المعرفةُ المدّعاةُ بلا ثمن، ويبقى البرهانُ وحده عملةً نادرة.
لفهم هذا الانقلاب ينبغي العودةُ إلى طبيعة الكفاءة في هذا الحقل تحديدًا. فالذكاء الاصطناعي ليس جسدًا معرفيًّا ثابتًا يُحفظ ثم يُمتحَن فيه المرء كما تُمتحَن قواعدُ النحو، بل هو ممارسةٌ تتجدد أدواتُها كل بضعة أشهر، وتتبدل أُطرُها ونماذجُها بإيقاعٍ يجعل المنهجَ الذي دُرِّس قبل عامين أقربَ إلى الأثر التاريخي منه إلى المرجع العملي. ومن ثَمَّ فإن ما يبحث عنه مَن يوظِّف ليس دليلًا على أن المتقدم سمع عن خوارزميةٍ ما، بل دليلًا على أنه واجه بياناتٍ فوضوية، وروّض نموذجًا عنيدًا، وأخرج من ذلك كله شيئًا يعمل. وقد لاحظ منتدى الاقتصاد العالمي في تقاريره المتتابعة عن مستقبل الوظائف أن المهاراتِ التطبيقيةَ المرتبطةَ بالذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات صارت في صدارة ما يطلبه أربابُ العمل، وأن الفجوةَ لم تعد بين مَن درس ومَن لم يدرس، بل بين مَن يستطيع أن يصنع ومَن يكتفي بأن يعرف.
وهنا يبرز مفهوم المحفظة، أو ما يسميه أهلُ الصنعة بسجل الأعمال، بوصفه البديلَ العمليَّ عن السيرة الذاتية المجردة. والمحفظة في جوهرها ليست معرضًا للتباهي، بل هي حُجّةٌ منظَّمة: مجموعةٌ من المشاريع التي يستطيع صاحبُها أن يقول عن كلٍّ منها هذه مشكلةٌ واجهتها، وهذا حلٌّ ابتكرته، وهذه نتيجةٌ قِسْتُها بالأرقام. وقد دأبت كلياتُ هندسة الحاسب في جامعاتٍ كبرى، ومنها ما يُدرَّس في معهد ماساتشوستس للتقنية، على بناء مقرراتها حول المشاريع الفعلية لا حول الاختبارات النظرية، إيمانًا بأن المعرفة لا تترسخ إلا حين تصطدم بمسألةٍ حقيقية تقاوم الحلَّ الجاهز. والطالبُ الذي يخرج من تجربةٍ كهذه لا يحمل في يده درجةً فحسب، بل يحمل قصةً يرويها وأثرًا يعرضه.
يرى الكاتب أن الخطأ الأشيع الذي يقع فيه المبتدئون هو ظنُّهم أن المحفظة تُبنى بكثرة المشاريع، فيتكدّس عندهم عشراتُ المحاولات الناقصة، كلٌّ منها نسخةٌ مكرورةٌ من تمرينٍ شائعٍ نقله عن غيره بلا تعديلٍ ولا روح. والحقيقة أن ثلاثةَ مشاريع عميقة، يحمل كلٌّ منها بصمةً شخصيةً وقرارًا هندسيًّا أصيلًا، أبلغُ من ثلاثين مشروعًا سطحيًّا تشهد على القدرة على النسخ لا على القدرة على الإبداع. فمَن يستعرض محفظةَ متقدمٍ يبحث عن أثر العقل فيها: لماذا اخترتَ هذا النموذج دون ذاك؟ كيف عالجتَ نقصَ البيانات؟ بمَ فسّرتَ فشلَ المحاولة الأولى؟ هذه الأسئلةُ لا يجيب عنها التكديس، بل تجيب عنها العمق، والعمقُ لا يُقاس بالكثرة بل بالقرار.
ويرى الكاتب أن ثمة مغالطةً ثانيةً تستحق الكشف، وهي الاعتقاد بأن المشروع المُبهر تقنيًّا هو المشروعُ الأكثر إقناعًا. فكثيرٌ من المتقدمين ينجذبون إلى تقليد أحدث ما تنشره مختبراتُ البحث، فيحاولون بناءَ نماذجَ ضخمةٍ تحاكي ما تصدره الشركاتُ الكبرى، ثم يعجزون عن إكمالها أو شرحها أو ربطها بمشكلةٍ يفهمها مَن أمامهم. والأجدى من ذلك مشروعٌ متواضعُ الأدوات، واضحُ الغاية، يحل مشكلةً ملموسةً في سياقٍ يعرفه صاحبه. فمَن بنى أداةً تصنّف شكاوى العملاء في متجرٍ محلي، وأثبت بالأرقام أنها وفّرت ساعاتٍ من العمل اليدوي، أقنعُ ممن بنى نموذجًا نظريًّا معلّقًا في الفراغ لا يخدم أحدًا. القيمةُ في الذكاء الاصطناعي التطبيقي ليست في تعقيد البِنية، بل في وضوح الأثر، وهذا ما تؤكده أدبياتُ كلية هارفارد للأعمال حين تتحدث عن أن التقنيةَ لا تكتسب قيمتها إلا حين تُترجَم إلى نتيجةٍ يلمسها صاحبُ القرار.
والركيزةُ الأولى في بناء محفظةٍ مقنعة أن يختار صاحبُها مشاريعَ تنبع من سياقٍ يعرفه أو يهتم به، لا من قائمةٍ جاهزةٍ يقلّدها. فالمهتمُّ بالرعاية الصحية يبني نموذجًا حول بياناتٍ طبية، والمهتمُّ بالمال يبني حول الأسواق، والمهتمُّ بالعربية يبني حول معالجة لغته الأم، وهو ميدانٌ ما يزال بِكرًا تتسع فيه الفرصُ اتساعًا هائلًا. وهذا الانحيازُ إلى السياق الشخصي ليس ترفًا، بل هو ما يمنح المشروعَ سرديةً يصدّقها مَن يستمع إليها، إذ يلمس فيها شغفًا حقيقيًّا لا تكلفًا مفتعلًا. وقد أشارت تحليلاتُ منصة لينكدإن لاتجاهات التوظيف إلى أن أصحابَ العمل يقدّرون البرهانَ على القدرة على حل مشكلاتٍ بعينها أكثرَ من تقديرهم للمسمّيات العامة، وأن المهاراتِ القابلةَ للإثبات صارت محورَ عملية الاختيار.
والركيزةُ الثانية أن يجعل صاحبُ المحفظة عملَه شفافًا قابلًا للفحص. فالمشروعُ الذي لا يُرى إلا في صورةٍ نهائيةٍ لامعة يثير الريبةَ أكثر مما يبدّدها. أما المشروعُ الذي يُعرض مع شيفرته المصدرية، وتاريخِ تطويره، وملاحظاتِ صاحبه عن أخطائه وتصحيحاته، فإنه يقدّم شيئًا أثمنَ من النتيجة، يقدّم شهادةً على طريقة التفكير. ومن هنا صارت المستودعاتُ الرقمية المفتوحة أشبهَ بالسيرة الحية، يقرأ فيها مَن يوظِّف انضباطَ المتقدم وعنايتَه بالتفاصيل وقدرتَه على توثيق ما يصنع. والتوثيقُ هنا ليس زينةً تُضاف بعد الفراغ، بل هو جزءٌ من العمل نفسه، إذ يكشف عن قدرة صاحبه على التواصل، وهي مهارةٌ لا تقل أهميةً عن البناء.
والركيزةُ الثالثة أن يربط صاحبُ المحفظة كلَّ مشروعٍ بأثرٍ قابلٍ للقياس. فالعبارةُ المبهمةُ التي تقول إن النموذج يعمل بكفاءةٍ عالية لا تعني شيئًا، أما العبارةُ التي تقول إن النموذج رفع دقةَ التصنيف من سبعين إلى تسعين بالمئة، أو اختصر زمنَ المعالجة إلى النصف، فإنها تتكلم بلغةٍ يفهمها كلُّ صاحب قرار. وهذا التدريبُ على القياس لا يقوّي المحفظةَ فحسب، بل يصوغ عقلَ صاحبها صياغةً مهنية، إذ يعوّده أن يسأل عن قيمة ما يصنع قبل أن يفخر به. وقد لاحظت دراساتُ منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن الفجوةَ بين تبنّي الذكاء الاصطناعي والاستفادة الفعلية منه تكمن غالبًا في غياب القياس، إذ تتبنّى المؤسساتُ الأدواتِ دون أن تعرف أثرَها، وهي فجوةٌ يستطيع الفردُ الذي يتقن القياسَ أن يسدّها فيصير نادرًا مطلوبًا.
ولا تكتمل هذه الركائزُ ما لم يضف إليها صاحبُها بُعدًا أخلاقيًّا ووعيًا بالحدود. فالمحفظةُ التي تكشف عن إدراك صاحبها لمخاطر التحيز في البيانات، ولحدود النموذج، ولمسؤولية مَن يبني أدواتٍ تؤثر في الناس، تتفوق على محفظةٍ تستعرض القدرةَ التقنية مجردةً من الضمير. وقد جعلت جامعاتٌ عريقةٌ كأكسفورد من أخلاقيات الذكاء الاصطناعي حقلًا قائمًا بذاته، إيمانًا بأن مَن يبني هذه الأنظمةَ لا بد أن يحمل وعيًا بأثرها قبل أن يحمل مهارةَ صنعها. والمتقدمُ الذي يُظهر هذا الوعيَ في مشاريعه يقول لمن أمامه إنه لا يصنع لأجل الصنع، بل يصنع وهو يدرك ما يترتب على صنعه.
وفي السياق العربي تتضاعف قيمةُ هذه المحفظة، إذ يمضي اقتصادُ المنطقة نحو التحول الرقمي بخطًى متسارعة، وتجعل رؤيةُ السعودية لعام ألفين وثلاثين من تمكين القدرات الوطنية في التقنيات الناشئة هدفًا صريحًا تترجمه مبادراتُ الهيئة الوطنية للذكاء الاصطناعي ومشاريعُها. والشابُّ العربي الذي يبني محفظةً تعالج مشكلاتِ بيئته، من معالجة اللغة العربية إلى خدمة القطاعات المحلية، لا يثبت كفاءتَه فحسب، بل يسد فجوةً تتلهف إليها سوقٌ ناشئةٌ تبحث عن صانعين لا عن ناقلين. فالفرصةُ هنا مزدوجة: ميدانٌ يتسع، وندرةٌ في مَن يملؤه بالبرهان لا بالادّعاء.
ولعل من أدق ما يغفل عنه بناةُ المحافظ أن سجل الأعمال ليس مجموعةَ مشاريعَ منفصلةٍ يجمعها سقفٌ واحد، بل هو سرديةٌ متصلةٌ تروي نموَّ صاحبها وتطورَ تفكيره. فحين يُرتَّب المشروعُ الأول البسيطُ بجوار المشروع الثالث الأنضج، يقرأ مَن يوظِّف في هذا التدرّج قصةَ عقلٍ يتعلم، ويرى كيف انتقل صاحبُه من معالجة مسألةٍ مباشرة إلى مواجهة تعقيدٍ أعمق. وهذه السرديةُ التصاعدية أبلغُ من أي بيانٍ مكتوب، إذ تُظهر القدرةَ على التعلم الذاتي، وهي المهارةُ التي يجمع الخبراءُ على أنها أثمنُ ما يحمله المرءُ في حقلٍ يتبدل بهذه السرعة. فالذي يتقن أداةً اليوم قد تتجاوزها الأداةُ غدًا، أما الذي يثبت قدرتَه على التعلم المتجدد فإنه يضمن بقاءه نافعًا مهما تبدلت الأدوات.
ويرى الكاتب أن ثمة فضيلةً ثالثةً تكاد تكون غائبةً عن أذهان المبتدئين، وهي قيمةُ المشاركة العلنية في أثناء البناء لا بعد الفراغ منه. فالذي يكتب عن تجربته وهو يخوضها، فيشرح ما تعلّمه من فشلٍ أو ما اهتدى إليه من حل، ينسج حول محفظته شبكةً من الثقة والانتباه قبل أن يحتاج إليها. ولا يقتصر نفعُ هذه المشاركة على لفت الأنظار، بل يتعداه إلى ترسيخ الفهم في نفس صاحبه، إذ لا يتقن المرءُ شيئًا كإتقانه ما اضطر إلى شرحه لغيره. وهكذا تتحول المحفظةُ من ملفٍّ صامتٍ ينتظر مَن يفتحه إلى حضورٍ حيٍّ يسبق صاحبَه إلى أبواب الفرص، فيصل خبرُه قبل أن يصل هو.
يرى الكاتب أن المحفظة، في نهاية المطاف، ليست ملفًّا يُجمَع قبيل البحث عن وظيفة، بل هي عادةٌ تُمارَس على امتداد الرحلة. فالذي ينتظر حتى يحتاج إلى عملٍ ليبدأ ببناء سجله يجد نفسه أمام فراغٍ يصعب ملؤه على عجل، أما الذي يبني مشروعًا كل بضعة أشهر، يحل به مشكلةً جديدةً ويوثّق فيه درسًا جديدًا، فإنه يراكم رأسَ مالٍ مهنيٍّ ينمو بهدوء حتى يصير حجّةً لا تُردّ. والمستقبلُ، فيما يلوح، لن يسأل المرءَ عما يعرف، بل عما صنع بما يعرف، ولن يكون السؤالُ هل درستَ الذكاء الاصطناعي، بل أرني ماذا بنيتَ به. ومن أدرك هذا باكرًا، وبدأ يراكم البرهانَ قبل أن يُطلَب منه، فإنه يقف يوم الحاجة لا متوسلًا فرصةً، بل عارضًا قيمةً، والفرقُ بين الموقفين هو الفرقُ بين مَن يطرق الباب ومَن يُفتح له البابُ قبل أن يطرق.